
السياسة الخارجية أداة خادمة لمشروع داخلي تنموي، لا امتداد لمهمة ثورية عالمية
شهدت السياسة الخارجية الصينية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 تحولات عميقة في الأهداف، الأدوات، والخطاب. فمن مقاربة ثورية أممية سعت إلى دعم الحركات الشيوعية والتحررية، انتقلت الصين تدريجياً إلى سياسة خارجية تركز على السيادة، التنمية، وإعادة توزيع موازين القوة في النظام الدولي.
في عهد ماو: الأممية الثورية وحدودها
اتسمت السياسة الخارجية الصينية في عهد ماو تسي تونغ بطابع أيديولوجي واضح، استند إلى تصور ثوري للصراع الدولي بوصفه إمتداداً للصراع الطبقي. فقد رأت القيادة الصينية، خاصة خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أن دعم حركات التحرر الوطني والأحزاب الشيوعية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية يشكّل جزءاً من مسؤوليتها التاريخية، ومن صراعها مع الإمبريالية العالمية.
لم تكن هذه المقاربة نابعة من التزام نظري مجرد بالأممية، بل ارتبطت أيضاً باعتبارات استراتيجية. فالصين الخارجة من حرب أهلية طويلة، والمحاصَرة دولياً، سعت إلى كسر عزلتها وبناء شبكة من الحلفاء الأيديولوجيين. كما أن الانقسام الصيني–السوفيتي دفع بكين إلى تقديم نفسها بوصفها المركز الحقيقي للثورة العالمية، في مواجهة ما اعتبرته انحرافاً سوفيتياً عن الماركسية–اللينينية.
غير أن هذه السياسة واجهت حدوداً واضحة. فالدعم الصيني للحركات الثورية كان مكلفاً اقتصادياً، وأدى في كثير من الحالات إلى توترات مع دول قائمة، دون أن يحقق مكاسب استراتيجية مستدامة. كما أن الاضطرابات الداخلية، خاصة خلال الثورة الثقافية، أضعفت قدرة الصين على لعب دور أممي فعّال، وأظهرت هشاشة الربط بين طموحها الأيديولوجي وقدراتها المادية.
التحول التدريجي في السبعينيات
بدأ التحول الجوهري في السياسة الخارجية الصينية في أواخر عهد ماو، وتسارع بعد وفاته، حين أعادت القيادة الجديدة تقييم موقع الصين في النظام الدولي. شكّل التقارب مع الولايات المتحدة في أوائل السبعينيات مؤشراً مبكراً على هذا التحول، حيث جرى تهميش الاعتبارات الأيديولوجية لصالح منطق توازن القوى والبقاء الاستراتيجي في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
لم يكن هذا التحول إعلاناً صريحاً عن نهاية الأممية الثورية، لكنه مثّل بداية لما بدا كـ “فصل” تدريجي بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الخارجية. فالصين بدأت تنظر إلى النظام الدولي لا كساحة ثورة دائمة، بل كبيئة معقدة تتطلب إدارة حذرة للعلاقات، وتجنب الصدامات المكلفة، والتركيز على بناء القوة الداخلية.
هذا التحول مهّد الطريق للإصلاحات التي أطلقها دينغ شياو بينغ لاحقاً، والتي ستعيد صياغة السياسة الخارجية الصينية على أسس تنموية وبراغماتية.
أولوية التنمية ومنطق «إخفاء القدرات» عند دينغ شياو بينغ
مثّلت مرحلة دينغ شياو بينغ نقطة التحول الحاسمة في السياسة الخارجية الصينية. فقد جرى التخلي العملي عن الطموح الأممي الثوري، واستُبدل بمنطق يضع التنمية الاقتصادية في صلب الأمن القومي. عبّر دينغ عن هذا التوجه بوضوح في مقولته الشهيرة: «لا يهم لون القط ما دام يصطاد الفئران»، في إشارة إلى أولوية النتائج على الانتماء الأيديولوجي.
في السياسة الخارجية، تُرجم هذا التحول إلى مبدأ «إخفاء القدرات وانتظار الوقت» الشهير
(Tao Guang Yang Hui (韬光养晦)
الذي دعا إلى تجنب المواجهة مع القوى الكبرى، والامتناع عن لعب أدوار قيادية مبكرة، والتركيز على بناء القوة الاقتصادية الداخلية. في هذا السياق، لم تعد الصين ترى في النظام الدولي ساحة صراع أيديولوجي، بل إطاراً يمكن استثماره لتحقيق التنمية.
أدى هذا النهج إلى ترسيخ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ليس بوصفه التزاماً أخلاقياً، بل كخيار استراتيجي يتيح للصين توسيع علاقاتها دون تحمّل أعباء سياسية أو عسكرية. وهكذا، أصبحت السياسة الخارجية أداة خادمة لمشروع داخلي تنموي، لا امتداداً لمهمة ثورية عالمية.
ما بعد الحرب الباردة: من الاندماج الحذر إلى الطموح المتدرج
شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي نقطة مفصلية في إعادة تشكيل الرؤية الصينية للعالم. فقد رأت بكين في هذا الحدث دليلاً على مخاطر الجمود الأيديولوجي والتوسع الخارجي غير المحسوب. وبدلاً من محاولة ملء الفراغ الأيديولوجي الذي خلّفه انهيار الاتحاد السوفييتي، اختارت الصين مساراً مختلفاً قوامه الاندماج الحذر في النظام الدولي القائم.
انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 مثّل تتويجاً لهذا المسار، حيث أصبحت الصين جزءاً مركزياً من الاقتصاد الرأسمالي العالمي، مستفيدة من العولمة بدلاً من مواجهتها. ترافق ذلك مع تراكم فوائض تجارية هائلة، وتحول الصين إلى «مصنع العالم»، ما أتاح لها بناء قاعدة مادية صلبة لقوتها الدولية.
ومع ذلك، لم يكن هذا الاندماج خالياً من الطموح السياسي. فقد بدأت الصين تدريجياً بالمطالبة بدور أكبر في المؤسسات الدولية، والدفاع عن مصالحها بوضوح أكبر، دون أن تصل بعد إلى مرحلة التحدي العلني للنظام القائم. يمكن توصيف هذه المرحلة بوصفها انتقالاً من الانكفاء الاستراتيجي إلى الطموح المتدرج، حيث باتت الصين أكثر ثقة بقدراتها، لكنها ما زالت حذرة في ترجمة هذه القدرات إلى نفوذ سياسي مباشر.
شي جين بينغ: من الاندماج إلى إعادة تشكيل النظام الدولي
مع وصول شي جين بينغ إلى السلطة، دخلت السياسة الخارجية الصينية مرحلة جديدة اتسمت بوضوح الطموح وتزايد الثقة بالنفس. لم تعد الصين تكتفي بالاندماج في النظام الدولي، بل بدأت تطرح نفسها بوصفها قوة قادرة على إعادة تشكيل هذا النظام، أو على الأقل تعديل قواعده بما يعكس تحوّل موازين القوة العالمية.
برز هذا التوجه في خطاب «المصير المشترك للبشرية»، الذي قدّم رؤية بديلة للعلاقات الدولية تقوم على التعاون والتنمية المشتركة، في مقابل النموذج الليبرالي الغربي القائم على “القيم والمعايير السياسية”. وفي هذا السياق، جاءت مبادرة «الحزام والطريق» كأداة عملية لترجمة هذا الخطاب إلى بنى اقتصادية وجيوسياسية ملموسة.
تميزت سياسة شي أيضاً بقدر أكبر من الحزم في القضايا السيادية، مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان، ما عكس انتقال الصين من مرحلة تجنب الاحتكاك إلى مرحلة إدارة الصراع ضمن حدود محسوبة. ورغم هذا التحول، ما زالت الصين تتجنب تقديم نفسها كقوة ثورية أو أيديولوجية عالمية، مفضّلة خطاباً يؤكد احترام الخصوصيات الوطنية وعدم فرض نموذجها على الآخرين.
الاستمرارية داخل التحول
على الرغم من التغيرات الكبيرة التي شهدتها السياسة الخارجية الصينية من عهد ماو إلى عهد شي، فإن ثمة خيط استمرارية يربط بين هذه المراحل. يتمثل هذا الخيط في مركزية الدولة، وأولوية البقاء، واستخدام الأيديولوجيا كأداة وظيفية لا كغاية بحد ذاتها.
فالتحول من الأممية الثورية إلى البراغماتية التنموية لم يكن قطيعة فجائية، بل استجابة تدريجية لقيود الواقع الدولي ولمتطلبات التنمية الداخلية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم السياسة الخارجية الصينية المعاصرة بوصفها نتاج تفاعل معقد بين الإرث الثوري، والدروس المستخلصة من التجربة السوفيتية، والطموح المتزايد لقوة صاعدة تسعى إلى موقع مستقل في النظام العالمي.
يمهّد هذا التحليل لفهم أعمق للدور الصيني في النظام العالمي الراهن، بوصفه دوراً لا يسعى إلى تكرار التجربة السوفيتية، ولا إلى الذوبان الكامل في النظام الليبرالي القائم، بل إلى بناء مسار ثالث يجمع بين البراغماتية، الطموح، وإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية.
(في الجزء الثالث: قراءة من منظور الاقتصاد السياسي النقدي (الماركسي







