/
/
/
/

كلَّما خطرت العمارة ببالي؛ يكون ذلك الوجه الجميل الدائم البسمة ستار خضير أمام ناظري، حقا قلما تجود الحياة بشخصية طيبة متواضعة وصارمة لا تعرف التلون، كما كانت شخصية فقيد شعبنا العراقي كلّه، الشهيد ستار خضير الحيدر الذي أخذ ومنذ النصف الأول لخمسينيات القرن العشرين الماضي يتقدم في هيكلية حزبنا الشيوعي العراقي ليحتل المواقع القيادية في صعود، وليس فقط في مركز الحزب ببغداد، وإنما في محافظات أخرى.

كانت العمارة، أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية؛ مدينة فتية صغيرة حميمية، يعرف بعضهم بعضا، وكان أهلها مهتمين بأحداث الحرب العالمية، ويربطون تحقيق آمالهم وانتشالهم من ثلاثي الفقر والجهل والمرض على يد الجيش الأحمر، الذي كانت أخبار انتصاراته حديث تجمعات ومجالس العماريين البسطاء ونخبهم بلا عجب وإنبهارهم بقائد بلاد السوفييت - يوسف ستالين سرعان ماسمي بابو يعكوب.

أنا أتذكر أني تعرفت على الفقيد شهيدنا ستار خضير حوالي عام 1946 حيث كان العراق كله يعج بربيع من الحريات حيث ظهر للعلن حزبان وطنيان يملآن الساحة السياسية في المدينة حينئذ،هما حزب التحرر الوطني- الواجهة العلنية للحزب الشيوعي العراقي، وحزب الشعب لصاحبه العطار سالم الصفار- ولم يكن عندنا في العمارة أي تصادم بين جماهير الحزبين، وكنا نحن جمهور حزب التحرر الوطني- وهو الجمهور السياسي الأوسع في العمارة- نساهم بفعاليات حزب الشعب؛ حتى أننا في انتخابات 1948 صوتنا بإجماع هائل لمرشحي حزب الشعب للبرلمان، وهم الوطنيون الراحلون: عبد الرزاق زبير، وقاسم أحمد العباس، والشهيد طه الشيخ أحمد- أحد كبار رجال ثورة 14تموز بعد 10سنوات

في هذه الأجواء الحامية وطنية وعنفوانا؛ تعرفتُ على بطلنا الشهيد ستار خضير، حيث كنا نلتقي في الخان الكبير المواجه لنهر دجلة، المسمى شط العمارة في داخل مدينة العمارة حيث يتفرع دجلة الخير إلى ثلاثة أنهر: نهر المشرح، ونهر الكحلاء، والجزء الأكبر يبقى لدجلة؛ ليتسمى بشط العمارة مستمرا في تدفقه نحو الجنوب ملتقيا بصنوه الأبدي الفرات بعد مروره بقلعة صالح، بلدة ولادة العالم العراقي الكبير، وأول رئيس لجامعة بغداد، الدكتور عبد الجبار عبدالله.

ذلك الخان الكبير جعلته السلطات المحلية قسما داخليا لأبناء الأقضية والنواحي والأرياف في لواء العمارة، ممن يستطيعون مواصلة الدراسة الثانوية- فلواء العمارة حينئذ فيه ثانوية واحدة فقط للبنين.

كان والدي، الشيخ حسين، قد أنهى دراسته الحوزوية في النجف قبيل ثورة العشرين وحط رحاله في مدينة خانقين مشتغلا بتجارة (التتن) والعطاريات وملابس الأطفال، في دكان في ساحة محلة عبد الله بك، وكان ضمن العقار الذي منه بيتنا حيث تزوج في حوالي 1930من عائلة معروفة من عشيرة الكروية القيسيين، وكان جد والدتي معمار خانقين، الأسطة عباس، باني جامعها الرئيسي وسرايها كما يقول ناسها.

لقد ولدتُ مع ثلاث من أخواتي ونحن لم نزل في خانقين، ثم جاءنا عمي الشيخ حسن ونقلنا إلى العمارة في 1940 وكان العراق بدائياً في طرقه، فأخذ منا الوصول للعمارة أسبوعا كاملا بثلاث مراحل خانقين- بغداد- الكوت- العمارة، وقد قطعنا القسم الأخير بسفينة بخارية تعمل بين الكوت والعمارة ثم البصرة.

الخان- القسم الداخلي- كان كبيراً وفيه طابقان، ويضم عشرات الغرف، وفي كل غرفة عدة أشخاص، وكان هذا المكان ملتقى - عفوياً ولكن دائماً- للطلبة والعديد من المتعلمين من المدينة وغالباً ما كانت النقاشات السياسية والثقافية تجري ونحن وقوف، وأبطالها: ستار خضير، وقريبه شاكر يوسف الحيدر، وسامي عباس العامري، وجبار العجاقي، وأحيانا ماجد العِزِّي، أخو الشاعر ومدرس اللغة العربية، الوطني العِزِّي.

حوالي 1945 بدأ الشيخ حسين نشاطه السياسي اليساري، وكان جيل من الشيوعيين قد سبقه منهم عبد علوان الطائي، وخضير عباس، وسيد موسى نور، وعبد الحسين كمرك، هذا في المدينة؛ لكن صداقة والدي مع عائلة آل الحيدر الكريمة، حيث كانت صحبتي القوية مع الراحل شاكر يوسف الحيدر قد جعلتني أسافر كثيراً (لمسيعيدة) الكحلاء، حيث تعرفت على أصدقاء والدي من الرعيل الشيوعي الأول، وعماده من عائلة آل الحيدر المناضلة، فتعرفت على الأستاذ الفنان التشكيلي، المعلم منعم الحيدر، عم شاكر- الذي أصبح من أوائل المعلمين المفصولين- كما تعرفت على المناضل الشيوعي خيري يوسف الحيدر الذي كان معلماً، وابنه الآن حامد خيري عالم آثار بارع، وتعرفت حينئذ على الشيوعيين الأكثر شبابا، الفقيد جبار الحيدر، وحليم، وبعد سنوات قليلة على لطيف الحيدر.

أردتُ أن أقول بهذا السرد البسيط إن الشهيد ستار عاش في بيئة قلما توفرت لغيره من قادة الحزب الشيوعي العراقي، فقد كانت بيئته تتسم بالثقافة والوعي الوطني والشيوعي، وثالثا كان يعيش في بيئة متواضعة ولكن شبعانة ومكتفية وهذا كان ظاهرا على شخصية شهيدنا ستار خضير، علما أنه كان أنيقاً بجدارة خاصة وكان يعشق الهندام السبورت، جاكيت من شكل والبنطلون من شكل آخر متوجاً برباط زاهٍ جميل، وأناقته التي حافظ عليها إلى أواخر حياته الغنية، وللأسف القصيرة جداً فقد كنت قد ودَّعته الوداع الأخير- من حيث لا أدري- في أوائل عام 1969 وأنا قادم من البصرة حيث كنت أعمل تدريسياً في جامعتها، صادفته عند الغروب قرب دور محلة الدوريين، وكنت أعلم أنه أصبح كادراً شيوعياً وقيادياً محترفاً، ويعيش في ظروف السرية؛ ففرح كلانا أيَّما، فرح فتباوسنا وتحاضنا، وكلانا صرخ: هاي وينك يا رجل، وللأسف يظهر أنه كان إما قرب بيت حزبي سري أو ذاهباً لاجتماع حزبي، وبعد دقائق توادعنا على أمل لقاء قريب، وتحسن في الأوضاع العامه للبلد.

منذ الهجمة على الوثبة 48- 49 أخذت تتسارع الأمور وتتعقد في تشرين1951 كُلِّفتُ من قبل مسؤول العمارة، الشهيد عزيز حميد رشيد- وهو أيضا بالأصل من أهل مسيعيدة- أن أقود إضرابا لثانوية العمارة تضامنا مع أخوتنا الفدائيين المصريين الذين كانوا يحاربون القواعد البريطانية؛ وقد نجح الإضراب نجاحاً باهراً، بل أن مدينة العمارة تضامنت معه وأضربتْ؛ فجُنَّ جنون السلطات؛ فطردتني من المدرسة لما تبقى من السنة، وفي 19\1\52 اعتقلتني الشعبة الخاصة، استمر الاعتقال لشهرين، وأنا في إضراب عن الطعام وحالة صحية مزرية، فتضامن أهل العمارة الكرام معي، خاصة أني لم أبلغ بعد ال17من العمر، ثم سرعان ما جاءت انتفاضة تشرين 52 حيث أوكل إلي قيادة مظاهرات العمارة، مع التوجيهات المصاحبة من الشهيد عزيز حميد الذي كان يتواجد قرب المظاهرة، وكالعادة استعملت شرطة نوري سعيد النار والحديد، والشرطة الخيالة ضدنا فاستشهد جنبي حسن صبيح العلاق، شقيق المعلم ثم الدكتور والأديب الشيوعي حسين صبيح العلاق، وسقط أيضا جنبي ابن العمارة الفذ مُضرَّجاً بدمائه جريحا بطلقة جاءته بمؤخرة جمجمته، وكنا نحن الثلاثة نقود المظاهرة، وسرعان ما هاجمت الشرطة بيوتنا فاعتقلوا الوالد، وأنا توجَّهت لأعمامي السواعد في الجِديِّد، وبعد أيام صدرت الأحكام العرفية بالسجن، وأنا حكمت غيابيا، وارتأى الحزب أن أتخصص بالعمل الفلاحي، وكانت خبرتنا بسيطة؛ فتوجهت مشيا من بستان الحجيه جنب بستان جاني فجرا وفي يوم ممطر إلى مسيعيدة حيث عبرت الجسر الجديد إلى بيت يوسف المظلوم الحيدر، وبعد المبيت عندهم سافرت بصحبة الرفيق كريم فرج (بماطور) صاحبه الشيوعي إلى قرية العدل، واستقبلنا بابتسامته المشرقة الشهيد صاحب ملا خصاف، حيث بنيتُ كوخاً من القصب والبواري جنب كوخه العائلي، حيث جاءت لمرافقتي هناك العائلة الشيوعية المناضل، عائلة موسى الحاج لازم وأولاده الكرام الذين صاروا من بعض خيرة المناضلين في ثورة 14تموز 58 بعدها في قرية العدل هذه وجدت بين معلميها الأساتذة حليم الحيدر، وقاسم الطائي، عم المناضلة الشيوعية فاضلة زوجة الشيوعي القديم الراحل جبار عباس البغدادي، والشاب المعلم لتوه أنيس غانم، الذي أتذكر أنني اصطحبته يوما بزورقي في 1953 وتناقشنا حول الانقلاب الذي أطاح في إيران بالوطني مصدق، وأنيس غانم هذا رأس شليلة؛ ففي بيته الواسع قريبا من محلة الصُبَّة كان آل الحيدر يلتقون ويقيمون، وكان يقيم دائمياً المرحوم المضمد المناضل عبود يوسف الحيدر وكنتُ هناك ألتقي الشهيد ستار، وفي سنة 1954 حدث حدث كبير ومؤسف وكنت قد أصبحت سكرتيرا لمنظمة العمارة، والشهيد عزيز سكرتيراً أول، فتركتُ قرية العدل، وكنا بأشد الحاجة للمساعدة المعنوية، وكنتُ متخفياً، فاُخبرتُ أن ستار خضير في بيت أنيس، وهو يود اللقاء معي فذهبت، وكانت أجواء العمل الشيوعي مشحونة بالاضطهاد الشرس من جانب السلطة الاستعمارية الرجعية، ثم كان الحزب في انشقاق، وجماعة راية الشغيلة في العمارة تشنُّ علينا حملة ظالمة منها إشاعات أخلاقية واطئة للأسف.

بعد لقائي مع الشهيد ستار حيث عاضد المنظمة بحماس وسألني: ماذا ستعملون لجماعة راية الشغيلة، وهجومهم البشع؟ فابتسمتُ وقلتُ لستار: العمارة طيبة بأهلها، وسيد كاظم القزويني صديق حميم لوالدي وهو الذي كسبه للحزب، وهو مسؤول الشغيلة؛ سأذهب إليه ليلا، ولا أخرج إلَّا بإنهاء المعركة هذه، فضحك الشهيد ستار وقال: إذا أنت مصمِّم توكَّل، وذهبتُ وتمَّ كل شيء على مايرام.

نسيتُ أن أقول: في ربيع أو خريف 1953 جئتُ إلى مسيعيدة- طبعا مُتنكراً- فنزلت ببيت أهل كريم فرج، وبعد سويعات جاء الشهيد ستار، يظهر أنه كان باتفاق مع كريم فرج، وقال: لنذهب للنزهة على الشط، وهناك جلسنا على الحشيش، وبعد برهة وبتأثر واضح استغربته في البداية، إذا بالشهيد ستار يقول بحزن إنهما مُكلفان بتعزيتي باستشهاد والدي في السجن السياسي مع بعض التفصيلات.

عدتُ للعراق حالا بعد ثورة 14تموز، علما أني بدأت الدراسة التحضيرية عام 1956 والجامعية عام1957وحينما عدت بداية صيفعام 1958 وكان الحزب بحاجة ماسة للكوادر والرفاق يركضون ليل نهار ولكن قرار البقاء لم يشملني لأني حينما خرجت من الإعدام في 30 نيسان 1956 بعد تبرأتي من قبل محكمة التمييز كان الشهيد القائد سلام عادل قد استدعاني وكرَّمني بعزيمة ليوم كامل، وقال: تم إصدار قرار بسفرك لبلد اشتراكي لمعالجة جروحك ثم الدراسة، وذلك كجائزة لموقفك في التعذيب، وعند الحكم عليك بالإعدام في 2\7\55 ولمجمل تاريخك النضالي؛ لهذا السبب،الانشغال الهائل للرفاق فلم أستطع اللقاء إلا مرة واحدة بعد 14تموز بالشهيد ستار على الأغلب عام1959 وطبعا لقائي الوداعي معه بداية عام 1959 قرب الدوريين .

المجد والخلود لشهداء العراق وحزبنا الشيوعي العراقي

الخلود للشهيد ستار خضير الحيدر

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل