قد لا يكون لاغتيال محسن فخري زاده تأثير كبير على البرنامج النووي الإيراني الذي ساعد في بنائه، لكنه بالتأكيد سيجعل من الصعب إنقاذ الصفقة التي تهدف إلى تقييد هذا البرنامج، وهذا هو - حتى الآن - الدافع الأكثر منطقية للاغتيال. من المتفق عليه على نطاق واسع أن إسرائيل هي الجاني المحتمل. وبحسب ما ورد، كان الموساد وراء سلسلة من الاغتيالات لعلماء نوويين إيرانيين آخرين - وقد ألمح مسؤولون إسرائيليون أحياناً إلى أنها أخبار صحيحة. إن مقتل العالم الإيراني هو الأحدث في سلسلة طويلة من الهجمات التي ألقي باللوم في تنفيذها على إسرائيل. وفقاً لمسؤولين سابقين، اتجهت إدارة أوباما صوب إسرائيل لوقف تلك الاغتيالات في عام 2013، عندما بدأت المحادثات مع طهران والتي أدت بعد ذلك بعامين إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والتي قبلت بموجبها إيران القيود المفروضة على أنشطتها النووية في مقابل تخفيف العقوبات.

سيكون تخميناً معقولاً أن جو بايدن سيعارض أيضاً مثل هذه الاغتيالات عندما يتولى منصبه في 20 كانون الثاني. وسيحاول إعادة تشكيل خطة العمل الشاملة المشتركة، التي تُركت جريحة ولكنها على قيد الحياة في أعقاب انسحاب دونالد ترامب من الاتفاقية في عام 2018. وإذا كان الموساد بالفعل وراء عملية الاغتيال، فقد كانت أمام إسرائيل الفرصة الأخيرة في تنفيذها بضوء أخضر من الرئيس الأمريكي. ويبدو أن ليس هناك أدنى شك في أن ترامب يسعى للعب دور المفسد في الأسابيع الأخيرة في منصبه. وقد أعطي الضوء الأخضر، إن لم تكن المساعدة النشطة في تنفيذها. وبحسب ما ورد، فقد طلب ترامب من مشاوريه الخيارات العسكرية في إيران، في أعقاب هزيمته في الانتخابات.

أعتقد أنه كان على الإسرائيليين الحصول على الضوء الأخضر من واشنطن قبل الإقدام على تنفيذ هذه العملية. وتؤكد دينا اسفندياري، الزميلة في مؤسسة القرن:" لا أعتقد أنهم سيفعلون ذلك بدون موافقته. أما فيما يتعلق بالدوافع، فإنني أعتقد أنه مجرد دفع إيران للقيام بشيء غبي لضمان تقييد أيدي إدارة بايدن عندما يتولى المسؤولية لمتابعة المفاوضات ووقف التصعيد".

وعلامة على ذلك فإن اغتيال محسن فخري زاده سيخدم غايات أخرى، وإن كان أقل تأثيراً. فعندما كتبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) تقييمها النهائي للجانب العسكري في البرنامج الإيراني، كان محسن فخري زاده العالم الوحيد المذكور بالاسم، باعتباره العقل المدبر وراء " خطة آماد" لتطوير القدرة على الأقل لبناء القنبلة.

ووجدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن "خطة آماد" انتهت في عام 2003، لكن محسن فخري زاده ظل في مركز شبكة من العلماء ذوي المعرفة والخبرة في مجال الأسلحة النووية. واستمر هذا العمل بعد عام 2003 باعتباره "جهداً منسقًا".

لقد شبه أريان طباطبائي، زميل الشرق الأوسط في صندوق مارشال الألماني ومؤلف كتاب عن استراتيجية الأمن القومي الإيراني، اغتيال فخري زاده باغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني اللواء في الحرس الثوري في بداية العام.

وقال طباطبائي: "تقارن مكانة فخري زاده كانت بالنسبة لبرنامج إيران النووي بما كانت عليه مكانة سليماني بالنسبة لشبكة وكلائها". لقد كان لفخري زاده دور فعال في تطوير البرنامج النووي وإنشاء بنية تحتية لدعمها، وضمان أن موته لن يغير بشكل أساسي مسار البرنامج النووي الإيراني.

ويتفق إيلي جيرانمايه، الزميل السياسي البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، على هذه المقارنة، قائلاً من غير المرجع إن يكون لاغتياله تأثير عميق على قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية، فيما لو اتخذت طهران القرار بالقيام بذلك.

وقال جيرانمايه: "في الوقت الذي يُعتقد أن فخري زاده لعب دوراً حاسماً في تطوير الأنشطة النووية الإيرانية، فإن البرنامج ليس مديناً بشخص واحد - تماماً كما هو حال الحرس الثوري الإيراني في حالة اغتيال سليماني".

إذا كان هذا هو الهدف بالفعل، فهل سينجح؟ حتى الآن، كانت إيران تحسب الحساب في ردود أفعالها، سواء عند مقتل سليماني أو تجاه موجات العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في أعقاب انسحاب خطة العمل الشاملة المشتركة.

لكن هل تستطيع طهران الاستمرار في ضبط أعصابها؟ فالضربة الانتقامية تجعل من الصعب على إدارة بايدن التفاوض بشأن الخطوات المعقدة التي يتعين على الولايات المتحدة وإيران اتخاذها للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، والشروع بمباحثات حول قضايا أخرى. وقد لا يكون مقتل فخري زاده هي الضربة الأخيرة التي توجه إلى إيران خلال الأيام الأخيرة من عهد ترامب.

يشير إسفندياري إن: "المشكلة هي أنك إذا واصلت الضغط على أزرارهم، فهل ستنجح في النهاية. لا أعرف ما إذا كان ذلك هو الطريق المناسب، ولكن بالتأكيد إن الدعوة لرد الفعل في طهران ستتصاعد عند الطيف السياسي، وقد بدأ المتشددون بذلك بالفعل. وسيصبح من الصعب على الإيرانيين التصرف بضبط الأعصاب".

رفض دونالد ترامب التنازل

يغامر دونالد ترامب بتعريض عملية انتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب جو بايدن للخطر، وإلى نائب الرئيس المنتخب كامالا هاريس، وجميع أولئك الذين يؤمنون بالعدالة. ويمكن أن تتعطل الجهود المبذولة لاتخاذ إجراءات سريعة بشأن الوباء المتصاعد وأزمة المناخ وحالة الطوارئ الخاصة بالمهاجرين في أمريكا الوسطى. لقد تم بالفعل التخلص من اتهامات ترامب الكاذبة بتزوير الناخبين، ويبدو أنها تقوض أسس الديمقراطية ذاتها.

* صحيفة الغارديان اللندنية

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل