
فنزويلا، وغرينلاند، وإيران هي أحدث بؤر الفوضى في العالم. لا زال لم ينتهِ الأمر في كل من سوريا، وأفغانستان، وفلسطين، وأوكرانيا – فالوضع مستمر.
يبدو أن احترام القانون الدولي للأمم المتحدة لا يُطبّق إلّا عندما يخدم مصالح جهة ما. في الماضي، كانت الأمم المتحدة مصدر فخر للناس. أما الآن، فنرى شخصاً مثل موغنس ليكتوفت (**)، الرئيس السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي وضع ثقته الكاملة في المنظمة، يقف عاجزاً عن الكلام اليوم أمام مدى عجز الأمم المتحدة عن عملها.
لكن حكومات الدول نفسها تتحمل جزءاً من المسؤولية. لم تُبدِ الدنمارك أيُّ تضامن مع الدول الأخرى التي اُنتُهكتْ حقوقها بموجب القانون الدولي. والآن فقط، عندما تُطالب الولايات المتحدة بتوسيع أراضيها لتشمل غرينلاند، يُمكن سماع صَوتَها.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الدنمارك تشغل مقعداً في مجلس الأمن الدولي بصفتها ممثلةً للدول الصغيرة، وقد يتساءل المرء عن سبب صمتها التام إزاء انتهاك الولايات المتحدة وحصارها غير القانوني لكوبا الصغيرة. والآن، اكتشفت رئيسة وزرائنا بنفسها أن الدول الصغيرة لا تتمتع بأية حماية بموجب القوانين الدولية.
لا يوجد قانون للسلام
يُشاع الادعاء بأن السلوك الإمبريالي الأخير، بقيادة ترامب، قد "دمر القانون الدولي". ويستند هذا الادعاء إلى فرضية خاطئة. فلم يسبق أن وُجِد قانون كهذا كإطار مُلزِم ومُحايد للإمبريالية.
من وجهة نظر ماركسية لينينية، لا يُعد هذا الادعاء خطأً بسيطاً، بل وهماً أيديولوجياً جوهرياً. فلم تكن الإمبريالية يوماً مُقيّدة بالقانون الدولي. بل على العكس، لطالما كان ما يُسمى "القانون الدولي" نِتاجاً ثانوياً للعلاقات الإمبريالية، لم يُتسامح مَعه إلا بقدر ما يخدم مصالح الاحتكار، ثم يُهمل عندما يتوقف عن ذلك.
إن اللحظة الراهنة، التي تتسم بانتهاكات سافرة للمعاهدات، وازدراء للمؤسسات الدولية، وإكراه مطلق، لا تُشير إلى تغيير في الاستغلال ، بل إلى تغيير في الشكل الأيديولوجي للطريقة التي مُورس بها الإستغلال سابقاً.
لا تستطيع الحكومة أن تستوعب أنه على الرغم من لُطف الدنمارك على النفقات، وبذلها أكثر من المطلوب، لم تتلقَ لا ساعة ذهبية ولا ميدالية. من الواضح أن الدنمارك لم تَعُد ذات فائدة.
على الرغم من السماح للدنمارك بدفع مبلغ أقل لحلف الناتو مقابل تنازلها عن غرينلاند للجيش الأمريكي، إلّا أنّ الدنمارك رفعت الثمن، حيثُ أنشأت الدنمارك قواعد أمريكية في دول الشمال. كما دعمتْ غزوات عسكرية تجاوزت بكثير ما يُسمى بالقانون الدولي.
لذا، فإن القانون ليس مُدونة أخلاقية عالمية. إنه أداة سياسية لا تنفصل عن سلطة الدولة وهيمنة الطبقات الحاكمة. ما يفعله القانون على المستوى الوطني للدولة البرجوازية، يفعله ما يُسمى بالقانون الدولي على المستوى العالمي للقوى الإمبريالية: فهو يُضفي الشرعية على الهيمنة، ويُرسخ الاستغلال، ويُخفي الإكراه تحت سِتار النظام.
لا توجد سلطة فوق وطنية تعلو على الطبقات والدول. لا يوجد سوى النظام الرإسمالي العالمي، وفي أعلى مراحله، الإمبريالية، وهي المرحلة التي نعيشها الآن.
يُعدّ كتاب لينين الرائع "الإمبريالية، أسمى مراحل الرأسمالية" الإطار النظري الأساسي. فالإمبريالية، بحسب لينين، ليست مجرد سياسة خارجية عدوانية، بل هي مرحلة بُنيوية من مراحل الرأسمالية، تتسم بالاحتكارات، وتصدير رؤوس الأموال، وتقسيم العالم بين القوى العظمى. وفي ظل هذا النظام، لا يمكن للمعاهدات والأطر القانونية أن تكون مستقرة أو مُلزِمة. وكما بيّنَ لينين، فإن الاتفاقات بين القوى الإمبريالية ليست سوى هُدنات مؤقتة بين الحروب.
وبشكل أكثر تحديداً، كتبَ: "التحالفات السلمية تُمهد الطريق للحروب، وهي بدورها تنشأ من الحروب؛ إذ يُهيئ أحدهما الآخر، ويُنتج أشكالًا متغيرة من الصراع السلمي وغير السلمي على أساس واحد هو الروابط والعلاقات الإمبريالية".
هذا الإدراك وحده هو الذي يجعل فكرة وجود نظام قانوني دولي دائم قائم على القواعد في ظل الإمبريالية مستحيلة نظرياً. إذا كانت الاتفاقيات مجرد وقف لإطلاق النار، فإن القوانين ليست سوى ترسيخ مؤقت للسلطة.
الحرب قادمة.
القانون الدولي لا يحدّ من الإمبريالية، بل يُسجّل توازنها المؤقت. ونحن شهود على ما يحصل الآن. الاتحاد الأوروبي مرتبط بأنظمة التسلّح الأمريكية وقواعدها، ويُظهر آخر استطلاع للرأي أن 16% فقط من سكان الاتحاد الأوروبي يرون الولايات المتحدة حليفاً لهم. يا للأسف، يا لها من مُعضلة للسياسيين! تنهار التحالفات عندما تتعارض المصالح، والناس هم أول من يشعر بوطأة ذلك. نرى هذا في الفجوة بين الأغنياء والفقراء حولَ العالم، وينتعش اقتصاد الحرب على حساب نظام الرعاية الاجتماعية.
على التلفاز، قال بيلي دراغستيد (***)Pelle Dragsted إنه يجب إرسال جنود أوروبيين إلى غرينلاند. ليس من السياسة الاشتراكية التضحية بالأرواح لحماية المصالح الإقليمية لقوة استعمارية ( تقصد الإمريكان - المترجم). لا ينبغي لأحد أن يكون وقوداً لصناعة الحرب.
هذا أمرٌ مأساويٌّ للغاية، لا سيما وأنّ التجنيد الإجباريّ سيبدأ في الأول من شهر شباط/فبراير من هذا العام. أطفالنا مُعرّضين لخطر التجنيد في الحروب والموت. ليس من مصلحة الطبقة العاملة أن تُقاتل كجنود في جيوشٍ وطنيةٍ أو أوروبيةٍ لحماية مصالح رأس المال الكبير.
علينا أن نكشف حقيقة الحرب، وأن ننزل إلى الشوارع، وأن نُعبّر عن آرائنا، وأن نُناضل من أجل التضامن بين الشعوب.
من أجل كوكبنا.
* رئيسة الحزب الشيوعي الدنماركي
(**) هو سياسي إشتراكي ديمقراطي شغل مناصب وزير الخارجية ووزير المالية ووزير الضرائب في حكومات مختلفة، بالإضافة إلى منصب رئيس البرلمان. في حزيران/يونيو 2015، انتُخب رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السبعين، واستمرت ولايته من سبتمبر 2015 إلى سبتمبر 2016.
(***) سياسي يساري ومُتحدث باسم حزب القائمة الموحدة. كان عضواً في البرلمان في الفترة من 2015 إلى 2019، ثم مرة أخرى بعد انتخابات عام 2022.
عن جريدة "الشيوعي" الشهرية للحزب الشيوعي الدنماركي في عددها الأخير لشهر شباط.







