أجرى المركز الإعلامي للحزب الشيوعي العراقي، لقاءً خاصاً مع الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب، عشية حلول الذكرى الـ 87 لميلاد الحزب، بُثّ مساء السبت 27 آذار الجاري على صفحة الحزب الرسمية على “فيسبوك”. وأدار اللقاء الرفيق علي صاحب، عضو اللجنة المركزية للحزب.

في بداية اللقاء تحدث الرفيق فهمي عن مغزى 31 اذار 1934 بالنسبة للشيوعيين والوطنيين العراقيين قائلا:

نواصل النضال اليوم متحدين الصعاب بإصرار وعزيمة شيوعية. الشيوعيون ينسجون خيوط الامل، دفاعا عن حقوق شعبنا وجماهيره الكادحة، شغيلة اليد والفكر، وهم بذلك أوفياء وأمناء لرسالة الحزب ولمناضليه وشهدائه. انهم، وعلى مدى 87 عاما، ضحوا وقدموا اغلى التضحيات بالروح، ودخلوا السجون والمعتقلات وتعرضوا لشتى اشكال الملاحقة والاضطهاد دفاعا عن المبادئ السامية للحزب ومثله. وفي هذه المناسبة نتوجه بالتحية والاعتزاز، ونذكر باعتزاز شهداء الحزب ونشيد بمواقفهم الملهمة، شهداء الحزب من قياداته وكوادره، فهد وسلام عادل ورفاقهما. كذلك شهداء الانتفاضة وشهداء الحركة الوطنية العراقية. 

 مشروعية الدولة لا تختزلبالعملية الانتخابية 

المركز: المشهد في العراق معقد، الحزب وفي الذكرى الـ 87 لتأسيسه، كيف يراه؟

رائد فهمي: عيد الحزب هو ليس مناسبة احتفالية، يحتفل الشيوعيون فيها، فقط بل كل الوطنيين، والذكرى تتجاوز حدود الشيوعيين. إنها مناسبة أيضا للوقوف عند مسيرة الحزب وعند الأوضاع السياسية المحيطة بعمله. وهي مناسبة للمراجعة واستخلاص، قدر الإمكان، الدروس الايجابية والسلبية من خلال هذه الفعاليات المختلفة التي يقوم بها الحزب. 

 الظروف اليوم والكل يتفق ـ ولسنا وحدنا كقوى ناضلت من اجل الوطن وانما حتى المراقبين الدوليين ـ على ان العراق على مفترق طرق، خلال  السنوات السابقة،  سواء في الظروف الصعبة في ظل النظام الدكتاتوري السابق ولاحقا بعد العام 2003. 

 وبعد التغيير تعقدت الاوضاع وشهد العراق مسارات أدت الى دخوله في سلسلة من الازمات التي تحولت الى مشاكل وأزمات بنيوية. لماذا نقول ازمات بنيوية؟ البلد اليوم يعيش اقتصادا ريعيا بامتياز، ويعتمد على النفط فقط. وعندما يعتمد البلد على الريع فقط، تكون هناك تداعيات ونتائج من ضمنها ان يشتد النزاع ما بين القوى المتنفذة على تقاسم الريع، وهذه القوى المتنفذة قد تكون من نفس الطيف، وايضا قد يكون صراع بين الاطياف على هذا الريع النفطي. وهذا يؤدي ايضا الى سوء استخدام الاموال التي تدخل للبلد من ايرادات نفطية، فبدل أن تذهب الى التنمية وبناء القدرات الانتاجية، والى تطوير الخدمات، يستحوذ عليها فئويا وشخصيا من خلال بناء ثروات كبيرة جدا. هذا من شأنه ان يؤدي الى زيادة الفوارق الاجتماعية حيث في العراق  ثراء فاحش مقابل فقر مدقع. اليوم نلاحظ الفوارق ليس فقط على مستوى الافراد والفئات الاجتماعية، انما هناك أيضا فوارق ما بين المناطق والمحافظات، وهذا يؤدي الى تفكك النسيج والتماسك المجتمعي، وكذلك الصراعات بين النخب الماسكة بالسلطة. وهذا يجد تأثيره في  الدولة، فبدل ان يتم بناؤها وتكون قادرة على التغيير، وان ترسم برامج ورؤى، هذه الدولة تكون ميدان صراع مستمر وتشظٍ متزايد، وهذا يقود الى تداعيات اخرى على مستوى الاداء، ومستوى شرعية ومشروعية الدولة؛ فمشروعية الدولة ليست فقط من خلال العمليات الانتخابية انما من خلال ما تقدمه من خدمات للمواطنين.

هذا النمط من البناء والادارة الاقتصادية، وهذا (النموذج)، لم يعد، اليوم، قادرا او باستطاعته ان يستمر في هذا النهج. الكثير من الموارد استنزفت، والانتفاضة الباسلة كشفت الكثير من الامور، البطالة وغياب الخدمات والفجوة الكبيرة ما بين الذين يملكون والذين لا يملكون. كذلك  

 الفساد اصبح عقبة في طريق اي نمو، البناء السياسي في البلد والمؤسسات الغائبة.. كل هذه اصبحت حالة بالغة الهشاشة، لذلك نقول ان التغيير اصبح ضرورة ملحة ومفترق طرق. ما لم يحدث التغيير فسيظل البلد يسير تحت رحمة نفس النهج المدمر، نهج المحاصصة والفساد، ونهج التفريط بموارد البلد. وهذا يؤدي الى معاناة بالغة الخطورة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وبالتالي ففي ظل هذه الاوضاع، يرسم حزبنا سياساته وتوجهاته ويحدد المهام الملحة والتحديات التي أمامه وأمام الوطن.

لا يمكن للانتخابات أن تحقق تغييرا منشودا بينما السلاح “يصوب ويجول” 

المركز: هل من الممكن ان تكون الانتخابات المبكرة مفتاحا أو طريقا لعملية التغيير؟ وهذه الانتخابات على وفق اية شروط يجب أن تجرى حتى تكون رافعة لعملية التغيير؟

رائد فهمي: أمام هذا الزخم والتراكم من التناقضات والنزاعات، ومن الفجوة المتزايدة ما بين السواد الاعظم من المجتمع، وبين الفئات المتنفذة، نلاحظ كيف تنعكس على شكل احتجاجات مستمرة، وبدل ان تقابل بالحلول، تقابل بالحديد والنار. ورغم اعداد الضحايا والشهداء الذين قدمتهم الانتفاضة، فهي كانت قادرة على فرض جزء من اهدافها، فرضته على المنظومة السياسية الحاكمة، من خلال اولا الانتخابات المبكرة، فضلا عن تغيير الحكومة. وأكدت قوى الانتفاضة أن طريق الانتخابات ينبغي ان يكون فاتحة للتغيير المطلوب. الانتخابات بحد ذاتها هي خطوة تفتح الطريق لتحولات وتغيير، وليس كل التغيير، ولكن هذا ايضا مشروط بجملة من الأمور. اذا قلنا هل هناك رأي عام شعبي؟ هل هناك ارادة شعبية للتغيير؟ هل هذه الارادة الشعبية لو أتيح لها ان تعبر عن نفسها بأمانة وبصدق وشفافية وعدالة هل ممكن ان تنعكس على نتائج الانتخابات؟ كل مراقب موضوعي يقول ان هذه الامور تكاد تكون محسومة في ضوء ما شهدناه على الاقل في السنتين الاخيرة، لكن المشكلة تكمن في ان الانتخابات يجب ان تلعب هذا الدور وتكون رافعة للتغيير وتكون فاتحة لمسلسل التغيير السلمي والدستوري، والذي يأخذ البلد نحو التغيير وشاطئ الامان وتقليص حجم الخسائر وبصورة سليمة، واقرب ما يكون الى حقوق المواطن. ان هذا يتطلب ان تكون الانتخابات حرة نزيهة وفق قانون ومنظومة انتخابية عادلة ومنصفة وايضا مستقلة. واليوم كما يتابع الجميع ان كل هذه هي ميادين صراع ابتداءً من موعد  الانتخابات. البعض من القوى السياسية لاسباب مختلفة لا تريد للانتخابات ان تتحقق وتتستر بشعارات ومبررات مختلفة. وايضا الاليات هي موضوع تجاذبات والقانون نفسه فيه عيوب كثيرة وبدأت بالظهور، فقسم من هذه العيوب على صعيد التنفيذ، وتوجد جملة  من الامور المعقدة وصعبة التحقيق، بحيث تكون تداعياتها على حساب سحب ومصادرة حق فئات اجتماعية كبيرة في المجتمع العراقي في التصويت، وحرمانها من حقها في خوض الانتخابات، كانتخابات الخارج؛ اذ بدأ الان الحديث عن موضوع الغاء انتخابات الخارج لاسباب فنية. القانون ينص على جملة من التغييرات، والمفوضية تدعي انها غير قادرة على التنفيذ، وبالتالي يصادر حق مليوني عراقي او اكثر من الادلاء بصوتهم، وهذا خلافا للدستور والقانون، وكذلك من غير المعقول ان تجرى الانتخابات والسلاح الان خارج الدولة يصول ويجول في البلد، وكل يوم نشهد امثلة عديدة على ذلك سواء عمليات الاغتيال ام الاختطاف ام الترويع، وعمليات تغول السلاح على الدولة بصورة استفزازية، محاولا اسقاط اي هيبة للدولة.  نعم في ظل هذه الظروف يصعب على الانتخابات ان تحقق الهدف المطلوب. مهمة الدولة ان تعدل هذه الاوضاع، وخلاف ذلك قد تكون النتائج مفتوحة الاحتمالات.

 نتطلع الى تغيير يبعد الدولة عن التشظي والمحاصصة والصراعات 

المركز: هل يرهن الحزب مشاركته الانتخابية بتحقيق هذه المستلزمات؟

رائد فهمي: الهدف الرئيسي الذي يعمل عليه الحزب ويعكس الحاجة الملحة للبلاد هو التغيير، والتغيير نقصد به التغيير الذي يجد حلولا للمعضلات الجسيمة التي يواجهها البلد. نحن نتحدث عن تغيير في واقع البلاد، وان يستفيد ويستثمر من اموال النفط لجهة تحقيق متطلبات التنمية،  وان يدفع بالدولة من دولة متشظية وتقوم على المحاصصة والصراعات ما بين الذين يدعون انهم ممثلو الاطياف المختلفة الى دولة المواطنة، والدولة المدنية التي تعمل على برامج وخطط عمل، تحقق درجة عالية من العدالة الاجتماعية، وتفتح الطريق نحو تنمية حقيقية تعزز التنوع في الاقتصاد العراقي وازدهار الصناعة والزراعة، وتخلق فرص عمل كبيرة، وتعمل على  تطوير علاقاتها الدولية والاقليمية. 

وتعاملنا مع الانتخابات له صلة بأية درجة تكون رافعة وفاتحة لتحقيق هذه القضايا. اذا كانت الامور تسير عكس هذا، وتصبح الانتخابات مجرد صيغة لاعادة انتاج نفس المنظومة المسؤولة عن كل ما جرى في البلاد، وهذا عمليا معناه ان مشاكل البلد باقية، وكل المطالب المشروعة للمواطنين غير مستجابة، فمن المنطقي ان عوامل الاحتجاج باقية وتتصاعد. اليوم نشهد تصاعد الاحتجاج، وان عوامل تجدد الانتفاضة قائمة. 

عندما نقترب من موعد الانتخابات وكل هذه الاجواء تكون محتقنة بهذا الشكل، فبالتأكيد في ذلك الوقت ستبرز اوضاع مستجدة، لا بد للحزب ان  يتوقف عندها.  لنكن واضحين اذا كانت الانتخابات مجرد وسيلة لمصادرة صوت الناخب واستخدام المال السياسي واشكال مختلفة من التزوير،  واللجوء الى السلاح للتخويف والترويع، في ذلك الوقت بالتأكيد سنراجع الموقف.  نوجه رسالة تنبيه الى القوى السياسية كافة ونقول لهم: في حالة دفعكم البلد الى انسدادات  وعدم حصول التغيير بالطرق الديمقراطية، فعليكم تحمل مسؤولية المآلات والأوضاع التي ستتبع ذلك. فالشعوب لا تقف ساكنة والمجتمعات عندما تنغلق أمامها أبواب التطور والحلول السلمية والديمقراطية عندئذ تتولد أرضية قوية لاشكال اخرى، وقد يؤدي ذلك الى انفجارات  اجتماعية، تكون غير محكومة، ربما، بضوابط معينة. وقد تخرج عن سلميتها، والقوى الأخرى المعارضة للحراك ستستفيد منها. اذن قضية الانتخابات ليست جزئية، ويجب ان يكون المسؤولون  السياسيون  واعين لذلك، وطبعا الدولة بدرجة خاصة.

 استجابة الحكومة لمطالب المحتجين كانت ضعيفة 

المركز: كيف يقيّم الحزب عمل الحكومة، وقد مضى على تشكليها سنة كاملة، وعليها  مجموعة من الالتزامات، بينما هي لم تحقق ما وعدت به، إلا تحديد موعد الانتخابات. ما موقفكم منها؟

رائد فهمي: هذه الحكومة لم تكن لتأتي بهذه الصيغة لولا الانتفاضة والكل يقرّ بذلك. ان الانتفاضة والتطورات اللاحقة  هي التي فرضت على القوى المتنفذة الماسكة بزمام الامور ان تقبل بشخصية السيد الكاظمي وبتغيير الحكومة السابقة، وايضا تقبل بالبرنامج الحكومي الذي جاء به الكاظمي، والذي يتضمن مجموعة من المطالب التي اكدت عليها الانتفاضة، مثل محاسبة قتلة المتظاهرين ومحاربة الفساد بشكل جذري، وكذلك حصر السلاح بيد الدولة ومعالجة مشكلة السلاح المنفلت، والحكومة جاءت وثبتت هذه الالتزامات. وبعد مضي شهور عدة على تشكيلها، نرى أن ما تحقق على مختلف المسارات هو محدود جدا. بل ان مفاصل رئيسية لم تتغير، وخاصة مسألة التعامل مع المتظاهرين والمحتجين وقضية مكافحة الفساد، وكشف قتلة المتظاهرين وايضا هناك ضحايا جدد، سقطوا من المتظاهرين في الاشهر التي مضت. كذلك حالات اختطاف من قبل جماعات مسلحة بعناوين مختلفة، لا تزال تروع المواطنين، وبشكل خاص المحتجين. والبعض اضطر لأنْ يترك بغداد ومدنا أخرى، ويلجأ الى أماكن أخرى خشية من الملاحقات .

واما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي فنرى ان الاوضاع المعيشية صعبة. اليوم التضخم مرتفع وتغيير سعر صرف الدينار أدى الى مضاعفة المعاناة، وخفض القدرة الشرائية، والتي هي بالأساس ضعيفة، لكنها انخفضت اكثر وخاصة عند الشرائح الفقيرة والضعيفة الدخل، التي تعتمد على العمل اليومي. يمكن القول هناك تضافر ما بين الاوضاع المالية الصعبة وما بين جائحة كورونا. أقدمت الحكومة على اتخاذ اجراءات لمكافحة كورونا، لكن كان لها انعكاسات كبيرة على الشرائح التي تعتمد على العمل اليومي. على صعيد البطالة فهي مرتفعة، وما زال الخريجون والشباب يفترشون الطرقات والشارع معتصمين، مطالبين بحقهم المشروع بإيجاد فرص عمل. ونلاحظ أيضا أن الفساد رغم الاجراءات التي اتخذتها لجنة مكافحة الفساد، الا انه لا يزال متفشيا، وفيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، فالكل شهود على وجود الجماعات المسلحة المستمر في الشوارع.

 حصيلة العمل الحكومي لم تكن مشجعة

المركز: رئيس الوزراء صرّح وتحدّث بأنه وحكومته بحاجة الى فرصة؟

رائد فهمي: إذا أراد رئيس الوزراء ان يحظى بالدعم الشعبي الكبير لمواجهة الضغط من القوى المتنفذة، فعليه أن يمضي قدما على الاقل في تنفيذ برنامجه الحكومي، وبخطوات ثابتة ومحسوبة، باتجاه اعطاء رسائل واضحة للمواطن بأنه جاد في الذهاب قدما، وانه لا يستجب لهذه الضغوطات دون ان نطالبه بأن يدخل بمواجهات خطيرة، وربما ليست خطيرة عليه فقط بل على البلد ككل. الحصيلة غير مشجعة، والصورة العامة التي تولدت زعزعت الوعود التي اطلقت. يمكن تفهم أن هناك مصاعب حقيقية، لكنها لم تكن مفاجأة، فهناك علم بان هذا الطريق وعر ومحفوف بالمخاطر، ولكن هذا الطريق لا بديل عنه. التغييرات المطلوبة التي نتحدث عنها هي الطريق لاخراج البلاد من ازماته والذهاب به الى بر الامان عن طريق إقامة دولة ذات طابع مدني، بعيدة عن المحاصصة. الان اي قوة سياسية ومجتمعية ومؤسسية تعمل على السير باتجاه تأمين بعض متطلبات التغيير لا يجوز التفريط بها، لكن في الوقت ذاته لا يمكن المراهنة كليا على نهج فيه نوع من التردد، ونوع من المساومات في ظل ظرف اي مساومة قد تكون اثارها الاستراتيجية بعيدة. في الوقت الحاضر، أي خطوة تذهب بالاتجاه السليم، نحن داعمين لها، بعيدا عن اية حسابات خاصة، لكن ايضا نكون ناقدين، ونقدنا ليس لاجل التهديم او الاحراج، ولكن نقدنا يتضمن مقترحات وبإرادة مخلصة لدفع الامور بالاتجاه السليم.

 منفتحون على الفضاءين المدني الديمقراطي والوطني

المركز: الحزب منذ المؤتمر الوطني العاشر كان يدعو الى تحالفات واسعة واصطفافات شعبية للمتضررين من هذه المنظومة. ما هي الخطوات التي تحققت في الفترة الاخيرة لتوحيد القوى المدنية والديمقراطية؟ ما هي تلك الجهود وأين وصلت؟ هل سيكون تحالفا انتخابيا مدنيا ام هو أبعد من تحالف انتخابي ويكون تحالفا سياسيا؟

رائد فهمي: لإنجاز عمليات التغيير سواء في ميدان الدولة ام عملية التغيير الاجتماعي، لا يمكن الاستغناء عن التحالفات السياسية. والتحالفات السياسية انواع ومستويات، قد تكون هناك ائتلافات لهدف تكتيكي معين. قد تكون ائتلافات انتخابية لغرض معين او قد تكون ائتلافات وتحالفات سياسية طويلة الأمد. هذه التحالفات يفترض انها تستند الى تحالفات اجتماعية بمعنى هناك قوى وطبقات اجتماعية لها مصلحة بالتغيير المنشود. في بلدنا البنية الاجتماعية لا تزال في حالة حراك، والمشهد السياسي متشظٍ على اساس الهويات، وليس على أساس تمثيل المصالح الواضحة المعالم. البلد لا بدّ أن يحدث فيه التغيير وبوجهة نظرنا التغيير لا بد ان يسير باتجاه دولة مدنية وديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي لان مجتمعنا اليوم يعاني من غياب العدالة الاجتماعية: فوارق وفقر وتمايز وغياب خدمات. بالتالي ولأجل أن تتحقق هذه الاصلاحات على المستوى الاجتماعي، لا بدّ ان يكون الاطار السياسي مناسبا لاجل ان تفتح باب التغيير. اليوم نقول ان نضالنا لا بد ان يسير باتجاه التغيير السياسي نحو دولة مدنية، نحن الان نعمل بثبات من اجل ايجاد الأطر السياسية المرنة القادرة على استيعاب اكبر عدد ممكن من القوى التي لها مصلحة في النضال المدني والديمقراطي.

انتخابيا، نحن باتجاه تعزيز التحالف المدني الديمقراطي، وهذا التحالف ليس منغلقا على نفسه، هو منفتح على قوى أخرى عديدة ممكن ان تكون هناك مشتركات معه. وعملية بناء عملنا الموحد قد يأخذ وقتا، وتتطلب جهدا مستمرا، لا بد ان يتجسد في ممارسات ومبادرات مشتركة. ويبقى التغيير هو الهدف.

قوى تشرين من خلال عملهم، هم جزء من هذا التحالف المنشود. هل سننجح في ترجمة هذه الارضية المشتركة الموجودة الى صيغة تعاون وتنسيق، وصولا الى التحالف السياسي؟ فيما يتعلق بنا نحن راغبون في ذلك. اما هذه الحركات فجزء كبير منها يتحول الى احزاب سياسية والقسم الاخر يتخذ شكل حركات مختلفة، قد لا تأخذ شكل احزاب سياسية. نحن نتواصل الان مع من يرغب في التواصل. وهناك تواصل مع قسم منهم.

علينا أن نترجم هذه الرؤية المشتركة الى افعال، فهي التي ستوفر مرتكزات قوية للعمل المشترك والاصطفاف السياسي المنشود.

لاحظنا في اثناء الانتفاضة كيف اضطرت القوى المتنفذة الى تقديم تنازلات، ولاحقا تراجعت وتنصلت من وعودها. لكن الانتفاضة اثبتت ان الشعب عندما يتوحد يكون قوة تقهر القوى المتنفذة كافة. اليوم ايضا، رغم ان الانتفاضة تراجعت عن 2019 و2020،  نلاحظ ان القوى المدنية والديمقراطية عندما تتوحد على موقف، وتعبر عنه بصورة مشتركة يكون وزنها السياسي اكبر بكثير مما البعض يلخصه ويختزله بوزنها البرلماني. هذه القوى مؤثرة في المجتمع، والعمل التراكمي هو الذي يعزز الثقة ويحقق الاستدامة لهذا الزخم الذي نأمل على تعظيمه من أجل تغيير موازين القوى.

 الدولة ستبقى مترهلة والفساد مستشرٍ فيها في ظل البنية المكوناتية المتشظية

المركز: الحزب في اكثر من مكان ومناسبة طرح ملامح مشروع التغيير. هل هناك اخرون لديهم مشتركات مع هذه الملامح؟ هل تتبنى القوى المدنية الاخرى هذا المشروع، وبالتالي نحن نمشي في طريق واحد، ام هناك تقديرات أخرى لها في مشروع التغيير؟

رائد فهمي: على المستوى البرنامجي، فان مساحة المشتركات كبيرة جدا. هناك اجماع على ان نذهب باتجاه دولة مواطنة. نحن نقول بدولة مواطنة تحترم الاديان والعبادات، وتحترم حقوق كل مواطن في ممارسة عباداته وطقوسه، ولكن ينبغي ان يكون هناك فرق ما بين الدولة وبنائها عن الحيز الديني. هناك ايضا قناعة مشتركة بان البلد لا يمكن ان يستمر على هذا الاعتماد المتزايد على الريع النفطي، وعلى المورد الواحد، وينبغي ان نذهب باتجاه التنمية وتنويع القاعدة الاقتصادية، وهذا يتطلب تبني سياسات اقتصادية تنموية، وايضا يتطلب مجموعة من الاصلاحات الجذرية في بناء الدولة، لنتخلص من البنية المكوناتية المتشظية والقائمة على المحاصصة، والتي لم تجلب الا الفساد والفشل في الاداء، والهدر الهائل للاموال. اذن، الحديث عن الدولة واعتبارها شرا مطلقا هو شيء خاطئ، لكن أيضا الدولة مترهلة والفساد مستشري فيها، ولا تعتمد على عناصر الكفاءة والنزاهة، وغير قادرة على بلورة رؤية مشتركة.  

نحن نتحدث عن اصلاح حقيقي وجوهري في بناء الدولة وهذه ايضا من المشتركات. عندما نتحدث عن دولة وقد تحقق فيها الاصلاح ممكن ان تلعب دورا اقتصاديا إيجابيا داعما لعملية التنمية، وتكون قادرة على خلق فضاءات واسعة لانتعاش القطاع الخاص بصورة اكثر تكاملا، وفي بعض الاحيان تنافسية. والامر كذلك مع الرأسمال الاجنبي؛ ففي ظل هذه البيئة التي تفتقر الى الأمان والنزاهة ويتفشى فيها الفساد والبيروقراطية الكبيرة وغيرها من الظروف، فان البلد اليوم لا يوفر اي بيئة مناسبة للاستثمار، مهما قدم للمستثمر الاجنبي من اغراءات. وهذه التجربة تأكدت على مدى سنوات، الاستثمار الخارجي ضعيف جدا، وعمليا محصور بالقطاع النفطي وبعض القطاعات العقارية. اما في عملية بناء البنى التحتية والمؤسسات الانتاجية فالجميع عازف عن هذا الموضوع، وبالتالي موارد الدولة عمليا تذهب باتجاه الرواتب والاجور، ولا يبقى منها شيء لاجل الاستثمار. 

الوضع غير قابل للاستدامة ما لم يحدث التغيير، وما لم تنشأ مؤسسات دولة قادرة على ان تنهض وتعتمد سياسات اقتصادية تنموية. هذه كلها ارضية مشتركة واسعة جدا، لكن اين تبرز المشاكل؟ المشاكل تبرز في العنصر الذاتي. ربما في التجارب هناك ما يخص العلاقة ما بين الكثير من المكونات واطراف القوى السياسية المدنية، وجوانب مثل التنازع على الزعامات اذا جاز التعبير. اليوم يتوجب ان نكون قادرين على التغلب على هذه الامور، سيما وان البلد  يعيش هذه المحنة، وهذا التردي المتسارع، ونشاهد ملايين الناس في الفقر والفقر المدقع،  والتقديرات تشير الى وجود اكثر من 10 ملايين عراقي اليوم تحت خط الفقر.

هذه العوامل جميعها من المفترض ان تحدث تقاربا بين القوى المدنية، وايضا تشاركنا فيها  قوى ليست مدنية. الكل عليه ان يعي المخاطر المحدقة وجسامتها، وبالتالي هناك مساحة لائتلافات وطنية ايضا، لكن القوى المدنية وبالمواصفات التي تحدثنا عنها تكون هي العنصر المهم في عملية التغيير.

إجراءات الحكومة الوقائية لم تراع احتياجات المواطن

المركز: هل بالإمكان الاشارة الى المعالجات الآنية للأوضاع التي يعيشها العراقيون في ظل الجائحة؟

رائد فهمي: نعم، أولا تأمين الجانب الاعلامي والوقاية من هذه الجائحة، التي هي تحدٍ كبير ليس فقط لبلد مثل العراق، بل حتى البلدان المتقدمة. الجائحة شكلت تحديا كبيرا لها، فكيف بالنسبة إلى بلدنا. وتداعياتها في بلدنا اكيد تكون أخطر واكبر خاصة، واننا لدينا بيئة اقتصادية هشة، وهناك  فئات اجتماعية تعاني، بينما إجراءات جائحة كورونا تصطدم بمصالحهم. وبالتالي يأتي دور الدولة في تأمين وتخفيف الاعباء وآثار هذه الجائحة والخطوات التي يجب أن تتخذ تجاه هذه الفئات الاجتماعية ضعيفة الدخل، وتشمل أيضا كما ذكرنا الوسطى منها.

هناك جهد دولي ومجتمعي أيضا. وفي موضوع الدولة لاحظنا على صعيد وزارة الصحة في البداية دورها كان ضعيفا، والمؤسسات الصحية فقيرة بتجهيزاتها بإداراتها، ولاحظنا في فترات عديدة ان ابسط الأمور لم تكن تتوفر للمواطن. وقد قلنا ان هذا له أولوية في الدولة، ايضا لا تكون الاعتبارات السوقية طاغية. الدولة عليها تأمين الاحتياجات الرئيسية وحشد مواردها المادية والبشرية. كان هناك في البداية ضعف كبير وحصل تطور، لكن لا تزال مؤسساتنا الصحية عاجزة عن مواجهة هذه الجائحة، فضلا عن أن هناك فجوة كبيرة بين المواطن والدولة؛ فالإجراءات التي تتخذ لا تحسب احتياجات المواطن فيها، بحيث المواطن  يغدو غير قادر على أن يستجيب لمواجهة الجائحة، حتى الالتزام ببعض الاجراءات الوقائية مثل لبس الكمامة، ومسألة التباعد الاجتماعي. كل هذا نتيجة عدم الانسجام بين الدولة والمواطن. الانسجام لاجل تلبية احتياجات المواطن، حتى القدرة على مواجهة الأزمة ضعيفة، لان السياسات الاقتصادية للدولة والسياسات الاجتماعية، يجب أن تتضافر كلها، وتلبي احتياجات المواطن وخاصة  الشرائح الضعيفة، بخلاف ذلك فإن الجائحة ستستمر. ايضا يجب ان تتضمن الاجراءات مكافحة الفساد، وحشد جهود الكادر الطبي، كما ينبغي ايجاد مؤسسات لاستكمال الكثير من البنى التحتية. لاحظنا أيضا بشكل خاص ما يتعلق بدواء المواطن، الذي هو الاساس، قد ارتفعت أسعاره إلى نسب عالية. من المفترض ان تكون هناك سيطرة على الدواء، وتكون الاسعار معقولة على وفق إمكانيات المواطن. علما ان الدولة غير قادرة على تلبية جزء من هذه الاحتياجات. وعندما تكون مستشفياتنا ومراكزنا الصحية تفتقر الى ابسط المستلزمات، يضطر المواطن إلى أن يذهب إلى القطاع الخاص، وهناك سيواجه أسعارا مرتفعة.

كل هذه العوامل لا بد أن تكون في صدارة ومقدمة المهمات، والان التركيز على موضوع اللقاح وتنظيم عملية وصوله إلى المواطنين وكيفية ضمان العدالة في وصوله الى المناطق الريفية، وفِي المدن والمناطق الشعبية. كل هذه العوامل يجب أن تدرس بدقة عالية، فغير ذلك سيكون هناك عدم عدالة في مواجهة المرض.

 لا بد من تغيير بنية الانفاق والتصرف بالموارد

المركز: هل للحزب خطوات أساسية اقتصادية بديلة في ظل هذا التوجه المتزايد نحو النيولبرالية؟

رائد فهمي: نحن نحلل الموازنات، ليست هذه الموازنة فقط حتى الموازنة السابقة، ونلاحظ أن نسب التخصيصات جزء كبير منها يكون من حصة القوات المسلحة والسلاح، والكثير من المجالات الادارية وبنود الانفاق، التي هي بعيدة عن أولويات البلد، نراها تستوعب جزءا كبيرا من الانفاق. واولوياتنا التي نتحدث عنها نقصد بها عناصر التنمية التي تؤمن البلد، ويستخدم موارده بشكل افضل لا تحظى بالأولوية. يعني لا قطاع التعليم يحظى بالاولوية، ولا الصحة ولا قطاع البنى التحتية. اليوم لا تستطيع ان تنمي او تتحدث عن تطوير الزراعة والصناعة والثقافة وغيرها اذا كنت لا تمتلك طرقا او مستشفيات او وسائل نقل كما ينبغي، لابد ان تكون توجهات السياسة الاقتصادية نحو التنمية وحشد الموارد .

وثانيا، موضوع الريع النفطي وكيفية مواجهة الاثار السلبية. الريع اذا لم يحسن ادارته قد يتحول الى ميدان للتصارع والانقسام ليتم اقتسامه، وهذا يهدد مشروعية الدولة، ويخلق طبقة وفئة تستحوذ على الريع، ولا تخضع للمساءلة، ويتم صرفه في ميادين بعيدة عن ميدان التنمية وهذا الشيء يهدد مستقبل البلد. لذلك نحن نؤكد على انجاز الصناديق السيادية، التي يذهب اليها  جزء غير قليل من العائد النفطي، ليخصص في عدة ميادين؛ اما تخصص لمواجهة مشاكل  تسديد ديوان العراق واستحقاقاته، او توجه الى اهداف تنموية معينة، او تستخدم لاغراض بعيدة الامد، لبعد استراتيجي. هذه الصيغة السيادية اليوم الكل يتفق على ضرورتها، وهناك تأخر كبير فيها. ونلاحظ ان طريقة إعداد الموازنات لا تزال تتم ببنود وعملية مساومة بعيدة عن اهداف التنمية، لا بد ان تتغير آلياتها. وهذا كلها أدوات. اذا بقي البلد ينفق الجزء الاكبر من ايراداته لأغراض استهلاكية ـ سواء استهلاك حكومي ام استهلاك شخصي ـ فإنه غير قابل لان ينهض. لا بد ان نغير بنية الانفاق والتصرف بالموارد، وان ترتفع النسبة المخصصة لأغراض استثمارية، وبناء قاعدة انتاجية متطورة، وتطوير البنى التحتية وهذه تصطدم بالعمل السياسي. 

كل التغييرات يفترض ان تتم بإرادة سياسية. العامل السياسي هو العامل الطاغي. اليوم كيف تحصل على موارد النفط، والايرادات ترد من خلال الدولة، لان المورد حكومي. وبالتالي فان المسيطر على الدولة، يسيطر أيضا على المورد النفطي، الذي يعتبر موردا أساسيا. كذلك يسيطر على طريقة التصرف به وتوزيعه، وبالتالي هذا جزء اساسي عندما نتحدث عن  سياسة تنموية، السياسة التي توفر المتطلبات الحقيقية بقدر معين، لتحقيق العدالة الاجتماعية من جهة، ولبناء متطلبات النمو والتنمية. دائما ما نطرح كيفية التصرف بالموازنات وآلياتها، وان يكون   القرار ذا صلة بتخصيصات تكون ذات خطط ومشاريع تنموية. والى الان هذا كله لم يتحقق بسبب الصراعات والمصالح السياسية الضيقة .

السياسة الاستراتيجية البديلة تتعلق بالعلاقة بين الدولة وموقف الدولة والاقتصاد. نحن لسنا مع الاقتصاد الدولتي والبعض يعتبره “اشتراكيا”. ولتوضيح بعض الامور. الدولة تحيل كل مشاريعها الى القطاع الخاص، وبالتالي عندما تكون لديك مشاريع غير منفذة تتحملها ليس فقط الدولة وانما بعض الشركات التي هي غير كفوءة وفيها فساد. لنكن واضحين بشأن: دولة شر مطلق وقطاع خاص خير مطلق. هناك تشابك بين الطرفين، وهناك المنشآت التي اغتنت وما كانت لتغتني لولا اشتراكاتها وتواطؤاتها، فهي تشكل منظومة تخنق البلد وتمنعه من استخدام موارده، لذلك المشروع الاقتصادي والسياسة الاقتصادية البديلة التنموية التي تسعى الى تطوير قدرات البلد الانتاجية والصناعية والزراعية، وما إلى ذلك هي أكيد لا بد أن تلتزم بإطار وتوجه سياسيين، وإلا سنرتكب الخطأ نفسه الذي وقعت به الحكومات المتعاقبة، والتزمت ببرامج اصلاحية، تحتوي على جوانب ايجابية، ولكن غير قابلة للتحقيق، لان الشرط السياسي غير متوافق .

الدولة المدنية والتوجه نحو دولة مواطنة والدولة القائمة على اعتماد الخبرة والنزاهة وتكافؤ الفرص للجميع من جانب،  ومن جانب آخر الاعتماد على تطوير الانتاجية القادرة على خلق فرص عمل، والشباب الذين يحتجون مطالبين بالتعيين فإن الدولة غير قادرة، ان تستوعب هذه الاعداد الكبيرة منهم. اليوم وصل الرقم ما بين موظفين وما بين متعاقدين ومتقاعدين الى اكثر من 6 ملايين، والدولة تدفع لهم اجورهم كموظفين، لكن البلد هل قادر على ان يخلق فرص عمل حقيقية؟! يفترض ان يكون التقاعد للقطاع الخاص ايضا، وليس فقط للذين يعملون تحت غطاء الدولة. فهذا يحل مشكلة، وتكون امكانية في ان يكون لكل شخص مهما كان عمله، ضمان اجتماعي. 

احد التوجهات الاستراتيجية البديلة، هو الاولويات المتعلقة بالتشريعات؛ فهذا جزء وثيق الصلة بمفهوم العدالة الاجتماعية، التي هي نظام متكامل اجتماعي، بمعنى يغطي مخاطر المرض والشيخوخة ومخاطر البطالة والعطل، وحتى يعالج شرائح الايتام والارامل وما الى ذلك. هذا النظام ضروري، والى جانبه هناك اطار تشريعي اقتصادي تحفيزي للقوى الانتاجية في القطاع الخاص ولدى الدولة. وأيضا ايجاد منظومة وفق ضوابط السوق. فالسوق اذا كان غير منظم اذن فهو مافيا وعصابات، لكن اذا لديك دولة قوية ومؤسسات قوية، فهي تعرف كيف تنظم السوق؟ واليوم كيف تطلق حرية السوق من دون ان تؤمن متطلبات تنظيمه؟ هذه ليست فقط فوضى، انما تفتح مجالا امام تراكم الثروات لفئة هم أساسا تضخموا، واصبحوا اصحاب ثروات طائلة، نتيجة الاستحواذ على أموال فساد، وبطرق في الغالب غير مشروعة، لذلك الرؤية الاقتصادية لا تنفصل عن الرؤيا السياسية، ولا تنفصل عن متطلبات محاربة الفساد لبناء المؤسسات. إن المنظومة الحالية غير راغبة، وغير قادرة ولا مصلحة لها في بناء المؤسسات .

 الوعي الشعبي والحركات الاحتجاجية أوقفت تمرير تشريعات تنتهك حقوق الانسان

المركز: اليوم هناك محاولات لتشريع مجموعة من القوانين فيها التفاف كبير على حقوق الانسان، وبنفس الوقت هناك انتهاكات تمارس ضد النشطاء والمعارضين السياسيين، وممن نشط خلال الانتفاضة، ولا توجد ضمانات لحماية حياتهم. ما هو تقييمكم لوضع حقوق الانسان والحريات في العراق؟

رائد فهمي: هناك مؤشرات من منظمات دولية تشير الى ان واقع حقوق الانسان متردٍ، رغم أن الدستور فيه منظومة حريات متقدمة. ذكرتم أن الكثير من التجاوزات التي حصلت في التعامل مع الاحتجاجات، ولا تزال هذه الظاهرة موجودة. بعض مشاريع القوانين التي تطرح هي محاولة لتكميم الافواه. لاحظنا قانون المعلوماتية والقوانين المتعلقة بالمعلومة وتداولها والسيطرة على وسائل الاعلام. اذن هناك قوانين وهناك ممارسات بعيدة عن القانون، اليوم هناك المغيبون والمعتقلون، ولا نعرف من يعتقلهم ومن يقتلهم. والأنكى من ذلك لا تزال الدولة صامتة عن هؤلاء المغيبين والمفقودين. هناك من يقول ان الدولة تعرف من يقوم بذلك، لكن لاعتبارات سياسية وخشية من التداعيات لا تقوم بذلك. يجري حديث عن اعداد متصاعدة من  الذين يتعرضون للاغتيال، وبعض الحالات تحصل من خلال استخدام ارضية قانونية، واحيانا من خلال الالتفاف على القانون، وبالتالي حتى منظمات حقوق الانسان وغيرها، يكون صوتها محدودا جدا وهذا خطر.

مع ذلك نود القول: ان هناك في البلد وعيا عاما بخطورة التجاوز على حقوق الانسان ولاحظنا حتى التشريعات التي كان فيها خلل في ميدان حقوق الانسان، لم تمض بسبب ظهور هذا الوعي المتقدم والحركات الاحتجاجية الكثيرة التي اوقفته. اليوم عندما يكون هناك سلاح منفلت خارج اطار الدولة وفساد واسع بحيث ان المجرم قادر على الخروج والفاسد ايضا قادر على شراء خروجه، وهناك تشريعات قديمة لم يجر تحديثها والخلاص منها. كل هذه عوامل في ظل هذا الوضع السياسي غير المستقر، ووجود قوى خارج اطار الدولة، وتمتلك السلاح، وحالة الفساد والنظام القانوني يخضع الى ضغوطات كبيرة من قبل القوى السياسية. بالتأكيد ميدان الحريات لن يكون بمأمن أمام كل هذه التطورات، لذلك لا ارى من الغرابة ان تزداد معدلات الانتهاكات.

 الحزب الذي لا يتجدد يندثر.. ورصيدنا التاريخي ليس بديلا عن المستقبل 

المركز: هناك سؤال نسمعه كثيرا هل الحزب هو حزب التاريخ والمواقف والشهداء أم هو حزب للمستقبل؟

رائد فهمي: مهما عظم تاريخنا وكبُر رصيدنا التاريخي، فهو لا يشكل بديلا عن المستقبل، أي حزب لا يمكن ان يعيش على رأسماله السياسي او المعنوي او ارثه التاريخي، الحزب الذي لا يتجدد ولا يواكب الحياة يموت ويندثر، ونحن واعون لذلك خاصة وان العالم يتطور في ميادين عديدة بوتائر سريعة وتغيرات كبيرة والتداعيات الاجتماعية والمجتمعية ايضا كبيرة جدا، بالتأكيد نحن في وعي تام لها. السؤال المطروح هل بنى الاحزاب ورؤاها وبرامجها  تتطور بالسرعة الكافية التي تواكب هذه التطورات الموضوعية؟ من الممكن ان نتحدث في ذلك لكن هناك وعي كامل بضرورة ان تكون هذه المواكبة، فكيف تتم هذه المواكبة؟ الحزب منذ المؤتمر الخامس عام 1993 أطلق عملية الديمقراطية، وجاءت ايضا انسجاما وتفاعلا مع ما شهده العالم وخاصة مع انهيار انظمة البلدان الاشتراكية آنذاك، والعولمة وتداعياتها، اذن نحن تعاملنا وتفاعلنا مع هذه التطورات، وأطلقنا سلسلة ومجموعة من التغييرات، التي لا تزال الان جارية على صعيد البناء التنظيمي، وعلى صعيد الخطاب السياسي، وحتى تحليل الواقع  وتطوير ادواتنا التحليلية. وهذه ليست عملية تحدث ليوم واحد او لمرة واحدة. نحن نعتقد ان الديمقراطية والتجديد وخاصة عملية التجديد هي عملية مستمرة، لا تتوقف. قد تتراجع في بعض الاحيان وقد تتسارع في أحيان أخرى، لكن لا بد ان تستمر، وبالتأكيد مؤتمرات الحزب هي محطات مهمة لأجل ان تراجع فيها السياسات والمواقف وتحليلاتنا للواقع الاجتماعي، وما يتطلبه. وايضا عندما نراجع مسيرتنا نشخص اين الخلل، وهل هناك مستجدات تفرضها هذه التطورات، وهذا سيكون شأننا في المؤتمر الوطني الحادي عشر.

 نحن نريد الدولة لأننا نعاني من غيابها

المركز: ما هي التحضيرات الجارية في اطار الاعداد للمؤتمر الحادي عشر؟

رائد فهمي: حددنا كهدف ان يعقد المؤتمر خلال هذا العام، وفي اقرب فرصة تتيحها الظروف الصحية. الان اصبح العامل الصحي عاملا أساسيا نعتمده. التحضيرات بدأت. اسلوبنا في التحضيرات ان نراجع الوثائق الرئيسية، النظام الداخلي والبرنامج، وهذه العملية جارية منذ اسابيع في مراجعة وتدقيق هذه الوثائق، وعندما تتم صياغة المقترحات والتعديلات سنطرحها للنقاش العام، وليس فقط لنقاش الشيوعيين، وهذا نهجنا في عدة مؤتمرات سابقة. وايضا الان بما ان المجتمع العراقي والدولة العراقية يشهدان تغييرات سريعة وكبيرة جدا، وهذه تجد انعكاساتها حتى في البنية الاجتماعية، ناهيك عن الجانب الاقتصادي والثقافي، وما الى ذلك من مستويات، وبالتالي يتطلب ذلك منا ان نتوقف عند ذلك بشكل عميق، ونضع ايدينا على طبيعة هذه التغييرات، وهذه العملية قد تستدعي فتح نقاش وحوار واسعين مع مختصين ومع جهات ليست بالضرورة داخل الحزب، لأجل دراسة هذا المحيط الاجتماعي والواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلد وتغيراته. ونحن شرعنا بهذا الموضوع سواء من خلال مطبوعاتنا وادواتنا ومنابرنا الفكرية والثقافية والاعلامية، وبدأنا سلسلة من الندوات والنقاشات المعمقة حول المجتمع العراقي وبنيته الطبقية، وعلى صعيد التغييرات التي حصلت، واليوم ايضا سنفتح نقاشا اخر حول الدولة.  وأود التوقف عند هذه النقطة. اليوم الجميع يتحدث ويقول نحن نريد الدولة وهذا شيء صحيح لاننا نعاني من غياب الدولة، ومن قوى اللادولة وما الى ذلك. وهنا علينا ان نثير سؤال: هل كل من يتحدثون عن الدولة متفقون  بالرؤيا حول ما هي الدولة المطلوبة؟ البعض يختزل الدولة بهيبتها وامكانيتها في ضبط الامن والسلم الاجتماعي. هذا جزء مهم لكن في بعض الاحيان غير كاف. كيف تقوم الدولة بتأمين السلم والاستقرار، وهي لا تملك استقرارا اقتصاديا، ولا توجد عدالة اقتصادية - اجتماعية. المجتمع غير منسجم ككل؛ قسم من فئات هذا المجتمع هي مسؤولة عن الظلم المفروض على الاخرين. ما هو نوع العقد المطلوب وما هي شروطه وما هي متطلباته؟  نحن لا ننظر الى الدولة بشكل مجرد خارج المجتمع وخارج القوى المسيطرة على المجتمع. لاحظنا عندما تحدثنا عن الاقتصاد قلنا بان الدولة ليست شرا مطلقا، لكن بالتأكيد الكثير من سياساتها تعتمد على الجهات المتحكمة بالدولة. هذه المواضيع ستكون من ضمن المواضيع التي تشكل خلفية التي على اساسها تتم مراجعة وتدقيق برنامج الحزب.

 بوصلتنا لن تحيد عن مصالح شغيلة اليد والفكر 

المركز: أفهم من كلامك ستكون هناك تغييرات جذرية ـ نوعا ما ـ في سياسة الحزب وهيكليته؟

رائد فهمي: كل هذه الامور يُمهد لها بخطوات سابقة. وفي المؤتمر يتم جمع خلاصات هذه التجربة في السنوات الاربعة، وخلاصات الجهد الفكري والسياسي والتنظيمي. وخلال دراستنا لما توصلنا له في دراستنا لواقع المحيط الاجتماعي. نحن نعتقد ان كل شيء خاضع للبحث هناك ثوابت ومتغيرات. الثوابت هي هوية الحزب من خلال سعيه للتعبير عن مصالح شغيلة اليد والفكر والطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين والقوى المنتجة للخيرات، كما نسميها. هذا هدفنا وهذه هي بوصلتنا. اما القضايا القابلة للتغيير فقلنا ان لدينا صياغات عمومية حول بنية المجتمع العراقي اليوم، وبعد 17 عاما تغير المجتمع العراقي،  الطبقات،  وظهرت مصالح كانت متناثرة، وتجمعت هذه التمايزات التي ستكون موضع دراسة. اليوم في برنامجنا نتحدث عن التغيير، وهناك قضايا مفصلية هي التي يجب ان تكون محور التغيير، ومنها تتفرع الحلقات الثانوية. نحن نركز على الحلقات الرئيسية، سواء على الصعيد السياسي من خلال خلق الاصطفاف لبناء دولة المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية، وعلى الصعيد الاقتصادي بشروطه الرئيسية لأجل احداث انعطافة اقتصادية، نحو البعد التنموي، ونحو معالجة المشاكل الهيكلية، وعلى الصعيد التنظيمي اليوم نجد وسائل التثقيف اختلفت عن الفترة الماضية. اليوم لدينا وسائل التواصل الاجتماعي التي هي وسائل للتثقيف ووسائل للتنظيم والتواصل، وهي وسائل قد تستخدم ايجابيا، وايضا سلبية، لكنك لست قادرا على ان تتغافل عن دورها وتأثيرها. طبعا كل هذه الامور عامة. كيف نجد ترجماتها في النظام الداخلي؟ هناك جملة من الامور في ميادين مختلفة، الشباب واولوياتهم وكيفية التواصل معهم، في كل هذه الامور نأمل ان يكون هناك حوار خصب، وقلنا ان هذا الحوار لا يكون محصورا بين الشيوعيين فقط، بل سنفتح المنابر جميعها، لاجل ان يكون حوارا قادرا على استقطاب واشراك اكبر عدد من الشرائح في المجتمع، لتكون معنا للتفكير، وايجاد الحلول والمعالجات.  

 الماركسية قادرة على مواكبة عصر التغيير والتجديد

المركز: قبل 28 عاما انعقد المؤتمر الوطني الخامس، مؤتمر الديمقراطية والتجديد. هل لا تزال موضوعة الديمقراطية والتجديد تحتفظ بحيويتها، خصوصا في ظل الظروف والمتغيرات التي تجري الان؟

رائد فهمي: نقول إن السعي نحو التجديد هو جزء من التجديد. على البعد النظري نحن متمسكون بالماركسية، وايضا قلنا في النظام الداخلي ان مصادرنا الفكرية هي الماركسية، لكن ليس الماركسية فقط، هذا ليس تنصلا من الماركسية، لكن هناك ميادين ربما الماركسية في زمن ما لم تكن قادرة على معالجتها، كما يجب ان هناك معطيات جديدة، وحتى في داخل الماركسية هناك الكثير من الأمور تغيرت، وتطورات كثيرة  في ضوء المستجدات والاوضاع الجديدة التي نشأت. اذن، نحن حتى على المستوى النظري نخوضه ونحاول ايضا ان نتفاعل مع المستجدات والتغييرات والاضافات التي جاء بها الفكر الماركسي في دراسة واقعنا الاجتماعي، على الصعيد العالمي، وعلى صعيد بلداننا وعلى صعيد الكثير من الأمور. ومن يتابع سيرى هناك كتابات من منطلقات ماركسية في الحقول المختلفة. الان هناك المئات من البحوث التي تصدر في هذا الميدان. وبالتالي هذا الميدان خصب، خلافا لما يقوله البعض ان الماركسية والاحزاب الشيوعية متجمدة ومتكلسة نحو دوغمة نظرية. الماركسية بحد ذاتها مواكبة لعصر التغيير والتجديد. اذن، نعم التجديد هو حالة دائمة. اليوم الديمقراطية ليست فقط عنوانا، ولا هي فقط عملية انتخابات. الديمقراطية في جوهرها المشاركة في صنع السياسة. المشاركة في عملية تلاقح الافكار، وبالتالي كم انت قادر على اشراك وزج الرفاق في داخل الحزب على الاقل في هذه العملية. لدينا آليات معينة حققت تطورا، قياسا الى ما كان سابقا، ونحن دائما نقول علينا ان نحقق مزاوجة سليمة ما بين المشاركة الانتخابية والتجربة النضالية والخصائص الاخرى. هذه ايضا معادلة اخرى نحن ندرسها في ضوء تجربة الديمقراطية، وما حققته من انجازات ومكاسب، وايضا جوانب الضعف والنقص التي واجهناها، هي عملية مستمرة، وتخضع للمراجعة في كل مرة، يجري فيها التوقف عند الوثائق الخاصة بالمؤتمرات.

 نعمل على تأمين مشاركة الشباب في مواقع القرار الحزبية

المركز: هل من الممكن زج دماء شابة في قيادة الحزب؟

رائد فهمي: نحن لا ننطلق من منطلق صراع الاجيال. نعتقد ان على الاجيال ان تتكامل والخبرة تنتقل فيما بينها. عمر الحزب 87 سنة. بالتأكيد لدينا رفاق اعمارهم متقدمة وبالتأكيد لدينا شباب. النقطة المهمة هو كيفية ان يتم التعشيق المناسب ما بين الخبرة وما بين حيوية الشباب. هذا لا يعني عدم وجود تحفظات ومواقف محافظة، هناك رفاق ربما يضعون متطلبات هي اكثر من اللازم، وبالتالي هذه امور خاضعة للمراجعة والتحديث والتجديد وايجاد افضل السبل لضمان مشاركة الشباب. الرؤية الان هي توسيع مشاركة الشباب وتطوريها. عملنا لاجل تعزيز الاتجاهات الطبيعية التي تأخذ الكثير من الوقت، وربما تواجه الكثير من المعوقات لذلك ادخلنا فكرة الكوتا، ولكن علينا ان نصل الى مرحلة لا نعتمد فيها الكوتا، من المفترض ان الحياة داخليا بحد ذاتها تفرز الافضل، بالتالي دعنا نقول ان الكوتا هي صيغة مؤقتة.

اليوم الزمن يحمل امكانيات معرفية واكتساب خبرات اكثر مما كان في الزمن السابق. اكيد العتبات الزمنية لازم تفتح مجالا اكبر للشباب وعملية الدورات الداخلية والتثقيفية والدورات الفكرية، اعتقد اننا بذلنا جهدا كبيرا فيها خلال السنوات السابقة، وهي في عملية تطور  وتوسع مستمرين. والاهم من كل ذلك هو تأمين مشاركة الشباب في مواقع القرار الحزبية سواء المحلية ام المركزية، ونعتقد في المطاف الاخير، ان التجربة تأتي من خلال المشاركة الفعلية وليس فقط من خلال المعرفة النظرية.

 مساهمة النساء تحدٍ كبير أمامنا

المركز: ماذا على صعيد النساء وتعزيز دور الرفيقات والتمثيل النسوي في قيادة الحزب والمستويات القيادية الأخرى؟ 

رائد فهمي: في الحقيقة مساهمة النساء تحد اكبر من موضوع تحدي الشباب. ونقول ان ما حققناه متواضع حتى الان. الاسباب كثيرة؛ قسم منها داخلي، وقسم منها موضوعي. اليوم في مجتمعنا القيم المحافظة هي السائدة، والممارسات المقيدة للمرأة وحرية عملها كبيرة جدا، وتمنع مشاركة المرأة في الحياة العامة. على سبيل المثال 15 في المئة من النساء فقط يشتركن في سوق العمل، ما معناه ان هناك 85 في المئة، من النساء يجلسن في البيوت. وفي الغالب هذه البيوت تحت سيطرة ابوية وهناك قيود كبيرة.

وهذه لا بد ان تنعكس في الاحزاب التي تعتمد فهما واسعا لدور المرأة ومشاركتها. نعم، لكن لا نعتبر هذا تبريرا يعفينا من تحمل مسؤوليتنا الذاتية كحزب في ايجاد افضل الوسائل لاستقطاب المرأة واشراكها وزجها. نحن نعتبر هذا من أولوياتنا ومن اكبر التحديات ان يكون للمرأة دورها في الحزب، نحن لدينا قضية الكوتا وجرى تطور ما محدود في اشراك المرأة في مواقع العمل الحزبي المختلفة، لكن ما تحقق نعتبره دون المستوى المطلوب، وهذه مهمة كبيرة للحزب في المؤتمر ايضا، إذ يجب ان يتوقف عند  هذا الامر، ولكن قبل المؤتمر علينا ان نبلور تصورات واضحة لاجل تطوير عملنا في ميدان المرأة.

 الشيوعيون أمام مسؤولية كبيرة في عملية بناء الاصطفاف المدني الديمقراطي والوطني المنشود

وفِي ختام اللقاء، قال الرفيق رائد فهمي: اشرنا التحديات التي تواجه البلد، وتواجه الشيوعيين أيضا. والشيوعيون يعوّل عليهم لدى الكثير من أوساط شعبنا، كقوة وحزب ومناضلين اثبتوا كفاءتهم ونزاهتهم واصرارهم واخلاصهم للوطن. هذه العناصر قوية ومهمة لكن هي غير كافية وتفرض على الشيوعيين ان يطوروا علاقاتهم بالجماهير، ويكسبوا ثقتها. وهذا له ابعاده وعناصره ومنها جزء يتعلق بدور الشيوعيين أنفسهم واساليب عملهم، خطابهم ومشاريعهم ورؤاهم والحلول التي يقدمونها، ومدى ملامستهم لمشاكل الناس، ومشاركتهم الفعلية في الدفاع عن حقوقهم، سواء على صعيد القضايا المطلبية، ام على صعيد الحراك المجتمعي والسياسي الجاري. 

إنّ الشيوعيين حاضرون في كل هذه الميادين، ويتوجب عليهم ان يواصلوا تطوير دورهم ونسج شبكة التواصل مع عناصر المجتمع المختلفة، وايضا هم لديهم مسؤولية كبيرة في عملية بناء الاصطفاف الوطني الديمقراطي المدني الكبير المنشود، لأجل دفع البلاد نحو عملية التغيير وفضاءات التنمية والخروج من دوامة الازمات. وهذا يعني علاقة الشيوعيين مع القوى الأخرى. على الشيوعيين ان يؤكدوا انفتاحهم على هذه القوى. والحزب سيصدر نداءً بهذا الخصوص لكل هذه القوى الخيرة، والقوى المدنية بشكل خاص، من أجل ان تجتمع على المشاريع والقضايا المشتركة، ومن أجل ان توحّد عملها في هذا السبيل. وعلى الشيوعيين ايضا مسؤولية كبيرة بأن يكونوا حاملين لهذه الرؤية ومدافعين عنها.

إنّ الشيوعيين جزء من هذا المجتمع، وهم يتبنون الرؤى والتصورات الاكثر تقدما، ازاء الكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية، وهم حملة فكر وثقافة، فكر متقدم إزاء القضايا الاجتماعية وبشكل خاص الموقف من المرأة، وهذه قضية جوهرية بالنسبة لهم. هم يعنون أيضا بالعلاقات الاجتماعية وكيفية تطويرها، لتكون حاضنة للتقدم والتطور، ومنها العلاقات المدنية المرتكزة على التشريعات والضوابط، والاطر المدنية المستندة الى الارادات الحرة للمواطنين.

نحن الشيوعيون نحترم الاديان والعبادات. نحترم كل حملة المعتقدات، ونفترض ان الاخرين يحترموننا. الجميع معني باحترام هذا التنوع الفكري والثقافي والمعتقدي للمواطنين، ونعتقد ان هذه مرتكزات أساسية نبني من خلالها هوية وطنية مركبة تعترف بحقوق كل أطياف شعبنا: القومية والدينية والمذهبية. كل هذه العناوين ممكن ان تحويها هذه الهوية الوطنية. 

إن العراق اليوم يعيش تحديات كبيرة جدا ومخاطر جمة. اليوم هو مخترق وسيادته غير كاملة، بناؤه ونسيجه مهددان بالتصدع لاسباب عدة. نحن مع بناء الهوية الوطنية والسيادة الوطنية بالمفهوم الذي يحترم سيادة الاخرين، ويحترم حقوقنا والعلاقات المتبادلة. كل هذه الامور هي جزء من التحديات التي تواجهنا كشيوعيين. 

وفي هذه المناسبة نشدد ان على الشيوعي الاعتناء بمكانته الاجتماعية. رصيدنا الاساسي هو رصيدنا الوطني، ورصيدنا النضالي والمعنوي والاخلاقي، ورصيدنا في الدفاع عن مصالح الناس، هذا هو رأسمالنا الكبير، ولا يوجد رأسمال اكبر من هذا، ودعونا نقول هذا عهد على كل شيوعي. ان الشيوعي اليوم عندما يرتكب خللا معينا، غالبا ما يمتد تأثيره لعموم الشيوعيين، اذن على كل شيوعي ان يتحمل هذه المسؤولية الكبيرة، ونتحملها جميعا لمواصلة مسيرة من استشهدوا ورووا هذه المسيرة بدمائهم وبتضحياتهم الغالية. وعلينا ان نكون أمناء لهذه التضحيات، ونضيف لها ونواصل العطاء لخير الشعب والوطن. 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل