عملت الوضعية، بمختلف تياراتها ومذاهبها، القديمة والحديثة وما يسمَّى «ما بعد الوضعية»، كتيار من تيارات الفلسفة المثالية ومذاهبها، على نفي الواقع بشتى الطرق، ونفي علاقة الفكر به. أي نفي علاقة النتاج الفكري بالواقع، وذلك في سعيها لشن هجوم على الفلسفة المادية، وبالتحديد الأدق على الماركسية – اللينينية، كنظرية للثورة التي من أركانها إظهار العلاقة المادية الديالكتيكية بين النتاج الفكري والواقع على قاعدة أسبقية الواقع على الفكر، بالمفهوم المادي الديالكتيكي، وموقعه في عملية التغيير، فقد بقي نفي الواقع أساس الوضعية واتجاهاتها المتأخرة عبرَّت عنه بتأكيدها أن السؤال حول الطابع الموضوعي للظواهر هو مسألة مزيفة، أي بلغة الوضعية هو ميتافيزيقا. في هذا الإطار من التحديد نقدم مقاربة مادية علمية نقدية، في ضوء المنهجية الماركسية – اللينينية، لمفهوم الوضعية للفلسفة واللغة (السيمانطيقا) والرياضيات، والنظريات العلمية… النتاج الإنساني بعامة، لإظهار زيفها وتزييفها للوعي وموقعها الطبقي المؤبد للأيديولوجية البرجوازية المسيطرة.

حصر المذهب الوضعي مهمة الفلسفة في التحليل المنطقي وتحليل اللغة، أما المنطق والرياضيات فإنهما خاليان من المضمون، أي القول بانفصالهما عن الواقع الموضوعي (قَبْليان)؛ وأن صدق قضايا الرياضيات عبارة عن صدق لغوي محض، وبما أن الرياضيات بمفهومها الوضعي لا تعطي معرفة عن الواقع فإن قضاياها لا يضيف محمولها أي جديد إلى موضوعها هي تحصيل حاصل Tautology، وأحكامها تحليلية يقينية لأنها تستند إلى قواعد اللغة، وبالتالي يقينيتها، في الفهم الوضعي، منفصلة، بقرار منهجي تعسفي، عن الأشياء المادية في الواقع الموضوعي، وبذلك تكون قَبْليَّة. وبالتالي نزعت الوضعية الارتباط بالواقع الذي تنكره بالأساس، الأمر الذي وضعها في مأزق إيضاح عمليَّة التجريد التي تتكون منها المفاهيم، للخروج من مأزقها عملت الوضعية على استبدال الواقع بالمنطق الصوري، أي استبدال الواقع بالتجربة وقابليتها، ومبدأ التحقق    Verifiability criterion   والتأييد، هي مبادئ عامة للمذهب الوضعي، هنا تبرز المثالية الذاتية بوضوح في تيارات الوضعية المختلفة، والوضعية الأمپيريقية، و«ما بعد الوضعية». على الطرف النقيض للفهم الوضعي فإن الفهم المادي العلمي للتجريد من ركائزه تحديد مفهوم التجريد والعلاقة المادية الديالكتيكية بين المفاهيم والواقع. أي نفي الفصل الميكانيكي بين التجريد والأشياء المادية فهما مرتبطان ديالكتيكياً، ويقدمان معرفة عن الواقع وبالتالي فإن إنكار الوضعية المنطقية القول “بوجود العام وبوجود مجموعات من الأشياء، فإننا سوف نتبين أنها ليست في الموقع الذي يتيح لها إمكانية إيضاح عملية التجريد التي تتكون ضمنها المفاهيم المعرفية”.. (١)

تكمل الوضعية المنطقية تقييد مهمة الفلسفة ونزعها عن الواقع الموضوعي، الذي تجلى في رسالة لودفيغ فتغنشتاين «رسالة منطقية فلسفية» Philosophicus Tractatus Logico  حيث أصبحت مهمة الفلسفة معه، في المرحلة الأولى من نتاجه، مقتصرة على توضيح الأفكار ومبادئ العلوم، ونزع عنها أي دور في بناء الأفكار والمبادئ العلمية وأنها لا تضيف أية معرفة جديدة، ووفقاً للمنهجية العامة للوضعية المنطقية، القائمة على فرض تحديد مهمة الفلسفة بأنها تحليل لغة العلم كتبَ رودولف كارناپ “إن موضوع أبحاث مدرسة فيينا، هو العلم، سواء باعتباره واحداً أو فروعاً مختلفة. ويتعلق الأمر هنا بتحليل المفاهيم والقضايا والبراهين والنظريات التي تلعب فيه دوراً ما، مع العناية بالناحية المنطقية، أكثر من الاهتمام باعتبارات التطور التاريخي (…). وعني بالعلم هنا، مجموعة العبارات المعروفة، ليس فقط تلك التي يصوغها العلماء، بل أيضاً تلك التي نصادفها في الحياة الجارية (…). إن المنطق، منطق العلم، قد أصبح ناضجاً لكي يتحرّر من الفلسفة ويتفرد بميدان علمي مضبوط، يركز العمل فيه على منهج علمي صارم، يسدّ الباب نهائياً في وجه الحديث عن كمعرفة ”أكثر عمقاً“ أو ”أكثر سمواً“… وسيكون هذا بتقديري آخر غصن ينتزع من الجذع. ذلك لأنه ماذا سيبقى بعد ذلك للفلسفة؟ لن يبقى لها إلّا تلك المشاكل العزيزة على الميتافيزيقيين، مثل: ما هو السبب الأول للعالم؟ وما ماهية العدم؟ ولكن هذه ليست سوى مشاكل زائفة خالية من كل محتوى. “إن كل فلسفة بالمعنى القديم للكلمة، سواء انتسبت إلى أفلاطون أو القديس توما، أو كانت [كنط]، أو شلينج، أو هيغل، سواء عملت على تشييد ”فلسفة جديدة للكائن“ – أو الوجود- أو ”فلسفة ديالكتيكية“ تبدو أمام النقد الذي لا يرحم، والذي يقوم به المنطق الجديد، لا كنظرية خاطئة من حيث محتواها، بل كنظرية لا يمكن الدفاع عنها منطقياً، وبالتالي خالية من الدلالة”.(٢) في ضوء تحديد كارناپ لمهمة الفلسفة بأنها التحليل المنطقي للغة، وأن قضايا الفلسفة هي مسائل لغوية محضة، وصل إلى أن المعرفة تصاغ من عبارات أو جمل من الكلمات، على هذا الأساس اعتبر كارناپ أن مهمة الفلسفة هي تحديد قواعد صوغ الكلمات في جمل وتحليل الأسس المنطقية لاستنتاج جمل من غيرها. بالتالي حصرت مسائل الفلسفة، في مفهومها الوضعي المنطقي، بالعلاقات المنطقية والخصائص اللغوية، أي نفي معناها (دلالتها) الواقعي الموضوعي، “ومن ثم تتماثل الفلسفة مع المنطق (السيمانطيقا)، بحيث يتسع هذا المنطق، وبشكل مناسب لتغطية سيمانطيقا لغة العلوم الواقعية، بالإضافة الى سيمانطيقا الرياضيات. وبهذه الطريقة يمكن للفلسفة أن تكون أكثر من مجرد منطق للرياضيات، وفي نفس الوقت تظل الفلسفة مغايرة تماماً للعلوم الواقعية. لأن العلوم الواقعية إنما هي بحث في الطبيعة، بينما الفلسفة بحث منطقي في لغة العلوم الواقعية”.(٣) بذلك أصبحت اللغة، في منهجية الوضعية المنطقية التي حصرت موضوع الفلسفة بأنه ليس أكثر من التحليل المنطقي للغة، عبارة عن سستام منفصل عن الواقع وعن شروطه المادية التاريخية وأسبقيته الموضوعية، محوِّلة اللغة إلى مجرد ظاهرة مثالية منفصلة عن العلاقات الواقعيَّة التي تعكسها، أي أصبحت غير مرتبطة بتطور الفكر وتاريخيته المادية العلمية وعلاقته بتطوّر اللغة وتأثيره عليها والعلاقة بالواقع الموضوعي. مفهوم نجد أسس نقده، وفي الوقت نفسه أسس المفهوم المادي العلمي للغة وللأفكار والدلالة الموضوعية، في تحديد ماركس وإنجلز “إن إحدى المهمات الأصعب بالنسبة إلى الفلاسفة هي النزول من عالم الأفكار إلى العالم الواقعي. إن اللغة  هي الواقع المباشر للفكر. وكما أن الفلاسفة منحوا  الفكر وجوداً مستقلاً، كذلك لا بد لهم أن ينسبوا إلى اللغة وجوداً مستقلاً ليجعلوا منها ميدانهم الخاص. وهذا هو سر اللغة الفلسفية حيث الأفكار في شكل الكلمات تملك مضمونها الخاص. إن قضية النزول من عالم الأفكار إلى العالم الواقعي تتحول إلى قضية الانتقال من اللغة إلى الحياة (…). ليس على الفلاسفة إلا أن ينقلوا لغتهم إلى اللغة العادية التي استخلصت منها كي يعترفوا بأنها لا تعدو كونها اللغة المشوهة للعالم الواقعي وكي يتحققوا من أنه لا اللغة ولا الأفكار تشكل بحد ذاتها مجالاً خاصاً، وأنها ليست سوى تجلي الظاهرات الفعلية للحياة “. (٤)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) – – تيزيني، طيب، الوضعية الجديدة، الموسوعة الفلسفية العربية، ٣ مج،  زيادة، معن (رئيس التحرير)، معهد الانماء العربي، بيروت، ط١، ١٩٨٨.مج٢، قسم٢،  ص. ١٥٤٥.

(2)- Carnap R, le Probléme de la logique de la science, traduction par Heman Vuillemin, P.P 4-8.

نقلاً عن الجابري محمد عابد، مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط٣، ١٩٩٤.ص. ص. ٢٨- ٢٩. التعليم بالخط العريض من عندياتي.

(٣)- كارناب، رودلف، كارناب، ردولف، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة د. السيد نفادي، دار التنوير، بيروت، ط١، ١٩٩٣. ص. ١١.

(٤) – ماركس كارل، إنجلز فريدريك، الإيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار الفارابي، بيروت، ط ١، ٢٠١٦، ص. ٥٦٩.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سكرتير تحرير منصة "تقدم"

منصة "تقدم" – 28 كانون الأول 2025ـ