/
/
/
/

توفرت لي مساء الجمعة الماضية فرصة لقاء سائق تاكسي اوصلني لحضور فعالية سياسية في بغداد.
وقت الرحلة كان ثميناً رغم المنغصات التي تعج بها شوارع بغداد، فقد غدا الزحام فيها يومياً ومن دون انقطاع، ولا علاقة له بيوم دوام من غيره، اضافة الى مشاكل عدة منها تهور بعض السواق واستهتار آخرين باصول وقواعد المرور، وكأن الشارع العام ملك طابو لهم. وأخذ العديد منهم لا يبالي ولا يخشى العقاب او المساءلة، كونه "مدعوم" او محسوبا على هذه الجهة المتنفذة او تلك، خاصة من لديها اذرع مسلحة تجوب الشوارع غير مكترثة بأحد.
عن المرور ومشاكله قصص وروايات، وهي في طريقها الى التكاثر والتفاقم والاستعصاء وكأنها في هذا تتسابق مع القضايا المستعصية الاخرى، ومنها بالطبع ازمة استكمال التشكيلة الحكومية.
مشاكل المرور تستنزف الكثير من وقت المواطن وماله، وهي تنتظر الحل او التفكير في الحل الذي لا تلوح أية بوادر له. والغريب في الامر ان رفع المزيد من "الصبات" لم يخفف من وطأة اختناق الشوارع، خاصة في بغداد التي تقول الاحصاءات الرسمية ان فيها ما يقرب من مليوني سيارة، فيما الاستيراد العشوائي يتواصل على قدم وساق من دون مراعاة للطاقة الاستيعابية للشوارع.
وبالعودة الى صاحبي سائق التاكسي فقد اخبرني انه خريج كلية منذ 8 سنوات ولم يجد لنفسه فرصة عمل، لا في القطاع العام ولا في الخاص، وهو متزوج وله طفلان ويستأجر بيتا متواضعا في منطقة تعاني الكثير من سوء الخدمات وندرتها، وتتحول ارجاؤها الى "مستنقعات" في الشتاء. ولكل هذا فهو مضطر الى العمل ساعات طويلة كي يحصل على لقمة العيش، ويؤمن الحياة الكريمة لعائلته على صغرها، قياساً الى حال عوائلنا العراقية.
وعلى الرغم من كل همومه ومشاكله وضيق وقته، وجدته متابعاً للشأن العراقي العام وله تصوراته وآراؤه في ما حصل ويحصل في بلدنا.
مرافقي في رحلتي، الخريج الكادح، ليس متأسفاً على رحيل النظام المقبور. فقد عانت عائلته كثيراً منه وذاقت الامرّين على يد زبانيته وازلامه. وكان، كما يقول، يطمح الى شيء آخر افضل مما حصل.
قلت لصاحبي لماذا لم تقدم الى وزارة التربية وانت مؤهل للحصول على فرصة عمل للتدريس؟ فجاء الجواب صاعقاً: قدمت مرات عدة ولم احصل على فرصة، فقد طلبوا ان ادفع "دفتر" أي عشرة آلاف دولار! وانا لا أملك هذا المبلغ الكبير!
قلت للخريج: لماذا لم تقدم الى مؤسسات اخرى سواء في الدولة او في القطاع الخاص، خصوصا وانت تتحدث الانكليزية بشكل جيد؟ فرد بسرعة البرق وكأنه كان متوقعاً مثل هذا السؤال: ليس عندي واسطة او معارف، ولست على صلة مع أية جهة متنفذة، حاكمة او غير حاكمة، كي توفر لي مثل هذه الفرصة!
من المؤكد ان حال هذا الخريج هو نفس حال الآلاف من الخريجين الآخرين، وقصته واحدة من ملايين القصص وحكايات المعاناة، عمن يبحثون عن عمل يؤمن لهم العيش الكريم ولا يجدونه في عراق يحسده الآخرون على ثرواته.
فمن لهؤلاء؟ واين مشاريع الدولة ومؤسساتها وحتى القطاع الخاص، كي تنتشل العاطلين عن العمل من العوز والفاقة والجوع؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل