أنشطة السرية الخامسة التابعة لقوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي في المجالين العسكري والسياسي في منطقة قضاء العمادية التابعة لقاطع بهدينان خلال الفترة الممتدة من منتصف عام 1980حتى ربيع عام 1985 ، تمثل واحدة من أبرز صفحات النضال المشرقة في تاريخ حركة الأنصار في كوردستان. في تلك السنوات العصيبة التي كان فيها النظام البعثي في ذروة قوته من حيث العدة والعدد، استطاعت السرية أن تثبت وجودها وتحقق إنجازات مهمة بفضل رؤيتها الواضحة، وتنظيمها المحكم، وإخلاص رفاقها لقضية شعبهم. كانت البداية من الجانب السياسي، إذ وضعت قيادة السرية برنامج عمل منظم للهيئات الحزبية في منطقة عملها، ارتكزت على كسب تعاطف الجماهير وبخاصة فئة الشباب، وتشجيعهم على الانخراط في حلقات صداقية تمهيدا لانضمامهم إلى صفوف الحزب، كما أولت السرية اهتماما كبيرا بالعمل التوعوي من خلال تكثيف الندوات الجماهيرية في القرى، تشرح سياسة الحزب والتعريف بمعانات الناس، وفضح الأساليب القمعية التي كان يمارسها النظام البعثي ضد أبناء الشعب الكردي، وقد حرصت السرية في جميع تحركاتها على التعامل الإنساني مع الأهالي، ما جعل الجماهير تشعر بأن أنصار السرية الخامسة يقاتلون دفاعا عن مصالحهم وحياتهم ومستقبلهم .

وفي الوقت الذي كانت فيه السرية تسعى لبناء قاعدة جماهيرية واسعة ومتينة، لم تتهاون في التعامل مع العملاء والعناصر المتعاونة مع أجهزة النظام البعثي. فقد تمت مراقبة تحركات تلك العناصر بدقة من خلال الركائز التي جرى كسبها، والمتعاطفين مع حركة الأنصار في القرى والمناطق، ومن خلال هذا النشاط المنظم تمكنت قيادة السرية من تكوين رؤية واضحة لتحركات العدو ومحاولاتها المتكررة للنيل من السرية، الأمر الذي مكنها من اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لإفشال تلك المحاولات .

ومع مرور الوقت وبفضل النشاط المكثف للهيئات وعلاقاتها الواسعة مع جماهير المنطقة بالإضافة إلى جهود الأنصار من أبناء المنطقة، استطاعت السرية أن تبني سياجا جماهيريا قويا في منطقة عملها، وأن تنشئ ركائز حزبية فعالة أصبحت بمثابة عيون ساهرة تراقب كل ما يجري حولها حفاظا على سلامتها. وكان لهذا الدعم الشعبي الكبير دور أساسي في حماية الأنصار من أي عمل انتقامي قد تقوم به قوات النظام طيلة خمس سنوات متواصلة كانت من أصعب المراحل في تاريخ النضال الكردي.

 بفضل هذه القاعدة الصلبة والرؤية المستقبلية الواضحة، تمكنت السرية من تنفيذ أعمال عسكرية صعبة ونوعية ضد مواقع العدو داخل المدن والقصبات وخارجها، كما نفذت عمليات دقيقة لاعتقال العناصر المتعاونة مع أجهزة القمع البعثية. وقد تميزت جميع هذه العمليات بالدقة والتنظيم والإبداع الجيد، وتم تنفيذها دون خسائر تذكر، مما جعل السرية الخامسة واحدة من أبرز السرايا في حركة الأنصار على امتداد كوردستان، إن النجاح الذي حققته خلال تلك السنوات لم يكن صدفة، بل كان ثمرة لعمل سياسي مدروس، وسياج جماهيري متين وركائز حزبية مخلصة، إضافة إلى الروح المعنوية العالية التي تحلى بها الرفاق الأنصار وإخلاصهم العميق لقضية شعبهم.

 لقد اثبتت تجربة السرية الخامسة في العمادية إن العمل السياسي المنظم والتواصل الصادق مع الجماهير يشكلان الأساس الحقيقي لاي نضال مسلح ناجح، وإن الايمان بالقضية والاعتماد على دعم الناس أقوى من أي سلاح لمقارعة العدو.  كانت تلك المرحلة مثالا في الشجاعة والانضباط والتضحية. وأني هنا لاذكر أغلب العمليات العسكرية التي نفذتها السرية خلال الفترة من منتصف عام 1980 وحتى ربيع عام 1985، بنجاح ودون وقوع خسائر في صفوف أنصار السرية كما ذكر أعلاه، عدا العملية الأولى (عملية  اقتحام ربيئة سيكير) التي تناولتها في أحدى مقالاتي السابقة بالتفصيل، موضحا أسبابها ونتائجها. كما أود القول بأنني في هذا المقال سأدرج العمليات العسكرية الأخرى التي نفذتها السرية، لكنني ساكتفي بذكر بعض أحداثها السريعة دون التطرق إلى تواريخها أو تفاصيلها ونتائجها، ولابد من الإشارة هنا أيضا بأنني تحدثت بشكل منفصل عن عملية التسلل إلى قلعة العمادية في مقال تفصيلي، جرى نشره قبل فترة قصيرة من الآن، ذلك لأهميتها التاريخية وكونها أول عملية دخول إلى مدينة العمادية المحصنة، إذ لم تدخلها أي قوة من قوات الحركة المسلحة في كوردستان من قبل. سميت هذه العملية ( بعملية الدرج ) ، وكانت فكرتها تقوم على دخول المدينة بواسطة سلم خشبي .

 العملية الثانية في القلعة

أما العملية الثانية، فقد تسللت مجموعة من الأنصار الأبطال – محمد علي ، أبو حيدر ، دلير ريكاني ، ريكفت آميدي، وريبر آميدي – وبنفس أدوات العملية الأولى ( عملية السلم أو الدرج ) ولكن من موقع آخر في الجانب الغربي، مستخدمين هذه المرة سلما صغيرا وحبالا لتسلق الجدار الصخري نحو الأعلى. في هذه العملية تمكن الرفاق من الدخول إلى القلعة بنجاح وهاجموا عددا من العملاء والبعثيين، وعثروا على قطعة سلاح واحدة، واعتقلوا عميلا من البعث كان ممتلئ الجسد جدا، وأثناء الانسحاب بمعيته سقط من ممر ضيق، ثم انحدر نحو الأسفل من ارتفاع يقارب ثلاثة أمتار دون ان يصاب بأذى. في الوقت نفسه انحدر الأنصار بالحبال إلى الأسفل ومعهم الأسير، وواصلوا السير إلى موقع المفرزة التي كانت في انتظارهم في مكان آخر. وكان لهذه العملية أيضا أثر كبير على السلطة وأجهزتها القمعية وزبانيتها، فحاطت المدينة بمزيد من نقاط الحراسة وضاعفت الرقابة على أطراف العمادية القائمة على القطع الصخرية .

 العملية الثالثة في القلعة

عملية التسلل الثالثة إلى مدينة العمادية كانت من الجهة الشمالية الشرقية للمدنية، على بعد نحو 300 متر فقط من البوابة الرئيسية. في هذه المهمة (العملية)، كنا خمسة أنصار، تسللنا من الجهة ذاتها عند منتصف الليل، مستخدمين الحبال فقط في هذه المرة لتسلق القطع الصخرية المحيطة بالمدينة، وعندما نجحنا في الوصول إلى داخل المدينة، تمكنا من اقتحام بيت أحد عناصر الجيش الشعبي وجردناه من سلاحه دون مقاومة تذكر. وثمة أهمية في الإشارة، إلى أن خطتنا كانت تتضمن مداهمة أكثر من بيت وتجريد عددا أكبر من عناصر السلطة من السلاح داخل المدينة، لكن الصراخ الذي أعقب مداهمتنا الأولى أدى إلى انكشاف أمرنا، فتأهبت عناصر السلطة القريبة من موقعنا وتحركت بسرعة، ما اضطرنا إلى الانسحاب المنظم حفاظا على سلامة المجموعة بعد بدء إطلاق نار عشوائي من قبل العدو. رغم انسحابنا، فقد كان لهذه العملية أثر بالغ داخل العمادية، إذ بثت الرعب في نفوس العملاء وأكدت لهم ان الشيوعيين قادرون على التسلل إلى المدينة في أي وقت يريدون بالرغم من كل التحصينات وتحوطات السلطة، تدني معنويات أزلام النظام في المدينة ومرتكزاتها العسكرية والأمنية والشعور بالخوف والقلق، ساعد في رفع معنويات تنظيمنا الداخلي وتعزيز ثقة الجماهير بإمكانيات وقدرات الأنصار الشيوعيين، مما ضاعف من تحديها للسلطة وزبانيتها، وأحدث أثرا معنويا واسعا في المدينة.

 ردا على هذه العمليات النوعية، بدأت السلطة باعداد خطط جديدة للايقاع بالسرية الخامسة والحد من نشاطها المتصاعد، لكنها فشلت في جميع محاولاتها المباشرة، فلجات إلى أساليب أخرى دنيئة، منها إرسال عناصر لاختراق صفوف الأنصار. وقد أعدت السلطة عددا من عملائها، بينهم نساء، لمحاولة الاندساس في صفوفنا، غير إن معرفة أنصارنا الدقيقة بأهالي المنطقة وطبيعة الناس وتعاونهم أحبطت هذه المحاولات بسرعة. ومع ذلك لم تتراجع السلطة عن مخططاتها، فقد أرسلت لاحقا إمراة من الموصل، من أصول كوردية من أربيل باعتبارها غير معروفة، التحقت بالمفرزة، لكنها وضعت تحت المراقبة والتحقيق لعدة أيام، ثم سلمت إلى الفوج الثالث لمواصلة التحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقها.

واعتقد ان كشفنا لهذه العميلة حال دون تمادي النظام في إرسال المزيد من عناصره للتسلل إلى صفوفنا، إذ اثبتت هذه الحادثة يقظة الأنصار وإخلاصهم ووعيهم الأمني العالي، كما إنها أكدت ان السرية الخامسة كانت عصية على الاختراق، بخلاف ما حدث في بعض مناطق كوردستان الأخرى التي تمكنت أجهزة أمن النظام من اختراقها والتغلغل فيها عبر عملائها.

كمين في مواجهة كمين

كان من المعتاد ان تُخرج أحدى ربايا الجيش القابعة بالقرب من العمادية كمائن متحركة ومتقدمة ومرابات في النهار للسيطرة على خط المرور في منطقة صبنه ، للحد من عبور الشارع وتحرك الأنصار في المنطقة. كان الكمين يدور على شكل نوبات حراسة لجنديين يشكلان صعوبة في تنقل الأنصار بحرية في تلك المنطقة، لذلك قررنا تجريدهم من السلاح رغم خطورة المكان ووجود عدد آخر من الربايا بالقرب من الشارع العام وسهولة وصول النجدة من مواقع عسكرية قريبة منتشرة بين العمادية وبامرني، ذلك بنصب كمين لهم في ذات المنطقة، ولهذا الغرض استطلعنا الموقع ليلا وعثرنا على موضع محفور قديم ومهمل، غطته الاحراش يبعد نحو 300 متر عن مرابات الجنود، وما بعده أرض منبسطة ومكشوفة، تحتاج في حالة المواجهة إلى قطع مسافة تقارب 700 متر عند الاضطرار للإنسحاب، أما المسافة بين كميننا والجنود فكانت 300 متر فقط ، ويفصل الجنود عن الربيئة وادي عميق، يبعد عن موقعهم 500 متر وغير مرئي لنا. الموقع الوحيد المسيطر على الربيئة والمرابات، كان تلا صغيرا يشرف عليه، شخصناه ليكون موقع إسناد لنا لمنع وصول أي قوة قادمة لنجدة الجنود.

بعد الاستطلاع تقرر تنفيذ العملية بقيادتي ومعي النصير حاكم آميدي للسيطرة على جنود المرابات، بينما تولى النصيران رزكار آميدي وحسن آميدي مهمة الإسناد فوق التلة المشرفة على الموقع. في الساعة الرابعة صباحا تسللنا إلى الموقع بنجاح قبل شروق الشمس، عند السابعة صباحا تقدم جنديان من الربيئة بحذر شديد، كنت أراقب خطواتهم بالناظور، حين دخلا موقع الكمين اختفوا، فقط كنا نشاهد رؤوسهم، بعد لحظات انتبه أحدهما لوجود صخرتين على قمة التل المقابل، ونبه زميله قائلا، انظر لتلك الصخرتين، إذ لم تكن هناك بالأمس، فلابد ان يكون هناك من يختبئ خلفهما. سمعت أصواتهما بوضوح، ثم أمر أحدهما باطلاق النار نحو التل وتلك الصخرتين، فأصابت إحدى الرصاصات صخرة من الأثنتين التي وضعها كل من رزكار وحسن في موضعهما، وعلى أثر ذلك انسحب النصيران مذعورين، دون أن يطلقوا النار حتى من باب الدفاع عن النفس رغم سيطرتهما على الموقع. هكذا تركونا أنا والنصير حاكم في موقف حرج وصعب وأصبحنا في خطر نواجه الموت في أية لحظة، خاصة بعد ان استنجد عناصر الكمين ليهرع خمسة جنود مع رئيس عرفاء لنجدتهم فورا. كانوا يتحدثون فيما بينهم ونسمع أصواتهم بوضوح، يقول أحد جنود الكمين، سيدي انتبهنا لتلك الصخرتين لم تكونا بالأمس هناك، قائلا بعد اطلاق النار شاهدنا مسلحين من العصاة يهربون من المكان فأطلقنا النار عليهما أيضا، سألهم رئيس العرفاء هل كانا مسلحين، قالا نعم وجدنا في أيديهما بنادق، فقال رئيس العرفاء لهما انتبها أكيد جاؤوا لوضع كمين لكما، انتبها منهم وكونا حذرين. بعد نصف ساعة من الوضع الصعب والحرج للغاية، انسحب القادمون للنجدة، ومن حسن حظنا انهم لم يستطلعوا الموقع، عمليا كان يمكن أن تحدث لنا كارثة، بقينا نراقب الموقف، كان الجنديان في الكمين خائفين يغطون هيئاتهم في عمق الموقع، فقط كنا نشاهد رؤوسهم فقط، بعد نصف ساعة سمعنا الجندي يخاطب زميله، أذهب لجلب الماء لنا. فاستغليت الفرصة، و قلت لحاكم انتبه، سوف يبقى جندي واحد فقط، علينا ان ننتهز الفرصة لننسحب بسرعة، وعليك المناورة أثناء الانسحاب كي لا يصيبك الرصاص، إذا اطلق علينا الجندي. لم يكن أمامنا من خيار إلا أن ننسحب بهذه الطريقة. وجدت الجندي الوحيد يلتفت خائفا بعد أن بقى وحده، أخذ يراقب زميله ودار ظهره لنا .. قلت لحاكم هيا دعنا نسرع، ركضنا لتجاوز المسافة المنبسطة الخطرة وقبل الوصول إلى المنطقة الآمنة أخذ الجندي الوحيد يطلق النار علينا، عاد جنود النجدة فورا للمرة الثانية، تخفينا خلف تل نراقب الوضع، أخذ الجندي يصرخ سيدي.. سيدي اثنان من العصاة كانا قريبين من هنا، وأشر على موقعنا الذي تركناه، توجه الجنود إلى المكان وتوزع البقية مع الكمين، هكذا انسحبنا وسط خطر حقيقي دون أن نحقق هدفنا، محلين الموقف بابتسامة مرة. وأصبح إسنادنا موضع سخرية الأنصارفي السرية، ولم نترك الأمر بدون تقييم الحالة وعليه فقد عاقبنا النصير رزكار الذي كان آمر فصيل بتجريده من السلاح لعدة أيام، وتمت معاقبة حسن هفندكي في هيئته الحزبية لكونه يعمل مع التنظيم المحلي .

كمين في سولاف واعتقال ضابط كبير في الجيش

اخترنا مصيف سولاف، في موسم السياحة، هدفا لعملية نوعية ننفذها عبر كمين متسلل من بين البساتين والمناطق الكثيفة بالاشجار والتضاريس الوعرة، وصولا إلى المواقع السياحية التابعة للدولة، التي كان يتردد عليها آنذاك المسؤولين ورجال الأمن والمخابرات وعدد من البعثيين. في صيف عام 1983 تقرر تنفيذ العملية بإرسال مجموعة من الأنصار لا يتجاوز عددهم الـستة، يتمتعون بمعرفة دقيقة بطبيعة المنطقة الجغرافية والمواقع السياحية والأشخاص المتواجدين فيها. تمركزت المفرزة في البساتين تحت قرية كانيا مالا الواقعة أسفل مصيف سولاف، حيث تخفي الأنصار بين الأهالي متابعين حركة السواح والمرتادين المحليين الذين يعرف بعضهم البعض.

وخلال الرصد، تمكن الأنصار من تشخيص ضباط بملابس مدنية برفقة عائلاتهم، أحدهم رائد من أهالي العمادية، والأخر عقيد من بغداد يعمل مدرسا في الكلية العسكرية. تحركت المفرزة بسرعة لتطويقهم، لكن العقيد حاول الابتعاد والممانعة غير مدركا انه وقع في الأسر، وتصرف بعقلية عسكرية متوترة تجاه الأنصار، إذ ضنهم في البداية من عناصر الجحوش التابعين للسلطة، فبدأ يوجه لهم الأوامر والانتقادات بعصبية. أما الرائد، فقد أدرك الموقف حينما قال له أحد الأنصار بلهجة حازمة. تأي معنا أو نسحلك، فالتفت إلى العقيد قائلا له بهدوء سيدي لا فائدة من المقاومة، علينا الإمتثال لأوامرهم وإلا سيقتلوننا.

ما أن أدرك الناس في المصيف، إن الأنصار الشيوعيين نفذوا عملية اعتقال ضابطين من الجيش، حتى عمت حالة من الفوضى والارباك في المكان، وابتعد المتواجدون فيه سريعا باتجاه العمادية. وفي غضون دقائق علمت قوات النظام بوجود مفرزة الأنصار داخل منطقة مصيف سولاف في وضح النهار. إذن تمكن الأنصار من اعتقال الضابطين ونقلهما بنجاح إلى المناطق الآمنة، حيث التحقت المجموعة ومعها الأسيرين بالسرية التي كانت بانتظارهم في قرية "حجي أحمدا" القريبة من المصيف، ثم واصلوا طريقهم نحو قرى بري كارة الآمنة. خضع الضابطان لتحقيق أولي، وقد تم التعامل معهما باحترام تام، رغم انتمائهم إلى المؤسسة العسكرية التابعة للنظام البعثي الفاشي. وفي اليوم التالي، كلفت مجموعة من الأنصار بمرافقتهم إلى مقر قاطع بهدينان في "كلي" وادي زيوة.

كمين بين العمادية ومجمع قدش

استمرت عمليات نصب السيطرات والكمائن على الشوارع والطرق العامة التي يستخدمها الجيش والأجهزة الأمنية بين القصبات المحيطة بالعمادية وسرسنك بعد استطلاع دقيق للمناطق، وقع اختيارنا على موقع مناسب بين العمادية ومجمع قدش، مع تمركز سيطرة لصد عناصر السلطة والمسؤولين. توصلنا من خلال الاستطلاع إلى قناعة بإمكانية نصب كمين طياري سريع ومحكم لا يتجاوز مدته نصف ساعة، تحسبا لاحتمال قدوم قوات الجيش من المعسكرات القريبة على بعد عدة كيلومترات، فبعد أن أتخذنا القرار لتنفيذ العملية، شخصنا ثمانية أنصار نشطين ومدربين لمثل هذه المهمات، مع إسناد من الذين يجيدون مسالك العبور والتسلل.

عند وصول المجموعة إلى النقطة المحددة، كان ذلك في وضح النهار، فشاهدهم الناس وتعرفوا عليهم كأنصار شيوعيين، صادف أن أقتربت سيارة من موقع الكمين فاوقفها الأنصار وطلبوا الهويات من الركاب، تبين إن أحدهم ضابط عرف عن نفسه بأنه ضابط مخابرات، بدأ بالسب والشتم لاعتقاده بأن أفراد الكمين هم من الجحوش، ولكن عندما قال له الأنصار إنهم ليسوا جحوشا بل شيوعيين، تفاجأ وارتعد من الخوف وحاول التملص بطرق شتى. بعد إصراره على عدم الرضوخ، وقبل وصول تعزيزات عسكرية، اضطر الأنصار إلى إطلاق النار عليه على الفور، بعد دقائق وصلت قوة عسكرية إلى المنطقة فباشرت بتمشيط الطرق والمسالك، مطلقة النيران في كافة الاتجاهات مع قصف مدفعي كثيف.

كمين ديرآلوك من الذاكرة

جرى نصب كمين صباحي ليومين متتاليين على الشارع العام الرابط بين مدينة العمادية وناحية ديرآلوك. فبعد استطلاع موقع الكمين ومدى صلاحيته، تقرر تنفيذ عملية عسكرية ضد أزلام النظام البعثي الفاشي بستة رفاق أنصار بقيادة معاون آمر السرية أبو حيدر، وبإشراف قيادة الفوج الثالث المتمثلة بالرفيق آمر الفوج آبو سربست ومعاونه الشهيد ملازم حسان من الناصرية.

في صباح اليوم الأول، قبل شروق الشمس، تحركت المجموعة نحو موقع الكمين المحدد، وأخذت مواضعها حسب المخطط. وفي  حدود الساعة الثامنة تقريبا تحرك رتل عسكري مكون من أربع سيارات زيل مع مدرعة من معسكر ديرآلوك باتجاه العمادية ، وكنا نراقب تحركاته عن قرب. عبر الرتل منطقة الكمين ، إلا أن آمر المجموعة لم يعط أمر إطلاق النار، وبعد تجاوز الرتل مجموعة الكمين، انسحبت المجموعة دون تنفيذ العملية، بحجة إن الرتل كان كبيرا ومعه مدرعة، لذلك تم تجنب الاصطدام مع قوة كبيرة. وبهذا فشلت المهمة في اليوم الأول .

ولكن في نفس اليوم اجتمعت قيادة السرية، بحضور الاشراف، وقررنا فيه إعادة محاولة تنفيذ العملية في اليوم التالي بقيادتي، تكونت المجموعة من الرفاق الأنصار. أنا توفيق ختاري، الشهيد ملازم سلام بعشيقي، هاوار آميدي، دلير ريكاني، جعفر من اسبندار خلفو، آزاد ملا حسن، محمد علي آميدي. في صباح اليوم التالي قبل شروق الشمس انطلقنا واخذنا مواضعنا وفق المخطط ، في الساعة التاسعة صباحا تحركت سيارة عسكرية تابعة لأمن ديرآلوك من المدينة باتجاه العمادية، فوقعت في الكمين وتم حرقها.

انسحبت المجموعة بسلام، بعد تنفيذها للعملية بنجاح تام، ولكن كالعادة بدأ الجيش بالقصف العشوائي من المواقع العسكرية القريبة من مكان العملية.

عملية تأديبية ضد ربيئة "به رجى"

تم تنفيذ عملية ضرب ربيئة "به رجى" التي كانت تشرف على الشارع العام الرابط بين العمادية ومجمع ديرآلوك، وذلك باستخدام قذائف "أر بي جي سفن" والأسلحة الخفيفة والمتوسطة. كانت هذه الربيئة تقيد تحركاتنا في المنطقة، وتطلق النار على كل من يمر بالقرب منها، لذلك قررنا ضربها لتأديبها. بعد تنفيذ الضربة توقفوا عن استهداف مفارزنا ولم يطلقوا طلقة واحدة بعد هذه العملية. فأصبحنا نتحرك بأمان في المنطقة، ولم يتعرضوا للمواطنين بعد ذلك أبدا.

عملية قصف منظمة حزب البعث ودائرة الأمن في العمادية

تم تنفيذ عملية قصف منظمة حزب البعث ودائرة الأمن في العمادية باستخدام مدفعية عيار 80 ملم وسلاح دوشكة في آن واحد. حيث كانت المدفعية من جهة غرب جنوب العمادية في صبنة، والدوشكة من جهة الشمال في كتف جبل بشيش. كانت أسلحتنا تصيب أهدافها بدقة، وكنا نراقبهم كيف كانوا يفرون كالفئران، وقد وقعنا فيهم خسائر كبيرة، وسط فرحة جماهير المدينة بهذه العملية البطولية .

 من خلال هذه الفعاليات والنشاطات البطولية التي تحققت بالرغم من التواجد المكثف لقوات النظام في المحور الذي يمتد بين سرسنك والعمادية وديرآلوك وشيلادزي وسيريا، المحاذي لنهر الشين الفاصل بين منطقة العمادية ومنطقة بارزان، نالت السرية وأنصارها احتراما استثنائيا من قبل الجماهير، وتعززت هيبتها في المنطقة، تخافها السلطات ومرتكزات النظام، ونالت التقدير والاعتزاز ضمن حركة الأنصار. كما وجهت إشادات بنشاطاتها من قبل قيادة الأنصار والحزب.. ومن الجدير بالذكر إن المفرزة، رغم هذه الفعاليات الكبيرة واقتحامها للمدن، لم تسجل سوى خسائر محدودة، فقد جرح النصير شيركو آميدي نتيجة اعتداء من قبل جحش عميل للسلطة في منطقة سيريا أثناء مهمة بريدية كان يؤديها مع نصيرين آخرين .

بعد انسحابي من مهامي في قيادة السرية الخامسة ونقلي إلى مقر الفوج الأول في مراني في ربيع عام 1985، وتكليفي بمهام معاون آمر الفوج والعمل في منطقة الدشت ودهوك، علمت بوقوع السرية الخامسة في كمين أثناء التوجه من قرية إبراهيم زلا إلى قرية هفندكا. كان الكمين مدعوما من قبل جحش مكلف باغتيال الشيوعيين، وأدى إلى استشهاد النصير الشاب ألند آميدي. لكن بقية الأنصار لم يتأخروا في الرد على النيران الموجهة لهم فطوقوا المهاجم،  إذ تبين إنه جحش معروف في سرسنك ومن أهالي بري كاره ، فتمت تصفيته عندما حاول الإفلات .

اكتفي بهذا القدر من الحديث عن العمليات العسكرية للسرية، إذ ان هناك العشرات وهي متنوعة لا أتذكر تفاصيلها ولذلك لا أرى ضرورة التطرق اليها.