عندما تحدّث الحاضرون في حفلة مصغرّة جمعت أصدقاء ورفاقا للاحتفال في عيد ميلاد الحزب الشيوعي السابع والثمانين، لفت انتباهي رجل من بين الحاضرين مربوع ومتروس الجسم، كنت أراقب حركات وجهه الممزوجة بين الفرح والنشوة حد الانفعال وطفرت الدمعة من عينه، بعد انتهاء كلمات الحاضرين دنوت منه، وسألته ليش دمعت عيونك من تحدث اخوك عامر عن الحزب!

أجابني لأن عامر والحزب يعيش بگلبي وروحي، وأردف بنفس التعابير تدرين من أعرف واحد شيوعي احضنه بمحبة وبدون شعور، هكذا أحب الحزب واليوم آني جداً فرحان بهاي اللّمه الحلوة ووجودكم معانا.

إنه وليد جميل، لقّب ب "والي مع تشديد حرف اللّام" تحببّاً بروحه المرحة والجميلة، ومحبّته للناس.

 بعد قطع كيكة الحزب المزيّنة بشعار الحزب" الچاكوك والمنجل"، تحدثنا مطوّلا، وقلت له باچر معزوم يمنه على دولمه، صاح الله دولمه أجي! وقبلّ راسي وشكرني.

استقبلناه بفرح في بيتنا، وبعد أحاديث متنوعة، سألته شنو قصتك ويّه اللون الأحمر؟ أجابني ضاحكاً لكن بألم، كنت طفلاً صغيراً حين اصطحبتن والدتي الى بيت جدي، والبستني قميصا وبنطلون أبو الشيّالات لونه أحمر، فاعترض طريقنا شخصان وجوههم مكروهة، وقالو لوالدتي بصوت عصبي، إرجعي انت وابنچ للبيت وغيْري هذا اللون الأحمر، وفي هذه الأثناء أمسكني بقوّة من صدري الصغير حد انقطع زر قميصي، بكيت وحزنت على قميصي وطريقة تعاملهم الخشنة معنا!

نهرتهم والدتي وقالت لهم أنتم مخابيل؟ ليش شبيها ملابس إبني؟ أجابها أحدهم لأن لونها أحمر وأنتم شيوعيين! ومن يومها أحببت اللون الأحمر وعشقته بجنون، يقولون” الأطفال لا ينسون أبداً".

المرّة الثانية وأنا بعمر الثماني سنوات وفي عام ١٩٦٣ انطبعت في ذهني حادثة مؤلمة، كنا وقتها صغاراً أنا وأولاد الجيران نجلس ونلعب أمام بيوت أهالينا، أحد جيراننا كان رجلاً طيباً محبوباً من الجميع، يعطينا عشرة فلوس نركض بها فرحين لنشتري ملبّس وچكليت والفرح لا يسعنا.

هذا الجار الطيّب، في أحد أيام شباط المشؤوم أحاطه مجموعة من الشقاوات المهووسين بالقتل، وانهالوا عليه بالضرب المبرح حد الموت، بعدها عرفت انهم من مجرمي حزب البعث، ومن يومها كرهت البعثيين وأحببت الشيوعيين واللون الأحمر.

والي أو وليد كان عاملاً في العراق، ويتردد على مقر جريدة "طريق الشعب" في سن شبابه البالغ الرابعة والعشرين، لأن مكان عمله مجاور لمبنى الجريدة، تعرّض الى الاعتقال والتعذيب الوحشي عام ١٩٧٨من قبل أفراد الأمن البعثي، بالرغم عدم انتمائه للحزب.

خرج وليد من العراق خوفاً على حياته الى طريق المنافي، ووصل الى اليونان ليستقر في أمريكا.

سألته عن انتمائه للحزب ومن كسبه لهذا الدرب الذي يعشقه، أجابني ضاحكاً كنت أعمل في أحد المحلات في مشيغان ودخل شخص أول مره أراه، ليشتري سألني انت عراقي؟ قلت نعم، قال تعرف تقرأ وتكتب اجبته نعم، فدسّ جريدة طريق الشعب في جيبي كان اسمه عامر دادو، وكم كنت فرحاً بها، بعدها عرّفني على شخصيات محترمة أصبحوا لي رفاق وأصدقاء العمر، اذكر منهم " بدر معروف، صلاح كوري، الاخوة لويس وعادل عقراوي، جميل سلمو، فائق بطي، أدور كوريال"، وكانت لدينا رابطة التقدميّين العراقيين في أمريكا وكندا تتبنى مواقف الحزب وسياسته.

وهكذا عاش الحزب بداخلي وعشت معه، أحبه وادافع عنه، كانت مهمتي أجمع تبرعات للحزب، منها مثلاً أجمع سنتات من النقود، واجمع قناني المشروبات والقواطي الفارغة وابيعها، واعطيها للحزب.

في نهاية حديثنا، قال بمودّة، رفيقة ماجدة انت متعرفين شگد أحب الحزب وأحب العراق هذا البلد الجميل والعظيم، وتألم جداً حد البكاء حين أرى الفقراء والمحتاجين منهم، ونحن بلد الخير، وأردف أتمنى الخير للجميع ولحزبنا العظيم لأنه نصيراً للفقراء والمحتاجين ويبقى الحزب منقوعاً في روحي حتى آخر نفس من عمري.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل