خطط تقسيم روسيا لم تتغير كثيراً خلال قرنين

الأخبار الأخيرة من الولايات المتحدة، أو بالأحرى من العالم وراء الكواليس، تنص على ما يلي: عقدت لجنة الحكومة الأمريكية للأمن والتعاون في أوروبا (CSCE) إيجازاً حول الحاجة "الأخلاقية والاستراتيجية" لتقسيم روسيا إلى أجزاء. وينتقل الخطاب من قاس ٍ إلى مجنون حيث قيل إن: "الأعمال العسكرية الهمجية لروسيا في أوكرانيا، وقبل ذلك في سوريا وليبيا وجورجيا والشيشان، أظهرت للعالم بأسره السلوك الإمبراطوري الشرير والقاسي للاتحاد الروسي. إن عدوانها يشكل مناسبة لحديث طال انتظاره حول مستقبل الإمبراطورية الداخلية لروسيا. لقد حان الوقت لنأخذ في الاعتبار أن موسكو تحتفظ بالسيطرة على العديد من الشعوب غير الروسية داخل حدود دولتها. لقد حان الوقت لنرى القسوة التي يقوم بها الكرملين بقمع التعبير عن الذات وتقرير المصير ".

نسيت أمريكا عن غير قصد أن القوات الأمريكية قاتلت في سوريا وليبيا، وأن خطط تقسيم روسيا إلى أجزاء، التي وضعها الأنجلو ساكسون، عمرها ما يقرب من مائتي عام. فضلاً عن مخاوف من التعزيز المفرط لروسيا على مضيق البوسفور مع احتمال تقدمه إلى تركيا والهند. لقد صرح اللورد هنري جون بالمرستون في عام 1830 أن الهزيمة التركية وإبرام سلام أدرانوبل المواتية لروسيا، خلقت خطر ظهور القوات الروسية في تركيا وتوسيع الحدود الروسية في اتجاه جنوبي، وهو ما لم يلتق مع المصالح البريطانية. كان محاربة روسيا في "المسألة الشرقية" أحد أهم أهداف السياسة الخارجية البريطانية في عهد بالمرستون. وبالنسبة إلى بالمرستون، فإن السماح لروسيا بالدخول إلى القسطنطينية يعني فتح الطريق أمامها للهند وبريطانيا، وإن خسارة الهند تعني تحول بريطانيا إلى دولة أوروبية صغيرة مثل هولندا وبلجيكا. ولم يعد بإمكان بريطانيا "التحكم بالبحار"؟

واحدة من خرائط المتطرفين الذين يحلمون بتقسيم روسيا إلى دول صغيرة

تم وضع خطة بالمرستون بطريقة تشمل حلفاء جدد في الحملة: السويد والنمسا وبروسيا، وقيام بولندا بالانتفاضة والاستقلال عن روسيا، ودعم حرب شامل في القوقاز، واستفزاز مملكة سردينيا ضد روسيا. كانت نوايا اللورد البريطاني هي التأكد من أنه، بالتحالف مع فرنسا، دون إعلان الحرب على روسيا، لإجبار نيكولاس الأول على إخراج القوات من مولدافيا ووالشيا، وحتى لا يغضب نابليون، ولكن أيضاً لا يتشاجر مع الملك. . وبمساعدة الحلفاء، بالإمكان إلحاق الهزيمة بروسيا وتقسيمها: وإعادة جزر آلاند وفنلندا إلى السويد؛ ومنح منطقة البلطيق إلى بروسيا ؛ استعادة مملكة بولندا كحاجز بين روسيا وألمانيا؛ وأُخذ شبه جزيرة القرم والقوقاز من روسيا وإعطائه لتركيا، إضافة إلى جزء القوقاز، الذي أطلق عليه بالمرستون اسم شركيسيا، وتشكيل دولة منفصلة، ترسي علاقات تبعية لسلطان تركيا.

كان اللورد بالمرستون خطيباً ممتازاً. وكتب كارل ماركس عنه العبارات التالية: "إنه يعرف تماماً كيفية الجمع بين العبارات الديموقراطية ووجهات نظر الأوليغارشية، إنه يعرف كيف يخفي سياسة السلام التجاري للبرجوازية وراء لغة الفخر للرجل الإنجليزي الأرستقراطي في العصور القديمة. كما أنه يعرف كيف يظهر مهاجماً عندما يكون في الواقع مغروراً، وكيف يبدو مدافعاً عندما يخون حقاً؛ إنه يعرف كيف يتجنب عدواً. إنه بمهارة يدعو إلى اليأس من حليف اليوم، ويعرف كيف يأخذ جانب الأقوى ضد الأضعف في اللحظة الحاسمة للنزاع، ويتمتع بفن الهروب من العدو، معلناً عبارات عالية وجريئة. إنه تقريباً يتبع نفس الأساليب التي يستخدمها الخائن الماهر والماكر "الأنجلو ساكسوني الجريء"، مقدماً في إدارة الشؤون الخارجية كرة الأكاذيب الكاملة التي تشكل جوهر اليمينية" ، كما وصف ماركس هذا التكتيك في الوقت الحاضر في أوروبا وأمريكا، وبروح بالمرستون ، يناقشون ما يجب فعله مع "الإمبريالية الفطرية" لروسيا.

"يستشهد الصحفي نيكولو سولدو بهذه المناقشات في مقال" هذيان حول روسيا". يكتب سولدو: "لا هذا نقاش حول" الحاجة الملحة "لتقسيم روسيا، وعلى وجه التحديد لأسباب أخلاقية واستراتيجية. ما يلفت الانتباه في هذه الحالة بالذات هو أنه ينبع من الديماغوجية المعتادة حول "انتشار الحرية والديمقراطية"،  وانتقل هؤلاء الأشخاص إلى مصطلح جديد إلى "إنهاء استعمار" روسيا.

لا تتفاجأ، هكذا كان الحال دائمًا: تلوح في الأفق رثاء صنع السلام، وتحت ذلك تختفي الدوافع الحقيقية لـ "النضال من أجل السلام". ينص توجيه مجلس الأمن الأمريكي رقم 20/1 لعام 1948 على ما يلي: "الهدف الأول هو تدمير مجال النفوذ السوفيتي في أوروبا الشرقية، والذي يتحقق من خلال الاختراق الاقتصادي. الهدف الثاني هو تغيير حدود الاتحاد السوفيتي والانفصال عنه، أولاً وقبل كل شيء، دول البلطيق وأوكرانيا. لهذا الغرض، يجب تشجيع أي حركة انفصالية في الاتحاد السوفيتي وإطلاقها ، لأن الحركات الانفصالية المنظمة بشكل صحيح، هي أفضل وسيلة لتدمير القوة السوفيتية وتفكيك الاتحاد السوفيتي. الهدف الثالث هو أنه بغض النظر عما ستكون عليه الحكومة المعادية للشيوعية في روسيا القادمة (بالطبع صديقة للولايات المتحدة)، يجب أن يكون لها دائمًا إمكانات عسكرية محدودة فقط ويجب أن تكون في حالة من الاعتماد الاقتصادي الكامل على الولايات المتحدة.

لقد تبنت أمريكا خطاب بالمرستون، والرغبة في المضي قدمًا بخطوات صغيرة، والعمل بالوكالة، وإذا أمكن ، لتبدو أمريكا وكأنها نصيرة للسلام. وهكذا، في بداية الصراع الأوكراني، زعمت الولايات المتحدة أن هدفها هو إضعاف القوات الروسية قدر الإمكان عن طريق اختزال العملية العسكرية إلى مفاوضات السلام. لكن في غضون أسابيع، كانت وزارة الخارجية تتحدث عن تغيير النظام في موسكو (كما يظهر توجيه من مجلس الأمن الأمريكي عام 1948، هذا حلم قديم جدًا). ويشير سولدو:"في النهاية، يجب تحرير الروس من الدكتاتور بوتين حتى يجنوا نفس ثمار الديمقراطية شأنهم في ذلك شأن باقي دول العالم الحر ". ويطلق على "العالم الحر" اسم البلدان التي استسلمت لأمريكا والتي تكن لها الود".

من وكيف سيم تحرير روسيا من الحكومة الشرعية التي اختارها الشعب الروسي، لتحل محل الحكومة، لتمزيق أراضي بلدنا إلى "جمهوريات"، عاجزة وعزلاء أمام نسور الغرب.

 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل