لابد عند الحديث عن أية انتخابات تجري في ظل النظام الديني القائم في إيران، الإشارة إلى مؤسسة الحكم فيها، أي الدولة العميقة والحكومة السرية وحكومة الظل التي تشكل النواة الاحتكارية الرئيسية للحكم في إيران حالياً. وتتكون هذه الحكومة من مقر المرشد (ولي الفقيه) ومؤسسة الإمام الرضا الاقتصادية الضخمة ومؤسسة الحرس الثوري والتعبئة العسكرية والاقتصادية الضخمة ومؤسسة المستضعفين الاقتصادية ومجلس الحراسة الذي يحدد قائمة المرشحين في الانتخابات وغيرها من المؤسسات التي تهيمن على مرافق السلطة السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية والاقتصادية تحت الإشراق المباشر للمرشد (ولي الفقيه) الذي يتمتع حسب دستور البلاد بصلاحيات واسعة لامحدودة في إدارة شؤون البلاد.

ولا تخضع هذه الحكومة العميقة لأية رقابة مدنية أو قانونية ولا لأية جهة رسمية منتخبة من قبل الشعب كمجلس الشورى أو المجالس المحلية المنتخبة من قبل الشعب أيضاً ولا من مؤسسة رئاسة الجمهورية التي تنتخب من قبل الشعب مباشرة. فالدستور الإيراني ينص بشكل واضح وصريح على أن المرشد (ولي الفقيه) هو الذي يدير القوات المسلحة بمختلف أصنافها ومن صلاحياته إعلان الحرب والنفير العام، ويدير السلطة القضائية وهو الذي يختار وزراء الخارجية والداخلية والدفاع والإعلام ومجلس الحراسة ومجمع تشخيص مصلحة النظام، علماً إنه غير منتخب من قبل الشعب خلافاً لرئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعل. ونتيجة لذلك فإن هذه الحكومة العميقة التي تملك من الوسائل والقدرات الواسعة، قادرة على التحكم في جميع شؤون البلاد، بما فيها مصير العملية الانتخابية بدون حسيب أو رقيب.

ولهذا السبب طرأ تغيير واضح على الوعي الشعبي تؤكده الكثير من الدلائل عن مشاعر الإحباط لدى الشعب من العملية الانتخابية والدعوات التي أُطلقت لمقاطعة الانتخابات التي اعتبرت من قبل وسط واسع من الإيرانيين أنها ليست ذات جدوى في إحداث تغيير في البلاد صوب إرساء قواعد الديمقراطية وحكم الشعب في البلاد. ولقد ازدادت موجة التشكيك والإحباط في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ جراء تفاقم ظاهرة الفساد المالي والإداري وانعدام القانون، وتعرض الكثير من المواطنين الإيرانيين إلى السجون والاعتقالات الكيفية، واندلاع الاحتجاجات الشعبية الواسعة خاصة تلك التي جرت في عامي 2017 و2019 والتي شملت في الآونة الأخيرة الفلاحين، وخاصة في محافظة أصفهان، هذه الفئة الاجتماعية التي كانت تعتبر في السابق القاعدة الاجتماعية الرئيسية والسند للنظام. ومما يعمق تراجع مواقع الفئة الحاكمة جراء تدهور الوضع الاقتصادي بعد العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الغربية والعزلة الدولية بسبب تدخل حكام إيران في الشؤون الداخلية في العراق وفي دول إقليمية أخرى، وإجراء انتخابات غير شفافة ومزورة، إلى جانب قمع وملاحقة المطالبين بالحريات السياسية وإلغاء مظاهر التمييز الديني والمذهبي وتهميش دور المرأة وغيرها من الممارسات المتعارضة من أبسط قواعد حقوق الإنسان، مما أصبح من غير الممكن  الحديث عن إمكانية إجراء أية إصلاحات في النظام السياسي في البلاد عبر الانتخابات.

في ظل هذه الأوضاع الشاذة شُرع بالتحضير لتمثيلية الانتخابات الأخيرة. وتقدم 592 مرشحاً لخوض الانتخابات الرئاسة الإيرانية بمن فيهم عدد من النساء لأول مرة، وكانت أول خطوة للدولة العميقة اتخذها مجلس الحراسة رفض طلب غالبية المرشحين وجميع المرشحات، وأبقى على مشاركة ثمانية فقط من طالبي الترشيح للرئاسة وغالبيتهم من المصنفين كأنصار التيار الديني المتشدد الحاكم في البلاد. فإذا كانت الدولة العميقة كانت تناور في السابق وتبقي على مرشحي التيار المسمى بالإصلاحي في سابق الانتخابات، إلاّ أنها هذه المرة اختبارات طريق المرشح المتشدد رجل الدين المتعصب ابراهيم رئيسي دون غيره كي تتفادى بعض الأصوات الإصلاحية التي كانت تثير المتاعب والحرج والقلق للدولة العميقة في الانتخابات السابقة.

لقد أعلن المسؤول في وزارة الداخلية الإيرانية بعد انتهاء الاقتراع وجرد الأصوات، أنه قد شارك في الانتخابات 28 مليون و933 ألف وأربعة ناخبين من أصل 59 مليون و310 ألف و307 لهم حق الاقتراع في الانتخابات؛ أي مشاركة 46% وهي النسبة الأقل في تاريخ الانتخابات الإيرانية. وأعلن عن فوز المرشح ابراهيم رئيسي وحصوله على 17 مليون و926 ألف و345 صوت. كما أعلن عن عدم حساب الأصوات الباطلة التي بلغت قرابة أربعة ملايين صوت وحذف 400 ألف صوت آخر بذريعة أخطاء في الاقتراع؛ أي حذف قرابة أربعة ملايين ونصف من الأصوات وهو يشكل 17 % من مجموع أصوات الناخبين المشاركين في انتخابات الدورة الانتخابية الثالثة عشر منذ قيام النظام الجمهوري في إيران عام 1979، وهي سابقة في تاريخ الانتخابات الإيرانية وغير الإيرانية.

ومن اللافت للنظر هو حجم الناخبين المشاركين في العاصمة الإيرانية طهران حيث لم يزد عدد المقترعين على نسبة 36% من الذين يحق لهم الاقتراع. فقد شارك في الانتخابات في محافظة طهران الأكثر نفوساً في البلاد 3 ملايين 346 ألف و580 ناخب من أصل 9 ملايين 815 ألف و77 من يحق لهم الاقتراع. علماً أن الناخبين في طهران شاركوا في الدورة السابقة للانتخابات بنسبة 85% عام 2017، حسب الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية الإيرانية. ولم يحصل المرشح الفائز ابراهيم رئيسي إلاّ على 2 مليون و159 ألف 504 أصوات. كما جرى حذف 400 ألف صوت في طهران بذريعة أنها أصوات باطلة!!

أما في المحافظات الأخرى، فهي كالسابق وحتى الآن الميدان الأكثر سهولة في تزييف الانتخابات والتلاعب بجرد النتائج، وهي مسألة يتحدث عنها جميع من تابع الانتخابات في الدورات الإثني عشر السابقة. ولعل الدليل الواضح على ذلك هي نتائج الأصوات في ثلاث محافظات يسكن الغالبية فيها، محافظة كردستان وخوزستان وبلوخستان، مجاميع قومية ودينية تتعارض مصالحها مع سياسة التيار المحافظ والمتشدد. ففي هذه المحافظات يسكن الكرد والبلوج والعرب الذين عبروا خلال السنوات الماضية عن احتجاجهم جراء تهميشهم وتعرضهم للقمع ومعارضتهم للسياسة الجارية في البلاد. ولكن نتيجة عد الأصوات في هذه المحافظات كما أعلنتها وزارة الداخلية تشير إلى أن عدد المقترعين في هذه المناطق يزيد على عدد المقترعين في العاصمة طهران، وهو ما يؤكد التلاعب بالأصوات في الانتخابات التي تديرها وزارة الداخلية، الخاضعة لإرادة الدولة العميقة، وليس بإدارة هيئة مستقلة وبإشراف دولي.

هذا النهج سوف لا يؤدي إلى الحد من التوتر في علاقات الحكم الإيراني مع الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي من ناحية، ولا يدفع المواطن الإيراني كي يساند الفئة الحاكمة في مواجهة الضغوطات الخارجية ضد الحكم في إيران. إنه نهج لا يبشر بالحد من القيود والعسف ضد المواطنين الإيرانيين ولا يفتح باب الانفراج في معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، بل ستمارس الفئة الحاكمة المزيد من الإجراءات التعسفية داخلياً والمزيد من التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة ومنها العراق، مما يعرض الوضع في المنطقة إلى المزيد من المخاطر والتدخلات والتهديدات الخارجية، ويذهب ضحيتها الشعب الإيراني وشعوب المنطقة على حد سواء.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل