في كتابة الجديد „تمرد أم سقوط!: دعوة إلى العصيان العالمي لإنقاذ حضارتنا" الصادر بنسخته الألمانية عن دار نشر "فيستاند"، توصل، الباحث في علوم اللغة الحديثة واحد أبرز نقاد الرأسمالية والمفكر اليساري المخضرم نعوم تشومسكي، إلى استنتاج مفاده أن البشرية على وشك تدمير الذات بالأسلحة النووية وتغيير المناخ وتقويض الديمقراطية. وبهذه المناسبة اجرت "جريدة نيوز دويجلاند" القريبة من حزب اليسار الالماني حوارا معه تحدث فيه عن أخر التطورات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية وانعكاسها على مجمل السياسة العالمية، ورؤيته لمستقبل العالم. نقدم فيما يلي عرضا لأهم الموضوعات التي طرحت في الحوار.

بدون ترامب العالم أفضل

عبر تشومسكي عن شعور جيد بمناسبة التخلص من هذا الورم الخبيث الذي كان يمكن أن يدمر العالم. ربما كانت أربع سنوات أخرى من حكم ترامب ستوصلنا إلى نقطة تحول لا رجعة فيها. لقد كانت إدارة ترامب أخطر حكومة في تاريخ العالم. ولا شك في أن هتلر كان فظيعًا. لقد مثل ربما أعمق نقطة انحدرت اليها البشرية. لكن هل عمل هتلر على تدمير إمكانيات الحياة البشرية في جميع بقاع العالم؟ ترامب فعل ذلك! لقد عمل بجد لتعظيم استخدام الوقود الأحفوري (من العوامل الرئيسية لتلوث الهواء والتسبب في الاحتباس الحراري) وإلغاء اللوائح التي خففت، إلى حد ما، من آثاره. لقد كان سباقا نحو الكارثة. وإدارة ترامب كانت تعلم ما تفعله. أجرت الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة دراسة بيئية دقيقة وخلصت إلى أنه وفق المسار الحالي، ستكون درجة الحرارة، حتى نهاية القرن الحالي، أعلى بأربع درجات مئوية مقارنة بمستويات عصر ما قبل الصناعة. إن كل مصدر علمي وعقلاني يعرف أن هذا سيؤدي إلى كارثة كاملة. ثم قدمت حكومة ترامب توصية:  لنمض  سريعا! دعونا نتخلص من ضوابط عوادم السيارات حتى نتمكن من تسريع الاحتباس الحراري. دعونا نزيد من استخدام الوقود الأحفوري! دعونا ننشئ مناطق استكشاف جديدة، ونستخدم أسوأ مصادر الطاقة وأكثرها تلويثًا مثل الفحم، ونخفف اللوائح لحماية البيئة. هذا جنون! وهناك من يقول: ربما لم يهتم ترامب بعواقب سياساته. لكن بالتأكيد لم يكن هدفه القضاء على الإنسانية، اكيد لم يعن  له ذلك شيئا، ولكنه كان يعلم العواقب. البشرية في سباق مع الزمن لاحتواء الاحتباس الحراري. إن أربع سنوات من الإسراع في تعميق الأزمة، تعني جريمة غير مسبوقة.

مخاطر حرب نووية

كان هناك نظام للحد من التسلح، تم بناؤه بشق الأنفس على مدار قرابة 60 عامًا. لكن ترامب فككه. انتهى تقريبا! لم يضمن الحد من سباق التسلح تجنب الحرب النووية بالكامل، لكنه خفف، إلى حد ما من مخاطرها. بالإضافة إلى ذلك، أطلق ترامب مبادرات أخرى لتطوير أسلحة نووية جديدة أكثر خطورة بكثير. إلى جانب قيامه بأعمال استفزازية في أجزاء كثيرة من العالم ومجموعة من الهجمات غير المبررة والتخريب والحرب الإلكترونية إلى جانب تشديد العقوبات المدمرة المعروفة. لقد أدى ذلك إلى ارتفاع مخاطر الحرب النووية.

ان مغادرة ترامب للبيت الأبيض ربما جلبت للعالم القليل من الأمن لأن من الصعب معرفة خطوات ترامب، والتنبؤ بخططه، من المتوقع أن تعود الأمور الآن إلى طبيعتها. وأن القيادة العسكرية العليا مرتاحة للغاية لأن الوضع أصبح الآن أكثر وضوحا. لكن هذه ليست المشكلة الحقيقية. إن المشكلة تكمن في خطوات تصعيد التهديد التي تم اتخاذها خلال عهد ترامب. ويرتبط ذلك بسياسات الحزب الجمهوري، الذي يعد أخطر منظمة في تاريخ البشرية، تساعد في تدمير الموارد الطبيعية، ناهيك عن أن الحزب حاليا منقسم القاعدة الانتخابية ويسيطر عليها ترامب إلى حد كبير، وارتفع رصيده بعد مهاجمة أنصاره في 6 كانون الثاني، مبنى الكابيتول.

تقويض الديمقراطية ومستقبل ترامب

للوهلة الأولى، لا يبدو تقويض الديمقراطية خطيراً مثل الحرب النووية أو الكارثة البيئية. لكنه خطير، لأن الديمقراطية الحية التي يشارك فيها مواطنون ملتزمون يناقشون ويضعون البرامج ويضغطون على السياسيين لتنفيذها، يمكن أن تتعامل مع الخطرين: الحرب النووية وتدمير البيئة. دمر ترامب الحكومة وحولها إلى إقطاعية شخصية. اعتادت الحكومة أن تكون نظامًا فعالاً له أصوات متعددة. لكن ترامب حولهم إلى مستنقع لا يصدق من الفساد. رفض الانتخابات لأنه لم يفز بها. ما هو التقويض الشديد للديمقراطية الذي يمكن أن يحدث؟ يعتقد غالبية الناخبين الجمهوريين أن الانتخابات مسروقة لأن ترامب قال ذلك. هذه هي أعراض الفاشية. كان ترامب قادرًا على الاستفادة بفاعلية من السموم الموجودة تحت سطح المجتمع الأمريكي. عنصرية البيض، كراهية النساء، كراهية الأجانب، التطرف الديني. وكان ترامب يجيد أفضل من أي شخص آخر كيف يخرجها إلى السطح. فعل هتلر الشيء نفسه. بمجرد إطلاق العنان لهذه الصيحات، من الصعب للغاية السيطرة عليها.

من ناحية أخرى، لا تحب طبقة المتبرعين والأثرياء ترامب، لكنهم كانوا على استعداد لتحمله طالما أنه يملأ جيوبهم بشكل جيد. لكن ما حدث في 6 كانون الثاني تجاوز المقبول. لذلك قالوا له: انتهت اللعبة! لقد أدار الاتحاد الوطني للصناعيين، وغرفة التجارة، وكبار رجال الأعمال، والمدراء التنفيذيون في القطاع المالي ظهورهم له. وحدث شيء ما في مجلس الشيوخ أيضًا. وابتعد بعض الجمهوريين البارزين عنه. يتعين على رئيس كتلة الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل الآن أن يقرر: هل يذهب إلى الناخبين أم إلى أكبر الاثرياء الذين يخدمهم، ويقومون بتمويله؟

باستطاعة ترامب ان يشكل حكومة ظل بديلة في منتجع مارالاغو، حيث يعيش. وسيقدم ترامب نفسه باعتباره الرئيس الشرعي بدعمه في ذلك أوساط كبيرة جدًا من ناخبي الجمهوريين. وسيتعاون مع ميتش مكونيل، والأخير عبقري في جعل البلاد غير قابلة للحكم. لقد كان زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ خلال العامين الأولين من حكم أوباما وقال صراحة: علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لجعل أوباما يفشل. وهذا يعني بذل كل ما في وسعه لجعل البلاد غير قابلة للحكم، ولإحداث أكبر قدر ممكن من الضرر. يريد الجمهوريون القاء مسؤولية المشاكل القائمة على عاتق الديموقراطيين من أجل العودة إلى السلطة. وليس هناك مجال للشك في أن ماكونيل لن يفعل الشيء نفسه هذه المرة.

أيضا. وفقًا للشعار: فلنعرقل كل اقتراح! ستكون هناك إخفاقات. يمكننا بعد ذلك تحميل الحكومة المسؤولية عنها، وأخيراً، وبدعم من القاعدة التي يسيطر عليها ترامب، العودة بقوة إلى السلطة ثانية.

إن فرص نجاح إجراءات عزل ترامب، محاكمته برلمانيا متدنية، والشيء الوحيد الذي يمكن أن تحققه الإجراءات هو عدم السماح لترامب تولي مناصب عامة مستقبلا. لكن شخصا ما على شاكلته يمكن ان يؤدي المهمة.

فرص بايدن

خطوات بايدن الأولى مشجعة. ولكن هناك العديد من المشاكل التي يجب معالجتها، وبرامجه ليست قريبة بما يكفي للتعامل مع مشكلتين رئيسيتين يمكن أن تهدد بقاء البشرية: التهديد المتزايد للحرب النووية والكارثة البيئية. في الأساس، لا شيء آخر مهم إذا لم يتم التعامل مع هذه القضايا. ويجب معالجتها قريبًا. زاد خطر الحرب النووية بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وساعتها تقترب كل عام.

ولحد الآن ليس هناك مؤشرات لنجاح بايدن. إن الجمهوريين متطرفون للغاية هذه الأيام. وكاد المعتدلون بينهم أن يختفوا. قبل بايدن، حاول أوباما إعادة توحيد البلاد وإنجاز المصالحة، لكنه فشل تمامًا. ومن المحتمل أن يفشل بايدن أيضًا، لأن الجمهوريين لا يريدون المصالحة. انهم يريدون العودة إلى السلطة. وبرنامج مكونيل يمثل وسيلة لتحقيق هذه العودة.

تفاؤل المناضل

شدد نعوم تشومسكي على ان التحليل الذي يتبناه لا يدفعه لليأس، وانه لن يتخلى عن الأمل، في عهد ترامب كانت تفصل العالم 100 ثانية عن الانهيار وممكن ان تصبح الان دقيقتين لأن ترامب رحل. ومن الممكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهذا يتطلب ضغطا كافيا على بايدن ودول أخرى. ومن جانب آخر يأتي قرابة نصف انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من البلدان الناشئة، لهذا تقع على عاتق الدول الغنية مسؤولية مساعدة الدول الفقيرة على تقليل الانبعاثات، انطلاقا من المسؤولية الأخلاقية، ولأن هذه البلدان، بين أمور أخرى، غنية جدا، والآخرون فقراء جدًا، فضلا عن حيوية ذلك لاستمرار الحياة.

*-نشرت في العدد 139 من مجلة الشرارة النجفية

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل