لم يخلو التاريخ الانساني من صفحات مظلمة حول طرق التعذيب والقتل بحق المعارضين السياسيين أو الأسرى في الحروب أو الخونة أو لنواح اخلاقية أو غيرها. وعلى الرغم من تنوع اساليب التعذيب والقتل المختلفة يبقى القتل برمي من شاهق واحدا من اكثر وسائل القتل همجية ووحشية، ليس كونها رمزا من رموز الوحشية والبربرية فقط، بل كونها احتفاء بتلك الوحشية التي تضع المعايير الاخلاقية مهما كانت جذورها موضع تساؤل كبير. وما رمي مقاتلة كردية قاومت الأرهابيين حتى آخر رصاصة في حي شيخ مقصود بمدينة حلب من قبل اسلاميين والتمثيل بجثتها بعد مقتلها برميها من شاهق، الا تجسيد للبربرية والوحشية التي يتمتع بها أشباه البشر هؤلاء. وتلك الجريمة التي يتقزز الانسان السوي منها لا يمكن فهمها بمعزل عن الاسلام السياسي الارهابي، ولا بمعزل عن النظام السوري الذي يحتضن هذه المنظمات الارهابية وهو أبنها الشرعي، ولا غض النظر عن الغرب وأميركا اللذان بيضّا وجه الأرهاب الاسلامي ويمنحان الارهابيين فرصة الاستمرار بجرائمهم نتيجة توازنات سياسية دولية واقليمية، ضاربين عرض الحائط كل ترهاتهم حول حقوق الانسان وحق الاقليات التمتع بحقوقها. أنّ هذه الجريمة البشعة تعيدنا الى تاريخ الارهاب الاسلامي الأموي، حينما تم رمي جثة مسلم بن عقيل بعد قطع رأسه من اعلى دار الامارة بالكوفة. لقد إمتدت طريقة القتل هذه وتكررت في مراحل تاريخية سبقت الاسلام بقرون، ففي روما القديمة كانت صخرة تاربيان (*) شاهدا ليس على قتل وتمثيل بجثث الضحايا فقط، بل شاهدا على عملية اذلال الانسان والغوص بعيدا في معان مثّلت العنف بأقسى صوره بشاعة وبربرية.

 هذا السلوك العنيف يظهر في العقل "البشري" عند انعدام القانون وغياب دور الدولة كمحتكرة لوسائل العنف، أي وبمعنى آخر هو بداية رحلة محفوفة بالمخاطر من السلطة الى الفوضى. أنّ الجريمة التي أرتكبت بحق مقاتلة كردية تقع مسؤوليتها المباشرة على النظام السوري وعلى رئيسه قبل أي جهة أخرى. فهذا الرئيس الذي انتقل من تنظيم ارهابي الى آخر وسجن في سجن بوكا، هو تجسيد أمريكي غربي لطبيعة الانتقال من الارهاب الى السلطة، هذا الرئيس الذي تحول بين ليلة وضحاها من مطارد الى زعيم يُستقبل في اكبر عواصم الغرب!

 السلطة السورية اليوم هي سلطة ارهابية ورثت العنف والجريمة من سلطة سبقتها، سلطة لازالت مجاميع كبيرة من الارهابيين القادمين الى سوريا من خارج الحدود تعزز مواقعها فيها الدولة وتمنحها هذه السلطة حق العمل السياسي والعسكري. هذه المجاميع الارهابية الاجنبية هي من نفذّت اوامر السلطة في القتل والتمثيل بجثة المقاتلة الكردية في حلب. أن المقاتلة الكردية مواطنة سورية لها الحق في ان يتمتع ابناء جلدتها بحقوقهم القومية ضمن الدولة السورية بحدودها الدولية، ولها وكل السوريين حق التمتع بنظام ديموقراطي بعد أن عاش الشعب السوري لعقود في ظل نظام قمعي ديكتاتوري. أي خلاف سياسي مع أي جهة تقف بوجه السلطة بل وحتى عسكري، فأنّ الدولة هي التي عليها أن تتولى عملية حل هذا النزاع او الصراع، بما يخدم مصالح الشعب السوري بما فيه الاكراد وغيرهم من مكونات الشعب العديدة.

 أن قيام مجاميع اسلامية ارهابية قادمة من خارج الحدود بالقتال ضد ابناء البلد، يلغي شرعية السلطة والنظام الحاكم في دمشق، والحديث هنا لا يدور حول دور هذه الزمر الاجرامية لما جرى من احداث في حلب فقط ، بل يمتد الى احداث جرائم الساحل والسويداء وغيرها من المناطق السورية. السلطة التي أعيد تأهيلها امريكيا وغربيا بطرق مشبوهة لن تُنتج عدالة ولا استقرار. سوريا اليوم تشهد اندماج واضح المعالم بين إرهابيين إسلاميين سابقين وحاليين ودعم غربي استراتيجي، وفراغ قانوني، وكل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى هذه الفوضى باسم النظام، والوحشية باسم نصرة الاسلام !!

في سوريا حيث الارهاب الاسلامي هو من يهيمن على مقاليد السلطة، فأن تراجع مفهوم الدولة والقانون يتوارى ويغيب وينهزم أمام منطق القوة والوحشية وغياب العقاب عن الجرائم المرتكبة، وتبرير الجريمة او السكوت عنها تحت اي مسمى كان ، هو شراكة مع الجريمة وبشاعتها. وأن صخرة تاربيان في روما لا تزال شاهدة على السلوك الهمجي عبر التاريخ والذي وصل الى أسطح بنايات حلب.

 قال الله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) النحل / 126.

(*) "صخرة تاربيان، منحدر صخري تاريخي في روما القديمة، كان يرمى المحكومون بالاعدام من اعلاه.