أثناء حرب الإبادة على غزة، كتبَ الأكاديمي الإيراني الأميركي، وأستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك حميد دباشي كتابه "بعد الهمجية: غزة، الإبادة، ووهم الحضارة الغربية" (دار هايماركت، 2025)، الذي يقرأ تلك الحرب، أو لحظة الإبادة، بما تكشفه من انهيار السردية الأخلاقية التي تستند إليها الفلسفة الغربية، ولا سيما في ادعائها الكونية. فهذه الفلسفة، وبحسب دباشي، حين تواجه العنف الاستعماري الواقع على شعوب غير أوروبية، تميل إلى التبرير أو التجريد، بدل الاعتراف بالبنية التي تنتج العنف.

يمثّل الكتاب امتداداً لسؤال اشتبك معه دباشي سابقاً حول موقع "غير الأوروبي" داخل المخيال الفلسفي الأوروبي. غير أنه يقرأ هذه المفارقة هنا عبر غزة، في لحظة الإبادة، بوصف تلك الحرب تحوّلاً يفضح زيف الفلسفة الغربية وعجزها البنيوي عن رؤية العنف الاستعماري حين لا يكون "أوروبياً ضد أوروبي". ويمرّ دباشي على تقاليد فلسفية تمتد من كانط إلى هيغل، ومن هايدغر إلى هابرماس وأدورنو، مع تخصيصٍ لنقد مدرسة فرانكفورت بوصفها مثالاً على تمركز أوروبي ينهار أخلاقياً عندما يُختبر خارج شروط أوروبا.

يتعامل الكتاب مع الحرب بوصفها صدمةً عالمية تفرض إعادة طرح أسئلة عن أسباب الدعم الغربي لإسرائيل، وكيفية فهمه في سياق تاريخ أطول من الاستعمار، إذ يضع دباشي ما جرى في غزّة ضمن سردية كبرى عن الغرب ومنظوماته السياسية والمعرفية، رابطاً بذلك غزّة بسؤال أوسع عن معنى الحضارة. وفي السياق ذاته، يرى دباشي الصهيونية الإبادية امتداداً استعمارياً للفاشية الأوروبية، ويعرّف إسرائيل بوصفها مستعمرة استيطانية، ومشروعاً يجسّد "خلاصة الغرب" وسردياته.

في المقابل، يقدّم فلسطين مرآة تختصر تاريخ العنف الاستعماري العالمي، بوصفها دلالة حاضرة وقائمة على هذا العنف، لا حالة نظرية في الدراسات التاريخية. وعلى ضوء ذلك، يناقش دباشي في كتابه معنى أن تكون فلسطينياً في عالم يعيد تعريف ذاته. ويقرأ موقع الفلسطينيين في السياسة والأدب والفن العالميين، مشككاً في ادعاء الكونية لدى الفلسفة الغربية التي تستبعد الفلسطينيين، عملياً، بوصفهم غير أوروبيين، كما يعرض الواقع الفلسطيني المحكوم بالمخيمات والعنف البنيوي الاستعماري منذ النكبة، وصولاً إلى حرب الإبادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"العربي الجديد" – 27 كانون الثاني 2026