/
/
/
/

تجاهلت الحكومات العراقية منذ عام 2003 واجبها في تقديم الحسابات الختامية مع الموازنات السنوية، غير آبهة بالنص الدستوري الذي اكد على ان (يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة والحساب الختامي الى مجلس النواب لإقراره ). ومعلوم ان الدستور لم يقرن تقديم الحسابات الختامية بالموازنات السنوية الا لان الموازنة السنوية لم تكن موضوعية بدون هذه الحسابات التي تمنحها المصداقية والموثوقية.
وتظهر المعطيات المتوافرة ان عام 2015 هو الوحيد خلال ستة عشر عاما الفائتة الذي قدمت فيه الحسابات الختامية في وقتها وبصورة سليمة، في حين قدمت وزارة المالية بيانات ختامية للفترة من عام 2004 حتى سنة 2011 فجاءت يشوبها الكثير من الغموض في اوضاع الوزارات من حيث حجم الانفاق واوجه الصرف، نظراً لما زعم زورا من وجود سجلات محترقة او مفقودة بسبب العمليات الارهابية. ولهذا فان الموازنات السنوية كانت تستنسخ وتُدوّر اخطاؤها في كل عام. كما ان بعض التقديرات تشير الى ان قيمة الاموال المهدورة تشكل 25 في المائة من كل موازنة، حيث تبقى عمليات الاختلاس المنظم والهدر المالي والانفاق المفتعل مستترة. كل ذلك يجري على الرغم من مطالبة ديوان الرقابة المالية بانجاز الحسابات الختامية من قبل الوزارات وتسليمها الى الحكومة. لكن الاخيرة لم تتخذ من الاجراءات ما يُلزم الوزارات بتقديم حساباتها الختامية، مما يضطر الرقابة للاعتماد على ارقام تقريبية .
ويشير بعض التقديرات الى ان حجم الهدر المالي الذي يتحمله العراق بسبب عدم تسليم الحسابات الختامية يبلغ 176 مليار دولار منذ عام 2012، مع العلم ان مجموع المبالغ التي دخلت الى الخزينة زادت على 990 تريليون دينار منذ عام 2004، فترتب على هذا الاهمال للنص الدستوري تفاقم الازمة الاقتصادية واتساع نطاق الفساد والهدر المالي وتزايد نسبة الفقر. وما يقال عن تأخر بعض الوزارات عن تسديد السلف ليس سوى تبرير مخجل لتأخر تقديم الحسابات الختامية. ومن الامثلة على ذلك انه في عام 2007 تم صرف خمسة تريليون دينار لاحدى المحافظات على ان يتم تقديم سندات الصرف في بداية عام 2008. لكن ذلك لم يتم وتبين لمجلس النواب في ذلك العام ان الحسابات الختامية اظهرت وجود فرق بين الايرادات الفعلية والنفقات الفعلية يمثل فائضا قدره اكثر من 15 تريليون دينار لكنه في الواقع لا يمثل فائضا حقيقيا بسبب وجود مبالغ السلف الممنوحة والتي لم تدخل ضمن الانفاق.
من جهة اخرى اثبتت الحسابات الختامية للأعوام 2008 و2009 و2010 و2011 المُحالة من الحكومة الى البرلمان الكثير من التجاوزات المالية وفقا لملاحظات ديوان الرقابة المالية، والتي من ضمنها عدم تسوية سلف مالية تجاوزت 124 تريليون دينار، اشارت اليها دائرة المحاسبة بوزارة المالية ولا اوليات لها أصلا او انها فقدت .
ولان غياب الحسابات الختامية تحول الى فضيحة اقتصادية اسوة بفضائح الفساد والهدر المالي، ويشكل مخالفة دستورية لا يمكن غض الطرف عنها، فقد تم تشكيل فريق حكومي مكلف بمراجعة ملفات الحسابات الختامية، واوشك حسب المعلومات المتوافرة الانتهاء من مهمته تلك، واعداد تقاريره النهائية وتقديمها الى مجلس الوزراء خلال الفترة القصيرة المقبلة، تمهيدا لإرسالها الى مجلس النواب. وأظهرت المراجعة العديد من المخالفات التي ارتكبتها الجهات الحكومية، ورصدت فروقات واضحة بين ما هو مثبت من ارقام وبين عمليات الصرف، ما يدلل على وجود حالات الفساد التي اشرنا لها في المتن.
السؤال الملح الموجه الى مجلس الوزراء والبرلمان والاجهزة الرقابية على اختلاف مسمياتها هو: لماذا السكوت على كل تلك الفضائح وعدم اتخاذ الاجراءات بحق من تسبب وشارك في عمليات النهب والسرقة المنظمة وتبريرات ما انزل الله بها من سلطان . ان مثل هذه الجرائم لا تنتهي بالتقادم وان كل هذه الجهات بمختلف مسمياتها واختصاصاتها مطالبة بملاحقة هذه الجرائم واحالة المتسببين الى القضاء لإعادة الاموال المنهوبة واتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم كخطوة لا مناص منها نحو تفتيت منظومة الفساد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل