/
/
/

يقول الفيلسوف والشاعر الدانماركي سورين كيركيكارد: "يموت الطاغية فينتهي تأريخه، ويموت المناضل فيبدأ تأريخه".

هكذا علمتنا الحياة بكل تفاصيلها وتقلباتها، بين قسم يعيش مؤثراً وآخر يعيش متأثراً، وبين قسم يقرأ التأريخ وآخر يصنعه، وقسم ينتظر التغيير، وآخر يسعى ويعمل نحوه.. وفي هذا المطاف تبذل الارواح والأنفس ويتحمل البعض تبعات قاسية لانه تطلع نحو الغد أو تمنى حياة أفضل!

ولدت الراحلة نجمة رضا محمد الهاشمي في محافظة النجف عام ١٩٣٤، وتزوجت من الراحل (هادي علي مرتضى) عام ١٩٤٧، وانضمت لصفوف الحزب عام ١٩٤٩ واتخذت لنفسها كنية (ام كفاح)، وقد انجبت ستة ابناء هم:

عبد الامير العطار (أموري) مواليد ١٩٤٨: مقيم الآن في النجف

جواد العطار (جودي) مواليد ١٩٥٠: رحل في بغداد صيف عام ٢٠١٢

حسين العطارمواليد ١٩٥١: مقيم في المانيا، ويخضع للعلاج هناك

مخلص العطار مواليد ١٩٥٣: كان آخر محل اقامة له في النرويج وقد رحل عام ٢٠١٧

جمال العطار (اسمه الانصاري ابو انجيلا) مواليد ١٩٥٧: مقيم الآن في السويد

سلام العطار (اسمه الانصاري عماد ـ عمودي) مواليد ١٩٦٣: مقيم الآن في النمسا

ولمعرفة المزيد من التفاصيل حول سيرة هذه المناضلة، تشرفتُ بتسجيل شهادات ثلاثة من ابنائها (اصدقائي ـ اخوتي) وكانت كالآتي:

يقول ابنها البكر (اموري): نشأت والدتي يتيمة، حيث رحلت امها (جدتي) وهي بعمر سنة واحدة، فاضطر والدها (رضا محمد الهاشمي)  للزواج، وأصبح لها أربعة اخوة وثلاث أخوات، رحلوا جميعا بعد أن كبروا الى دولة الامارات (قبيل استقلالها) وأقاموا هناك، وعبثاً حاولوا أخذها معهم لكنها كانت تقاوم تلك الرغبات لارتباطها بالقضية الوطنية.

لم تذهب للمدرسة، لكنها تعلمت القراءه لاحقا حينما عملت في صفوف الحزب.

ويُكمل اموري حديثه بالقول: اتذكر انها كانت تأخذني وأنا صغير الى المحافظات في زيارات وكانت تحمل معها منشورات وصحف والبريد الحزبي على ما اعتقد، وقد كنتُ اتلمس شجاعتها واقدامها وما زلت اتذكر  القصة التي رواها الرفيق الكاتب "علي النوري" ـ مسؤول محلية كربلاء في السبعينيات ـ في احد اعداد جريدة "طريق الشعب" عشية الاحتفال بعيد المرأة العالمي عام ١٩٧٤حينما تذّكر تلك الواقعة، فقد انطلقت المظاهرات المؤازرة للشعب المصري ضد العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ في النجف، وأمر حينها العسكر المتظاهرين بالتفرّق وعدم التظاهر، فما كان منها (ام كفاح) سوى ان ترتقي الدبابة وتضع (خنجرا) على رقبة الضابط وتأمره بالتخلي عن قرار المنع او ان تسفك دمه، في تلك اللحظة استسلم الضابط للامر الواقع  ومضت الامور على ما يرام واستمرت التظاهرة!

انتقلت العائلة الى بغداد بعد انقلاب ٨ شباط عام ١٩٦٣، وكانت اوضاعنا تعبة جدا، فسكنّا في مدينة الثورة عند عائلة السيد (كاطع ـ طيب الذكر)، وبعدها عند بعض الاصدقاء، وعمل حينها والدي (ندّافاً) من اجل توفير لقمة العيش، فيما كانت والدتي منهمكة بالعمل الحزبي بعد تلك الضربة القاسية.

وينهي (اموري) شهادته بالقول: لم نسلم من الملاحقة والمطاردة وحتى من النفي الى قضاء (بدرة وجصان) عام ١٩٥٧، وكانت النتيجة ان ننتقل لعدة اماكن، ولعلي مازلت اذكر الايام الاخيرة من حياتها!  فقد تعرضت لحادث ما اضطرها لمراجعة المستشفى، ولم تمض ايام إلا وكانت قد اسلمت الروح يوم ١٠ أيار ١٩٦٤، بعدها بوقت قصيرلحق بها والدي ايضا وفي ذات المستشفى.  وهذا ما جعلني ان اصبح (الاب والام) لاخوتي وكان اصغرهم (سلام) حيث كان بعمر سنة واحدة! فعملت ما بوسعي من اجلهم، ولعلي افتخر بأننا كنّا امناء على المسيرة الوطنية المشّرفة لوالدي ووالدتي، ومع اننا لم نسلم من الاعتقال او الملاحقة او كلاهما لكننا فخورين بالدرب الذي اخترناه وبالافكار السامية التي علمتنا اياها تلك المناضلة الكبيرة (امي). وبالنسبة لي لم ابخل بأن اكون في صفوف الحزب وفي كل الظروف، وهكذا سار اخوتي الباقون مخلص وجودي، اما اخي (حسين) فاختار العمل ضمن المقاومة الفلسطينية، وأخوتي جمال وسلام كان لهم شرف الالتحاق بالعمل الانصاري في عقد الثمانينيات.

نعم، ان تلك المسيرة لم تكن سهلة، لكن كل معاناتنا تتحملها الانظمة الرجعية والسياسات الفاسدة لقادتها التي اوصلت البلد لهذا الدرك. إن الانسان يولد حراً ويجب ان يحيا ويموت حراً ولا يحق لاحد قتل الانسان لمجرد انه يحمل افكارا مخالفة لافكار السلطان!

اما ابنها جمال (أبو انجيلا) فيقول: هناك مرارة في فمي من كل تلك الايام التي انقضت، فما هو ذنبي ان لا اعيش حنان الام وأن افقدها وانا ما زلتُ بعمر سبعة اعوام. لقد كانت الانظمة قاسية معنا، فتحملنا مرارة الاختفاء والتنقل والمطاردة وأتذكر رغم صغر سني بعض البيوت في الكوت وعلي الغربي ومدينة الثورة. ومازلت اذكر المدرسة التي كنّا نذهب اليها أنا وأخي مخلص (مدرسة بدر الكبرى) والتي كانت تقع قرب ساحة النهضة وسينما الفردوس.    بعد انقلاب عبد السلام على البعث في تشرين، استأجر اهلي غرفة كبيرة في احد دور منطقة (صبابيغ الآل) قرب مدرسة حليمة السعدية، وما زال اسم تلك السيدة (ام فيليب) ماثلا في ذهني وقد كانت طيبة معنا.  لقد كان وضع الحزب صعبا آنذاك، مابين الاعتقالات والقسم الذي اعتزل العمل، لكن والدتي بقيت مصّرة على العمل والنشاط، فبالرغم من كثرة الاعترافات عليها لكنها لم تنقطع من اخذ البريد الحزبي على ما أتذكر الى الديوانية وكربلاء والنجف. ثم يكمل جمال بالقول: في بداية أيار ١٩٦٤ تعرضت والدتي الى حادث صحي اضطرها لمراجعة المستشفى الجمهوري في الباب المعظم، مع خشيتها الكبيرة من انكشاف امرها للنقطة الامنية التي كانت مرابطة في المستشفى، وكانت في تلك الايام حامل، فاضطر الطبيب الى اجراء عملية لاخراج الجنين الميت من احشائها، ولسوء الحظ فقد كانت (بنت) وكانت هذه امنيتها بعد ان رزقت بستة ابناء، وهذا الامر كان مؤثرا جدا عليها مع تعقيدات وضعها الصحي آنذاك. حاول الطبيب مساعدتها لكن رجل الامن كان يقطع (قنينة المغذي) عنها، حتى تموت ببطء، وهكذا كان حيث اسلمت الروح يوم ١٠ أيار١٩٦٤، وقد ووري جثمانها الثرى بالقرب من امها في مقبرة النجف حسب وصيتها.

الشاهد الثالث كان اصغر ابنائها (سلام ـ عماد ـ عموري) حيث يقول: لقد عشت اليتم بكل قساوته بعد رحيل امي وأبي وأنا لم اتجاوز السنة، ومع كل ما قدمه لي اخي الكبير اموري وأخوتي، لكن هذا لا يسد ابدا فراغ وحنان الام او الاب الذين فقدتهم بسبب سياسات الانظمة القذرة ضد معارضيها. ثم يكمل سلام: بالحقيقة إن كل ما اعرفه عنها هو من كلام سمعته من رفاق ورفيقات عاصروها في العمل الحزبي وبعد أن كبرتُ.  لقد كنا نخشى من تناول سيرتها السياسية إلا همساً. على ان حادثة سمعتها بقيت عالقة في وجداني لليوم وكانت:  في عام ١٩٩٧ كنّا انا واخوتي مخلص وحسين في زيارة الى اخي جمال في مدينة (مالمو) السويدية، وصادف ان حضرنا احتفالا بيوم الشهيد الشيوعي، وصار الكثير من الرفيقات والرفاق يتبادلون ذكرياتهم عن الشهداء وعن تأريخ الحزب المشرف، حتى جاء دور الرفيقة (ام جبار) زوجة الرفيق (ابو جبار) حيث روت حادثة مرت بها وقالت: في عام ١٩٥٧ كنّا منفيين الى قضاء (بدرة وجصان) بسبب نشاطنا الحزبي، وجائتنا عائلة مكونة من اب وأم  وكان اسميهما (ام كفاح) و (ابو كفاح) مع اربعة اولاد وكانوا ايضا من المبعدين بسبب النشاط السياسي، وكانت (ام كفاح) في شهرها الاخير، وصادف ان اشتد عليها الطلق، فساعدتها على الولادة وحتى قص (حبل السّرة) ويومها ولدت ولد (مثل القمر) واسمته جمال، وأتذكر  احتضاني له وضمّه الى صدري، فقد كانت امه متعبة  جداً!

يُكمل سلام حديثه: في تلك اللحظات، كنّا ننظر نحن الاخوة الاربعة احدنا للآخر وقد اغرورقت عيوننا بالدموع وانتبه المشاركون بالحفل الينا، ونادوا على الرفيقة (ام جبار) وقالوا لها: إن جمال الذي تتحدثين عنه موجود هنا!   فطلبت ان تضمه اليها وتحضنه وقالت لهُ: تعال ابني تعال، دعني احتضنك بمكان امك، فقد كانت إمرأة بطلة!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل