كيف قام حكام الولايات المتحدة بمطاردة ألبرت أينشتاين وتشارلي شابلن وآخرين بذريعة كونهم”عملاء للسوفيات”.
نال السناتور الجمهوري سيء الصيت جوزيف مكارثي من ولاية ويسكونسن الشهرة في التاسع من شباط عام 1950، بعد أن تحدث في مدينة ويلنج، ولاية فيرجينيا الغربية، وأعلن أن عدد الشيوعيين العاملين في وزارة الخارجية الأمريكية وصل إلى 205 شيوعي.

السناتور جوزيف مكارثي
اليوم، سينتاب الحزن جوزيف مكارثي، فلقد بذل الكثير من الجهد في محاربة “أعداء أمريكا” الحمر والزرق وغيرهم من “أعداء أمريكا” لدرجة أن التسامح الغربي الحديث قد يبدو له مؤامرة كبرى. ومع ذلك، فقد زرع هذا السناتور بذور الخلاف بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي، ويبدو أن الهستيريا المعادية لروسيا اليوم في أمريكا هي ذكرى جينية لأحداث الخمسينات، وهي نوع من النصب التذكاري لمكارثي نفسه.

الدستور ليس قانونا؟
ماذا جرى بحيث أن الموقف الودي للولايات المتحدة تجاه الاتحاد السوفيتي كشريك في الحرب ضد الفاشية تغير من زائد إلى ناقص في بضع سنوات، وأسفر عن إنشاء الستار الحديدي والبحث عن الحمر في البيوت بالفعل؟ كيف بدأتها دولة تفتخر بقيمها الديمقراطية، في سعيها وراء السحرة، في انتهاك صارخ لحقوق وحريات المواطنين التي يكفلها الدستور الأكثر تقدمًا في ذلك الوقت؟
في الواقع، لم تكن أحداث الخمسينات بأي حال من الأحوال المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة عندما تم البدء هناك بإضطهاد الأشخاص المعارضين والمشكوك بهم، من أجل تحقيق الأمن على طريقتهم الخاصة. فقد ظهر أيضاً “رعب بالمر” في أمريكا (سمي على اسم المدعي العام ألكسندر بالمر)، عندما شاع في الولايات المتحدة “الرعب الأحمر” بعد انتصار ثورة أكتوبر العظمى، وتم تطهير الراديكاليين اليساريين خلال العمليات التأديبية، والاعتقال الجماعي للأمريكيين اليابانيين بعد بيرل هاربر.

معوقات الهيمنة على العالم
بدأ الغضب من قبل السوفييت بالطابع الثابت لستالين، الذي غرس الاشتراكية بنشاط في أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتهى باختبار القنبلة الذرية في الاتحاد السوفيتي في آب 1949، مما أدى إلى تدمير الاحتكار النووي الأمريكي.
علاوة على ذلك، جرى المزيد في عام 1949 عندما انتصر الشيوعيون في الصين، مما سبب صدمة في أمريكا. وهكذا بدا كل من حولنا أعداء وجواسيس، يجب العثور عليهم وتحييدهم. أنهت الحرب الكورية، التي بدأت في 25 حزيران 1950، الموقف السلبي تجاه كل ما يتحرك ويتطور بشكل مختلف عما كان عليه الحال في الولايات المتحدة.

بداية الصيد
في عام 1947، أصدر الرئيس ترومان بالفعل أمراً بفحص موظفي الخدمة المدنية للتأكد من أنهم يحملون أية مشاعر معارضة وآراء “يسارية”. وتم العثور بسرعة على الشخص الذي سيقود “مطاردة السحرة”، وهو سيناتور غير معروف من ولاية ويسكونسن، إسمه جوزيف مكارثي.
أدرك جوزيف مكارثي أن مشاة البحرية المخضرمين لديهم فرصة أفضل للنجاح في المستقبل. لذا إنضم إلى سلاح مشاة البحرية الأمريكية في عام 1942. ثم قام بتعديل سيرة حياته العسكرية قليلاً،

هاري ترومان
فمن المعروف أنه خلال الحرب قام بـ 12 مهمة قتالية كمراقب مدفعي، لكن هذا الرقم لم يمنحه الحق في الحصول على صليب الاستحقاق الطائر، لذلك جرى تزوير الرقم من 12 إلى 32. وجرت مناقشات مستمرة حول إصابة مكارثي بـ “جرح قتالي” زعم أنه تلقاه في الجو خلال هجوم بالمدافع المضادة للطائرات. ولكن في الواقع، فهو أصيب على متن سفينة خلال حفل للبحارة عند عبورهم خط الاستواء لأول مرة.
وإستمر مكارثي في عملية الفبركة والتزوير. وعلى وجه الخصوص، في التاسع من شباط عام 1950، أعلن في خطابه التاريخي في بلدة ويلنغ إن: “وزارة الخارجية تعج بالشيوعيين، ولدي قائمة من 205 أسماء “. وعندما تم تسجيل الخطاب في الدقائق اللاحقة، تحول هذا الرقم إلى 57. لقد أصاب أمريكا موجة من الذعر: فحتى في وزارة الخارجية هناك أعداء! علاوة على ذلك، تضمنت قائمة مكارثي حتى اسم بطل الحرب ومؤلف خطة إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب وإنقاذها من الشيوعيين - الجنرال جورج مارشال. حسناً، هذا الجنرال أيضاً تحول إلى خائن!
وبدأت تحقيقات الدولة بأكملها لمتابعة الأنشطة المعادية لأمريكا من قبل مواطنيها.

عشرية هوليوود
أصبحت لجنة مجلس الشيوخ للعمليات الحكومية ولجنة مجلس النواب للأنشطة المعادية لأمريكا سلاح الانتقام من المعارضة. ونتيجة عملهم في الأشهر الأولى، تم طرد 800 موظف من جهاز الدولة، وترك الخدمة 600 آخرين بإرادتهم، ووقف 140 شخصاً في قفص الاتهام.
على الرغم من أن الحزب الشيوعي الأمريكي لم يكن كبيراً، إلا أن عضويته إزدادت إلى 50 ألف عضو خلال سنوات الحرب. وإنخرط العديد من ممثلي المثقفين المبدعين في الحزب، مما أثار الرعب لدى الإدارة الأمريكية. بالنسبة لهم، وجرى على الفور ملاحقة الفنانين والصحفيين والمحامين وأساتذة الجامعات بعد الشروع بملاحقة الموظفين. وبدأت عمليات “التطهير” في إذاعة صوت أمريكا. وتم فصل الأساتذة التقدميين في الجامعات. والتهمت النيران “الأدب التخريبي” في جميع أنحاء البلاد. وتم سحب 30 ألف كتاب من المكتبات.
تأسس الحزب الشيوعي الأمريكي في عام 1919. وفي عام 1947، وصل عمل لجنة التحقيق في الأنشطة المعادية لأمريكا إلى هوليوود. وقال رئيس نقابة ممثلي الشاشة والرئيس المقبل للولايات المتحدة، رونالد ريغان، إن الشيوعيين يشكلون تهديداً خطيراً للسينما الأمريكية. وذكر والت ديزني كيف قام الشيوعيون في عام 1937 بتمويل إضراب في الاستوديو الخاص به.
ضمت قائمة أولئك الذين اضطروا إلى الإدلاء بشهاداتهم حول المشاركة في الحزب الشيوعي 43 مخرجاً، واستناداً إلى التعديل الأول للدستور (الذي بموجبه لا يمكن للكونغرس الأمريكي التعدي على حرية التعبير والصحافة والتجمع)، رفض 19 منهم الإدلاء بشهادته. ثم تم استدعاء 11 منهم لجلسات استماع عامة. واحد منهم كان بيرتولد بريخت (الذي انتقل إلى الولايات المتحدة من ألمانيا النازية في عام 1941)، قال إنه لم يكن شيوعياً قط، وبعد ذلك غادر أمريكا على الفور وبدأ في طلب اللجوء ... في ألمانيا الشرقية. واتهم الأشخاص العشرة الباقون بـ “ازدراء الكونغرس” وحُكم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى عام.
بعد ذلك في هوليوود، تم وضع قائمة سوداء بهؤلاء المخرجين العشرة، والتي تم توسيعها لاحقاً. ففي عام 1960، تمت إضافة أسماء جديدة إليها، لكنها كانت لا تزال تسمى “عشرية هوليوود”. وتم منع أولئك المدرجين في القائمة من الانخراط في أنشطة مهنية.
لم يكن كل شخص مستعداً للوقوف بوجه اللجنة: وذكر الممثل لاري باركس أسماء زملائه المشتبه في تعاطفهم مع الشيوعيين، ولكن ظل أسمه مدرجاً على القائمة السوداء. بعد ذلك، بدأت حياته المهنية في التدهور. غادر تشارلي شابلن مع عائلته إلى إنجلترا، وعندما أراد العودة، اكتشف أنه تم الاعتراف به على أنه غير موثوق به وحُرم من حق دخول الولايات المتحدة.
وللسخرية من لجنة الأنشطة المعادية لأمريكا، كان تشارلي شابلن يعتزم الظهور في الجلسة مرتدياً زي الصعلوك. لهذا السبب، ألغت اللجنة الدعوة له.
في عام 1954، صدر في أمريكا قانون مراقبة الشيوعيين 1954. وقد حرم هذا القانون الشيوعيين من حق الترشيح للانتخابات، والعمل في الخدمة المدنية، والعمل في المصانع العسكرية، والحصول على جواز سفر.
وبالإضافة إلى ذلك، تم تشريع قانون يتضمن 14 علامة لتحديد خصوصية الشيوعيين أو التعاطف معهم. وتمت صياغة المعايير بشكل غامض. في عام 1950، وقع 2.5 مليون أمريكي على عريضة تحظر الأسلحة النووية، وفي عام 1954 خضعوا جميعاً لهذا القانون.
حتى الرئيس أيزنهاور كان خائفاً من الدخول في صراع مع مكارثي:”لا أريد أن أغرق في سلة قمامة مع هذا الرجل”. ولذا في ظل حكمه، ازدهرت المكارثية، الموجهة ليس فقط ضد الحمر، ولكن بالفعل ضد الأزرق، وفي موجة عارمة تم طرد كل من يعارض الحكم من العمل بشكل كبير.
بدأ تراجع مكارثي فقط في عام 1954، عندما ظهر أمام الأمريكان لأول مرة على شاشة التلفزيون في بث مباشر لجلسة استماع في الكونجرس للمشتبه بهم. عندها فقط أدرك الناس إن ما كان يحدث في بلدهم مجرد كابوس.
إن مكارثي نفسه، بصفته مدمناً على الكحول، لم يتردد في الحضور إلى مكتبه وهو في حالة سكر. وتوفي بسبب التهاب الكبد في عام 1957 عن عمر يناهز 48 عاماً

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل