/
/
/
/

في السنوات الأولى من سبعينيات القرن المنصرم، لم نكن نمتلك تلفزيونا في بيتنا. فكنت أذهب كل ليلة بعد الإفطار إلى بيت خالي لمتابعة ما يبثّه تلفزيونا الكويت والعراق من برامج ومسلسلات، وأظل متابعاً لها إلى ساعة متأخرة من الليل. كانت البرامج رغم أنها بالأسود والأبيض تجذب المشاهدين، حيث يمتلئ بيت خالي بالأقارب والجيران لمتابعة مسلسلات الشاطر حسن، الكنز المفقود، تحت موسى الحلاق، أبو فارس، أبو الفتح الاسكندري، قرية الرعب، لقيطة، صح النوم، برنامج سين جيم...الخ.
وكنا نحفظ أسماء الممثلين ونقلّد في النهار حركاتهم، أو نقصّ ما نشاهده على زملائنا في المدرسة. وكانت البرامج رغم بساطتها إلا أننا نستفيد منها، ونعيشها، بفضل براعة الممثلين واندماجهم وإخلاصهم لما يقدمونه. لم نكن نشعر ساعتها أن الشخص الذي يتحرك أمامنا ممثل، فنبكي لبكائه ونضحك لمقالبه وننزعج إذا أصابه مكروه، بل نحزن أمام موقف تراجيدي ونظل نتوجع معهم. وهذا ما جعلني للآن ابكي أمام أي موقف حزين ومؤثر جدا سواء على الشاشة أو في الحياة!
أما الآن فلا اشعر أبداً بأداء الممثل، ولا أتأثر به ومعه أبداً، لأن الشخص الذي أمامي على الشاشة لا يترك لي مجال الشك انه ممثل، كل حركاته وكلماته مفتعلة وتعطيك انطباعا مؤكدا أنها تمثيل ليس إلاّ. لا اندماج ولا فكرة ولا معنى لكل ما يعرض. قناتان أو ثلاث قنوات أرضية كانت تسمرنا أمام الشاشة وتدهشنا ببرامجها كل ليلة، والآن مئات القنوات لا ولن نشعر بما تقدمه أبداً، لأن برامجها هزيلة وركيكة ومفككة وذات لغة سوقية لا ترقى للذوق العام، والمشاهد تحدث صدفة بلا دراسة أو تمحيص أو حتى فكرة مسبقة.
فمن يشاهد ما تقدمه قنواتنا الفضائية اليوم يصاب بالكآبة والإحباط! هل نعاني من أزمة نصوص وروايات؟! أم نعاني من عدم وعي الممثلين والمخرجين؟! أم ماذا..؟! وإلا ماذا نسمي ما يعرض الآن من استهزاء بمشاعر الفقراء والمعوزين من خلال عرضهم أمام الناس بالشكل الهزيل ساعة منحهم سلعة ما وكأننا قد تفضّلنا بها عليهم، رغم دموعهم وآلامهم وعيونهم التي ترميك في بحر من الحزن والأسى على وطن يمتلك أغلى الثروات وشعبه يعاني الأمرين!!
كذلك عدم احترام الذوق العام من خلال مشاهد هزيلة وكأننا نعيش في المريخ بعيدا عما يحيطنا من خراب وفساد!
إذا أردنا أن نقدم شيئا يفيد الناس ويؤثر فيهم، علينا أن نتأمل وندرس كل ما نقدمه بالشكل الأمثل والأفضل، ولنتأمل ما تقدمه القنوات العربية وتحديدا الخليجية التي أخذت تستفيد من مبدعي الرواية الكبار والشباب، وتحوّل نتاجاتهم إلى مسلسلات تشد المشاهد وتجعله متسمرا أمام الشاشة، اعتقد أننا نمتلك رصيدا هائلا من القصص والروايات التي تحاكي الواقع العراقي قديما وحديثا، وتعكس صورة رائعة للمشاهدين عما عشناه ونعيشه!! فرفقاً بنا أيها القائمون على هذه القنوات وانتبهوا جيدا الى ما تقدمه قنواتكم الآن وغدا!!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل