
في حوار مع جريدة Junge Welt الألمانية تناول البروفسور الإيراني محسن مسرات أسئلة الوضع الراهن في إيران. وقبل عرض محتوى الحوار، لا بد من تعريف مختصر بالسيد مسرات:
وُلد محسن مسرات في طهران عام ١٩٤٢، ويقيم في ألمانيا منذ عام ١٩٦٢. وهو أستاذ علوم سياسية وأستاذ فخري للاقتصاد في جامعة أوسنابروك. وبصفته باحثًا ومؤلفًا ومحللًا، يُركز مسرات على سياسات الموارد والطاقة، وتغير المناخ، والإمبريالية، وعدم المساواة بين يلدان الشمال والجنوب. ومن أهم محاور عمله تأثير العقوبات والعسكرة وسياسات الليبرالية الجديدة الاقتصادية على مجتمعات الجنوب العالمي، ولا سيما دول آسيا الوسطى والغربية، وخاصة إيران. كما يُعد مسرات ناشطًا في حركات السلام والعدالة المناخية.
ثنائية الاحتجاج والقمع
شعر كثيرون بأن استمرار الوضع على ما هو عليه غير مقبول، إذ لم يعودوا قادرين على تأمين غذائهم. عندما تتراوح معدلات تضخم بين 10 – 20 في المائة، يمكن للمرء أن يتكيف على مضض بتقليص استهلاكه. لكن عندما يرتفع معدل التضخم إلى 50 أو حتى 100 في المائة، يصبح التكيف واتباع نهج القبول بالأمر الواقع أمراً مستحيلاً. لم يواجه المستهلكون وحدهم، بل واجه التجار أيضاً خطر وجودي. لقد وصلوا الى نقطة اللاعودة، ولم يجدوا خياراً آخر سوى التمرد. خرج أفقرهم إلى الشوارع، واشتعلت شرارة الغضب في نفوس السكان الساخطين والفقراء. كانت الاحتجاجات الجماهيرية حتمية، وتحولت الى تهديد جدي ومباشر للنظام برمته.
ولأن قيادة النظام عاجزة عن معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الاقتصادية، فإنها تحاول قمع التهديد بالقوة الغاشمة. كان هذا هو الوضع في مطلع العام. علاوة على ذلك، تدخل عملاء الموساد ووكالة المخابرات المركزية وحاولوا استغلال الاحتجاجات المشروعة لتغيير النظام. ويمكن تفسير الرد الوحشي لقوى الأمن والعدد الكبير من المتظاهرين الذين قُتلوا، بهذا التدخل. وقُتل العديد من عناصر الباسيج خلال هذه العملية. ومع ذلك، تبقى الظروف المعيشية المتدهورة السبب الرئيسي للاحتجاجات المناهضة للنظام.
أسس النظام الاقتصادية والسياسية
لعقود طويلة، اعتمد نظام الجمهورية الإسلامية على تحالف بين رجال الدين ورأس المال التجاري، مع تقسيم واضح للعمل: يسيطر رجال الدين، بقيادة المرشد الأعلى، على أدوات السلطة، التي تتألف من الحرس الثوري (باسداران)، وقوات الباسيج، والجيش النظامي. أما رأس المال التجاري، الذي يضم تجار الجملة والبنوك، فيسيطر على شركات الاستيراد والتصدير، والبنك المركزي، والحكومة. ويُعد الحرس الثوري، الذي يسيطر الآن على قرابة نصف شركات القطاعين العام والخاص، حلقة الوصل بين هذين الركنين. هذا التداخل الوثيق بين الدين والسلطة والاقتصاد هو نقطة ضعف النظام، وهو المسؤول الأول عن الركود الاقتصادي المزمن.
لا تُبدي الأوليغارشيات التجارية أي اهتمام بتطوير وحماية الإنتاج المحلي، وهو أمر بالغ الأهمية لمكافحة الجوع والفقر والبطالة. بل إنها تجني الأرباح من استيراد السلع الاستهلاكية وتصدير منتجات النفط والغاز، ومن المضاربة على العملات، ومن الريع الاحتكاري. كل هذه العوامل ترفع أسعار المواد الغذائية الأساسية والإيجارات والأدوية والتعليم وجميع الخدمات الأخرى. يُضاف إلى ذلك التأثير التضخمي الناجم عن الاقتراض الحكومي غير المحدود تقريبًا. لقد خلق هذا النظام الأوليغارشي، بفساده المستشري على جميع المستويات، كيانًا مغلقًا لا يُمكن إصلاحه، يُولّد باستمرار أزمات سياسية، ويُفقر الغالبية العظمى بينما يُثري نخبة صغيرة من فاحشي الثراء.
العقوبات الغربية
إيران ثاني أكثر الدول خضوعاً للعقوبات في العالم بعد روسيا. وقد فُرضت عقوبات واسعة النطاق على حكومة مصدق عام ١٩٥٢، وأُطيح بها في انقلاب عام ١٩٥٣. وتخضع الجمهورية الإسلامية، منذ تأسيسها، للعقوبات. يُجبر هذا الوضع الحكومات الإيرانية على بيع النفط والغاز والمواد الخام الأخرى بشكل غير مباشر وبأسعار زهيدة. ويُؤدي هذا إلى خلق نظام اقتصادي مُبهم تماماً، سمته الأساسية الفساد.
يتكامل المعسكران السياسيان المتشددون الإسلاميون والإصلاحيون المحيطون بالرئيسين السابق والحالي حسن روحاني ومسعود بشكيان عمليًا، ويبدو جليًا أنهما إما غير راغبين أو غير قادرين على اجراء تغيير جذري في النظام. وبهذا يدفعان إيران عمدًا نحو كارثة، والمزيد من شرائح الشعب ضدهما، بدءًا من الطلاب وتلاميذ المدارس وفئات الطبقة الوسطى الفقيرة، وصولًا إلى الطبقات الدنيا من تجار الأسواق. ومن المرجح أن تدفع هذه الأزمة الطبقة العاملة في المستقبل القريب الى المشاركة، لا سيما عمال النفط، الذين سبق لهم أن ساهموا في انهيار نظام الشاه عام ١٩٧٩. ومع ذلك، من المرجح أن يكون التغيير الجذري أكثر تعقيدًا هذه المرة، لأن هذا النظام لا يزال يحظى بدعم قاعدة جماهيرية وأجهزة سلطة موالية.
السيناريوهات المحتملة لتغيير النظام
يُمكن تصور بديلين: عودة النظام الملكي البهلوي، أو ظهور توافق وطني جديد يُفضي إلى الإطاحة بالنظام الثيوقراطي. ويحظى الملكيون البهلويون حاليًا بدعم كبير محليًا ودوليًا، ومن شبه المؤكد أنهم سيحصلون على دعم خارجي من الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد لعب الملكيون ورضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع عام ١٩٧٩، دورًا بارزًا في التظاهرات الأخيرة. ويعتقد كثيرون من الإيرانيين، ممن خاب أملهم في النظام أن أي شيء يلي الإطاحة به سيكون أفضل، فالأهم هو تغيير النظام مهما كانت التكلفة. وتصل هذه السذاجة إلى حد تبرير التدخل العسكري الأمريكي الإسرائيلي لتغيير النظام. إلا أن هذا البديل سيؤدي على الأرجح إلى حرب أهلية، قد تُفضي في نهاية المطاف إلى تفكك وانهيار الدولة الإيرانية متعددة القوميات.
استراتيجية الولايات المتحدة
لا يُعدّ بهلوي قائداً قادراً على إرساء حكم مستقر يخدم التحالف الأمريكي الإسرائيلي في الشرق الأوسط. فهو يفتقر تماماً للخبرة، وضعيف الإرادة، ويعتمد في المقام الأول على قصف الولايات المتحدة للحكم الإسلامي لتنصيبه على العرش. قد تدعم الولايات المتحدة وإسرائيل الملكيين في البداية، فإن مصلحتهما الاستراتيجية لا تكمن في تنصيب ملكية ضعيفة مجهولة الهوية، بل في تفكيك دولة مركزية قوية. عندها ستصبح إسرائيل القوة المهيمنة في المنطقة، والأهم من ذلك، ستتخلص من البرنامج النووي الإيراني إلى الأبد.
بالإضافة الى ذلك فان بهلوي الابن يحث الإيرانيون على الخروج الى الشوارع، مكررا فكرة سقوط النظام الوشيك، موظفا وسائل إعلام إسرائيل والولايات المتحدة الناطقة بالفارسية على مدار الساعة. ويتلقى غالبية الناس أخبارهم من هذه القنوات ومن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، التي يُنظر إليها على أنها تقدم معلومات أكثر موضوعية. أما القنوات الأولى فهي مجرد أدوات دعائية، خالية من أي منطق أو أساس.
السيناريو البديل
البديل الواقعي هو توافق وطني جديد، قد يتبلور في حال حدوث انقسام سياسي داخل النخبة الحاكمة. بل ينبغي أن تكون هناك قوى داخل هذه النخبة ترفض انهيار النظام عند بلوغ نقطة التحول في السياسة. والغريب عدم وجود أي مؤشرات على ذلك حتى الآن، لكن هناك أمل بحدوث هذا الانقسام خلال الأزمة المقبلة. سيكون هذا الانقسام داخل النخبة الإسلامية ضروريًا لتشكيل تحالف جديد بين المنشقين عن الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ والحركات السياسية التي استُبعدت من السلطة حتى الآن. سيشكل هذا التوافق أساسًا لتجاوز الانقسام المجتمعي وهيمنة الأوليغارشية التجارية. يجب ان يقوم هذا التوافق، بين أمور أخرى، على فصل الدين عن الدولة، وإلغاء جميع قوانين التمييز ضد المرأة. قد يُسهم هذا البديل في تجاوز الانقسام الحالي بين الشرائح الدينية والعلمانية من السكان، ويمنع انقسام اثني – طائفي في المجتمع.
إذا استمر المرشد الأعلى في رفضه إحداث تغيير جذري في النظام الحاكم الذي تسيطر عليه نخبة التجار، حتى لو خرجت حشود العمال إلى الشوارع في الاحتجاجات المقبلة ودعوا إلى إضراب عام ضد النظام، فسيكون ذلك على الأرجح نهاية عهده في عزله من السلطة داخل دائرته المقربة. ففي نهاية المطاف، ستكون القوات المسلحة حريصة على الحفاظ على نفسها.







