يصعب تعريف الثقافة، بالنظر إلى تشعباتها وتعدد روافدها ومركباتها، فقد اعتبر بعض المفكرين أن الثقافة تتكون من القيم والمعتقدات والمعايير والرموز والأيديولوجيات وغيرها من المنتجات العقلية. 

أما بعضهم الآخر فقد ربط الثقـافـة بـنـمـط الحـيـاة الـكـلـي لمجتمع ما، والعلاقات التي تربط بين أفراده، وتوجهات هؤلاء الأفـراد فـي حياتهم، ويشمل ذلك أنماط الحياة اليومية، واللغة، والتقاليد، والرموز، التي تعد مكونًا مركزيًا لفهم السلطة والمجتمع. وتتشكل الثقافة من ظواهر أو عناصر مرتبط بعضها بالبعض في الكل المركـب لها، حيث تتجسد في التحيزات الثقافية التي تشمل القيم والمعتقدات المشتركة بين الناس، والعلاقات الاجتماعية التي تتضمن العلاقات الشخصية، وتربط الناس مع بعضهم البعض، وفي أساليب الحياة التي تشكل الناتج الكلي المركـب مـن الانـحـيـازات الثقافية والعلاقات الاجتماعية.

وظهرت نظرية الثقافة التي انبثق عنها النقد الثقافي والدراسات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، وتجاوزت الحدود الفاصلة بين التخصصات والحقول المعرفية، كي تؤسس رؤية جديدة تُعلي من شأن الثقافة باعتبارها ميدانا للصراع الاجتماعي والسياسي، ومجالا لكشف علاقات القوة والهيمنة والتمثيل في المجتمعات.

وعرفت هذه النظرية تحوّلات كثيرة منذ الربع الأخير من القرن العشرين، حيث يرى تيري إيغلتون في كتابه "ما بعد النظرية" (ترجمة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة 2025)، أن النظرية الثقافية صعدت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين كأداة ثورية ارتبطت باليسار الراديكالي، لكنها مع صعود ما بعد الحداثة، فقدت زخمها السياسي الجذري في العقود اللاحقة، وتحولت إلى شكل من أشكال "السياسة الثقافية" السطحية التي تخدم النظام الرأسمالي بدلًا من تحديه. ووقعت في أخطاء جسيمة، تجسدت في رفض الحقيقة المطلقة والموضوعية، والتركيز الزائد على الهويات الثقافية، والجنس، والرغبة، والجسد الإيروتيكي بدلا من الجسد العامل أو الجائع. وتجاهلت الجوانب المادية للوجود البشري كالحاجة، والاعتماد المتبادل، والموت، الأمر الذي جعلها عاجزة عن نقد الظلم والقمع، وباتت تتسم بالسطحية والاستهلاكية. ويطالب إيغلتون بتجديد النظرية الثقافية، كي تكون أكثر التزاما بالواقع السياسي والأخلاقي، من خلال تناول الأسئلة الكبرى عن الخير والشر والعدالة، وبما يجعلها ذات معنى في عالم يحتاج إلى إصلاح جذري. وأن تركز أكثر على السياسة والأخلاق، وبناء عالم أكثر عدلا، مع الاعتراف بأن البشر كائنات مادية محدودة بالموت والحاجة.

يوجه إيغلتون سهام نقده إلى اليسار الثقافي الذي نسي جذوره السياسية في عصر ما بعد الحداثة، حيث أضحت النظرية الثقافية غارقة في الاحتفاء بالاختلاف الفردي، والهوية، واللذة الاستهلاكية، متجاهلة قضايا العدالة الاجتماعية والصراع الطبقي. ويطاول نقده الكيفية التي انتهى بها العصر الذهبي للنظرية، خلال المرحلة التي امتدت من ستينيات القرن الماضي إلى ثمانينياته، وبرز فيه فلاسفة ومفكرون مثل كلود ليفي ستروس، وميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجاك لاكان، ورولان بارت، وريموند وليامز، وفريدريك جيمسون، وإدوارد سعيد.

وكان من إنجازاتها إخراج مواضيع مثل الجنس، والسلطة، والعرق، من الهامش إلى المتن، إلى جانب تكريس الجندر والهوية الجنسية بوصفهما موضوعين مشروعين للدراسة.

إضافة إلى تكريس الفكرة التي مفادها أن الثقافة الشعبية أيضًا جديرة بالدراسة، وذلك بعد أن تجاهل البحث التقليدي حياة عامة الناس طوال قرون، مع بعض الاستثناءات. لكن العصر الذهبي انتهى، وباتت النظرية الثقافية غير قادرة على مواجهة تحديات العولمة، والرأسمالية المتأخرة، والإرهاب. واتسمت بفقدان الارتباط بالسياسة الجذرية عبر تركيز الدراسات الثقافية على الهويات الفردية، والاختلاف الثقافي، واللذة الاستهلاكية، والثقافة الشعبية مثل الإعلام والسلع، متجاهلة الصراع الطبقي، والعدالة الاجتماعية، والقضايا الكبرى مثل الشر، والموت، والأخلاق.

ومع انهيار اليسار بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وصعود النيوليبرالية، تحولت إلى "سياسة صغيرة" محلية، بينما اليمين يعمل على المستوى العالمي، فيما عكست ما بعد الحداثة في الدراسات الثقافية منطق الرأسمالية المتأخرة، عبر الاحتفال بالتنوع والاختلاف كسلعة، الأمر الذي جعلها غير قادرة على نقد الظلم الهيكلي أو العولمة الرأسمالية. وبات الاحتفاء بالهوية والتعددية الثقافية يخدم النظام الرأسمالي، ولا يقاومه، وابتعد عن الثورة أو التغيير الجذري.

تاريخيا، ترجع جذور النظرية إلى أفلاطون، لكنها عرفت ازدهارا في فترة صعود أقصى اليسار بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حفرت الأفكار الثقافية عميقا في عصر الحقوق المدنية، وتمرد الطلاب، وجبهات التحرر الوطني، والحملات المناهضة للحرب والأسلحة النووية، وبروز الحركة النسائية، وأوج التحرر الثقافي.

وكانت حقبة ازدهر فيها المجتمع الاستهلاكي، وشهدت ظهور وسائل الإعلام، والثقافة الشعبية، والثقافات الفرعية، بوصفها قوى اجتماعية يحسب حسابها لأول مرة. وبزغت الأفكار الثقافية الجديدة في رأسمالية كانت تزداد فيها أهمية الثقافة باضطراد.

وصارت الثقافة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين تعني أيضا السينما، والصورة، والأزياء، ونمط الحياة، والتسويق، والإعلان، ووسائل الاتصال. ومثّلت الثقافة بمعنى القيمة والرمز واللغة والفن والتراث والهوية، الهواء الذي تنفّسته حركات اجتماعية جديدة كالنسوية والقوة السوداء.

يرى إيغلتون أن بعض الصراعات السياسية حققت قدرا من النجاح، وبعضها الآخر لم يحقق شيئا، فالحركة الطلابية في ستينيات القرن العشرين كشفت تورط التعليم العالي في بنى العنف العسكري والاستغلال الرأسمالي، وتحدّت الطريقة التي تواطأت فيها الإنسانيات، وكانت نظرية الثقافة واحدة من ثمار هذا التحدي.

ثم فقدت الإنسانيات براءتها، ولم تعد تزعم بأنها غير ملوثة بالسلطة، لذا فإن النظرية إن كانت تريد البقاء حيّة، فعليها أن تكف عن تأمل أغراضها وافتراضاتها. وهذا التأمل النقدي للذات هو ما يسميه إيغلتون النظرية.

ارتبط العديد من اتجاهات النظرية الثقافية بنقد الماركسية الكلاسيكية، بوصفه ردة فعل رفاقية وليست معادية، حيث عمل لوي ألتوسير على تفكيك كثير من الأفكار الماركسية، فيما وظّف كلود ليفي ستروس الماركسية في حقل خبرته الخاص بالأنثروبولوجيا، بوصفها رؤية تاريخية. وكانت الماركسية في قلب الراديكالية السياسية لأواخر ستينيات القرن العشرين وأوائل سبعينياته، لكن حين رفض جان فرنسوا ليوتار السرديات الكبرى، فكان يعني الماركسية، وذلك بعد أن لطخت الستالينية سمعة الماركسية في الغرب.

أما مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتوابعه، فقد اختفت الماركسية في بقاع عديدة من العالم، مع أنها لم تكن مجرد فرضية يمكن الإيمان بها أو لا، بحسب ما يريد الإنسان، بل هي حركة سياسية ضمت ملايين الناس في بلدان كثيرة على مدى قرون.

جاءت ثمانينيات القرن العشرين من دون سياسة. وحين ذوت الآمال اليسارية، برزت الدراسات الثقافية، ونُبذت أحلام التغيير الاجتماعي، بوصفها سرديات كبرى محرمة، يرجح أن تفضي إلى الشمولية لا إلى الحرية، مع أن الأوساط الراديكالية أدركت أن التغيير السياسي لا بد أن يكون ثقافيًا كي يكون فعالًا، حيث إن كل تغيير سياسي لا ينغرس في مشاعر الناس وتصوراتهم لا يرجح أن يدوم طويلًا.

وهذا ما عناه أنطونيو غرامشي بـ"الهيمنة". وقد وجد قادة مناهضون للاستعمار فيما يسمى "العالم الثالث" ضرورة التخلص من الثقافة الاستعمارية مع الحكم الاستعماري، لكن الثورات ضد الاستعمار لم تفضِ إلى تغيير دائم، بل أنتجت أنظمة استبدادية غير قابلة للإسقاط، مما أضعف اليسار السياسي، فيما ركزت النظرية ما بعد الاستعمارية على الأبعاد الكوسموبوليتية في عالم متعولم، وفضلت العرقية والثقافة على الطبقة أو الأمة، وذلك في سياق تأكيدها على الهويات الهجينة، والاختلاف الثقافي، والتعددية، مع رفض السرديات الكبرى مثل التقدم.

عكست التحولات التي جرت في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين تغييرات حقيقية، أدت إلى إزالة السياسة من النظرية، ورفض فكرة السياسات العالمية، والتخلي عن التفكير الكوكبي، مقابل التركيز على السياسات الصغرى، وتمجيد الاختلاف الذي تحول إلى شعار جديد.

وانطوى تحويل الفكر ما بعد الحداثي للاختلاف على مفارقة مضحكة، لأن دافعه كان إزالة الفروق بين الصورة والواقع، وبين الحقيقة والخيال، والتاريخ والخرافة، والأخلاقيات والجمال، والثقافة والاقتصاد، واليسار واليمين السياسي.

وأضحت النظرية تطرح الصراعات ثقافيا لا سياسيا، متكيفة مع سياسات الهوية الغربية ووهم التحرر في ظل الرأسمالية.

وهذا ما جعلها غير قادرة على مواجهة الاستغلال الرأسمالي العالمي أو بناء تضامن طبقي دولي، بل تتواطأ مع النيوليبرالية من خلال الاحتفاء بالفردانية والاختلاف بدون تغيير مادي.

أخيرا، يرى إيغلتون أن أسلوب التفكير ما بعد الحداثي يقترب من نهايته، وهو ما يشكل تحديا جديدا يُطرح على النظرية الثقافية. ولكي تنخرط في تاريخ عالمي طموح، لا بد من تجديدها على مستوى العمق والوضع الذي تواجهه، والبحث عن مواضيع جديدة. ويعتبر كتابه الذي بين أيدينا بمثابة خطوة افتتاحية في سياق ذلك البحث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ضفة ثالثة" – 17 كانون الثاني 2026