·         (المقال الافتتاحي لصحيفة "نامه مردم" الناطقة باسم حزب توده ايران - 12 كانون الثاني/ يناير 2026)

لا بد من التأكيد مجددًا وبوضوح تام على أن اندلاع موجة الاحتجاجات الحالية واتساعها خلال الأيام الخمسة عشر الماضية يعودان مباشرة إلى التفشي السريع للفقر، واتساع فجوة اللامساواة، والظلم الصارخ، فضلًا عن الفساد وتراكم الثروات بيد أقلية ضئيلة نتيجة السياسات الاقتصادية للحكومة خلال العقود الثلاثة الماضية - وليس إلى مطالب بعودة الملكية أو استعادة الحكم الملكي.

وبالإضافة الى ذلك، الى جانب النضال البطولي لمئات الآلاف من أبناء الشعب ضد الاستبداد والاضطهاد الطبقي، يتضح أن بعض العناصر والجماعات المنظمة تحاول، عبر أعمال تخريبية وعنف، تمهيد الطريق لتدخل مباشر من الولايات المتحدة وحلفائها في مسار الاحتجاجات الجارية.

وبهذا الشكل، فإن النتائج الكارثية لسياسات النظام الثيوقراطي داخليًا، مقرونةً بالتأثير المدمّر للعقوبات الأميركية على حياة الناس وسبل عيشهم، قد وضعت البلاد اليوم في وضع بالغ الصعوبة.

لقد أطلقت وسائل الإعلام الإمبريالية، مستندةً مرة أخرى إلى مواردها وإمكاناتها الواسعة، حملات دعائية وروّجت روايات مفبركة تهدف إلى إحياء الملكية. وهي تحاول ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية المشروعة وتحويل مسار الحركة المناهضة للدكتاتورية عن طريقها الحقيقي. فمن جهة، تمنح هذه الوسائل الاعلامية قادة النظام ذريعة لوصم انتفاضة الشعب بأنها من صنع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ومن جهة أخرى، عبر تضخيم التيارات الملكية، تسعى إلى وضع العراقيل أمام بناء الوحدة والتنسيق العملي بين القوى التقدمية والوطنية.

وتُظهر التطورات الداخلية والخارجية خلال الأيام القليلة الماضية أن التيار المصطنع والتابع المتشكّل حول شعار «عودة الملكية» لا يفتقر فقط إلى قاعدة اجتماعية واسعة وبرنامج جاد للتغيير الديمقراطي، بل إنه عاجز أيضًا عن تحقيق أي إنجاز من دون تدخل وتهديدات أميركية وإسرائيلية - باستثناء تخريب الحركة المناهضة للدكتاتورية والاحتجاجات الشعبية. ويُعد الطلب المخزي الذي قدّمه رضا بهلوي إلى ترامب في 9 كانون الثاني (يناير)، بذريعة «مساعدة شعب إيران»، حين قال: «لقد أثبتَّ - وأنا أعلم - أنك رجل سلام وصادق في وعودك؛ أرجوك كن مستعدًا للتدخل لمساعدة شعب إيران»، مثالًا صارخًا على السلوك اللّاوطني لهذا التيار. وعمليًا، منحت مثل هذه النداءات قادة الجمهورية الإسلامية وأجهزتها القمعية الفرصة والذريعة التي احتاجوها - استنادًا إلى أمر خامنئي الذي وسم المتظاهرين بـ«المخرّبين» و«العملاء الأجانب» وحذّر من عدم التساهل معهم - لقمع حركة الاحتجاج برمّتها بعنف، عبر اتهام الشعب زورًا، على ألسنة شخصيات مثل بزشكيان، بأنهم «إرهابيين» و«محرّضين» ومرتزقة «للعدو». وفي ظل تهديدات ترامب بالتدخل في إيران، قد تؤدي أفعال رضا بهلوي وقادة الجمهورية الإسلامية معًا إلى تهيئة ظروف تُسهّل الطريق أمام هجوم أميركي على إيران.

وخلال الأيام الماضية، سعت وسائل إعلام غربية كبرى وبعض الساسة الغربيين، عبر تضخيم التيار الملكي وتوجيه الرأي العام نحو تصوير انهيار الجمهورية الإسلامية على أنه أمر حتمي واعتبار التدخل «الغربي» المباشر بقيادة ترامب ضرورة، إلى الترويج لـ «مشروع لصناعة البديل» لإيران. فعلى سبيل المثال، منذ مساء الجمعة الماضية، بثّت شبكات الإذاعة والتلفزيون التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مقاطع فيديو من إنتاج منظمة مجاهدي خلق، وأجرت مقابلات مع جون بولتون، وبثّت برامج مماثلة. وبالتوازي مع وسائل إعلام كبرى في فرنسا والولايات المتحدة، يجري خلق مناخ وتبرير للتدخل في التطورات الداخلية لإيران. كما أعلنت الحكومة البريطانية، الشريك التقليدي للولايات المتحدة في دفع السياسات الإمبريالية، يوم الأحد 11 كانون الثاني (يناير)، أنها تسعى إلى «انتقال سلمي للسلطة في إيران».

وإضافة إلى ذلك، نشهد مواقف مؤسفة لبعض الشخصيات الإيرانية المعروفة، من بينها شيرين عبادي، الحقوقية والحائزة على جائزة نوبل للسلام؛ ومحسن مخملباف، الكاتب والمخرج السينمائي؛ وعبد الله مهتدي، الأمين العام لحزب كومله لكردستان إيران. فقد كتب هؤلاء، بالتنسيق مع رضا بهلوي، رسالة إلى ترامب دعوه فيها إلى التدخل في شؤون إيران -وهو تدخل قد يشمل عملًا عسكريًا. فهل تجهل شيرين عبادي الآراء الفاشية، والأيديولوجيا الرجعية المعادية للمرأة والعنصرية، والسياسات العدوانية، وسياسات الهيمنة، لشخص مثل ترامب وشريكه مجرم الحرب نتنياهو؟

وفي إطار خطط الولايات المتحدة وحلفائها لبلادنا والمنطقة، فإن مثل هذه النداءات والارتهان للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لإيران ليست سوى أدوات لاحتواء وإبطال أي إمكانية لتنظيم حركة شعبية وتشكيل قوة إيرانية قادرة على إنقاذ البلاد من الدكتاتورية الحاكمة وتوجيهها نحو تحولات ثورية وطنية - ديمقراطية. وقد تكررت هذه السياسات التدخلية الإمبريالية مرارًا في إيران خلال القرن الماضي. ولعبت عائلة بهلوي دورًا أساسيًا في تنفيذها والاستفادة منها، مقابل تقديم تنازلات كبرى للقوى المتدخلة على حساب المصالح الوطنية - بما في ذلك خلال انقلاب 19 آب (أغسطس) 1953 ضد حكومة الدكتور محمد مصدق الوطنية عقب تأميم صناعة النفط.

وبعد الإطاحة بالدكتاتورية التابعة لعائلة بهلوي قبل أكثر من أربعة عقود في ثورة 1979 الشعبية، تخلّت الدكتاتورية الثيوقراطية سريعًا عن مُثُل الثورة، وتموضعت - من أجل الحفاظ على هيمنة «الإسلام السياسي» وحماية الثروات الفلكية لنخب السلطة - في مواجهة جماهير الكادحين والمصالح الوطنية. ولسنوات، شكّل هذا النظام عقبة أمام التحولات الوطنية - الديمقراطية الأساسية. وقد تدهور الوضع اليوم إلى حدٍّ بات فيه المجتمع يرى جميع سبل العدالة والمساواة والحرية مسدودة، ووصل - رغم القمع - إلى مرحلة متفجرة من الاحتجاجات الواسعة في الشوارع لاستعادة حقوقه. وفي ظل هذه الظروف المتفاقمة، ومع حكومة ضعيفة وفاسدة وقمعية، تواجه إيران مرة أخرى تهديدات خطيرة من الولايات المتحدة وإسرائيل وعملائهما المندسين.

وبعد موجات متعاقبة من الاحتجاجات الشعبية في إيران خلال العقد أو العقدين الماضيين، بات واضحًا أن النظام الثيوقراطي فقد قدرته على احتواء أو موازنة الانتفاضات الاحتجاجية المشروعة لغالبية المجتمع، ولم يعد قادرًا حتى على ترميم أو إدارة الشرخ العميق بين الشعب والدولة. ولم تكن تصريحات مسعود بزشكيان مساء الأحد الماضي في ما سمّاه «حوارًا تلفزيونيًا صريحًا ووديًا مع الشعب» حول الأزمة الاقتصادية والمعيشية ورفع أسعار الصرف المدعومة سوى تكرار مملّ وخالٍ من الجدوى لخطاب قديم، ولن تُحدث أي تغيير حقيقي لصالح الشعب. كما أن «العلاج بالكلام» الغير مجدي الذي قدّمه، مع اعترافه بالجذور الاقتصادية للاحتجاجات الأخيرة من دون طرح حلول ناجعة، لن يكون له أي أثر على الرأي العام. فالكادحون يعيشون هذه القضايا بدمهم ولحمهم، وقد تعلّموا بالتجربة أن مسؤولي الحكومة يفتقرون إلى الإرادة والقدرة على حلّها.

وفي اليوم نفسه، لم يكن لدى محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى، ما يقوله سوى ترديد تبجّح خطير ومتهوّر -يمكن تفسيره بوضوح على أنه قرع لطبول الحرب. إذ قال: «في حال وقوع هجوم عسكري، ستعتبر إيران، في إطار الدفاع المشروع، المراكز العسكرية ومراكز الشحن الإسرائيلية والأميركية أهدافًا مشروعة». وذهب إبراهيم عزيزي، العميد في الحرس الثوري ورئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان، أبعد من ذلك في هذا الاستعراض الأحمق والخطير، إذ صرّح في إشارة إلى الاحتجاجات الأخيرة: «في المستقبل، ستعتبر الجمهورية الإسلامية أي عمل ضد الولايات المتحدة وإسرائيل مشروعًا بسبب هذه الأحداث». وفي المقابل، ووفقًا لآخر ادعاء لترامب، فقد طلبت الجمهورية الإسلامية بدء المفاوضات، كما أعلن عباس عراقجي يوم الاثنين 12 كانون الثاني (يناير) أن «الجمهورية الإسلامية مستعدة للحرب وللمفاوضات في آن واحد».

والحقيقة أن كِلا القوتين - القوى والفصائل النافذة داخل بنية الدكتاتورية الحاكمة، والقوى التابعة لأميركا ترامب - تسعيان إلى استمرار شكل من أشكال الدكتاتورية في إيران. فالفريق الأول يلاحق هذا الهدف إما عبر الحفاظ على البنية القائمة المرتكزة إلى الحكم المطلق للولي الفقيه - وإن كانت مدة بقائها تقترب سريعًا من نهايتها - أو عبر تغييرات محدودة تهدف إلى حماية مصالح رأس المال الكبير بأي ثمن، مع الإبقاء على الاقتصاد السياسي الراهن ضمن إطار نيوليبرالي. أما الفريق الثاني فيدفع بهذا النهج ضمن الخطط الاستراتيجية لحكومة ترامب المتغطرسة والقسرية، وبالتنسيق مع نتنياهو المحرّض على الحرب، لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. واليوم، تقف إيران في قلب هذه التغييرات وهي في أضعف حالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأكثرها هشاشة.

وخلال القرن الماضي، تمثل هذه لحظة أخرى يسقط فيها بلدنا، بسبب طيش حكّامه وتجاهلهم لحياة الكادحين وسبل عيشهم، في دوّامة الاضطرابات ويدخل مسار تحولات حاسمة. وللأسف، هذه المرة - كما في ثورة 1979 - تفتقر القوى السياسية التقدمية والوطنية إلى الجاهزية اللازمة لوحدة فعّالة وعملية حول برنامج حدٍّ أدنى مشترك، ما يجعل اتجاه التطورات الراهنة مقلقًا للغاية. ومرة أخرى، تحاول دوائر معينة فرض «قائد» على الحركة من الخارج. إن تشتّت القوى التقدمية بلغ حدًا أن بعض التنظيمات والأفراد - حتى قبل أسابيع قليلة - بدل التركيز على الحوار البنّاء والتنسيق العملي والدعم المتبادل (بما في ذلك، وعلى وجه الخصوص، دعم القوى والشخصيات البارزة داخل البلاد مثل مير حسين موسوي أو تاج زاده و17 ناشطًا مدنيًا أعلنوا أن «الانتقال من الجمهورية الإسلامية هو السبيل الوحيد لإنقاذ إيران») -انشغلوا بمقابلات وكتابات تجريدية منفصلة عن واقع البلاد وتهديداتها الخارجية، وبإعادة تعريف «اليسار» وتصفية الحسابات مع القوى التقدمية، في وقت كانت فيه الحركة اليسارية وحزب توده الإيراني يتعرّضان لضغوط وهجمات من الجهاز الأمني - الإعلامي للنظام ومن وسائل إعلام مرتبطة بمعسكر بهلوي والقوى الأجنبية. ومن الواضح أن هذا التشرذم والانقسام والجمود يخدم عمليًا مصالح الدكتاتورية الثيوقراطية والتيارات الملكية.

لقد شدّد حزب توده إيران، عبر نداءاته ووثائقه الرسمية ومقالاته في صحيفته «نامه مردم» واتصالاته المباشرة مع القوى التقدمية والوطنية الأخرى، مرارًا على ضرورة الحوار البنّاء والتعاون العملي حول برنامج حدٍّ أدنى في النضال ضد النظام الاستبدادي الحاكم. فالقوى التقدمية مطالبة بصياغة برنامج مشترك يمكن تقديمه إلى الشعب، وبإعداد الحركة لمواجهة الوضع الحرج الراهن. وبهذا فقط يمكن الأمل في توجيه التطورات لخدمة المصالح الوطنية والمطالب الشعبية. وللأسف، لم تُستثمر هذه الفرصة حتى الآن لتنظيم نضال موحّد وفعّال ضد الدكتاتورية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من قسوة الظروف السائدة في البلاد وعجز القوى الوطنية التقدمية عن التأثير الفعّال في مسار الأحداث، نعتقد أن النضال المناهض للدكتاتورية والدفاع عن السلام والسيادة الوطنية سيستمران لأسباب موضوعية وواقعية. ومن منظور حزب توده إيران، يمكن لإطار مشترك للحوار والاتفاق بين القوى اليسارية التقدمية والقوى الوطنية في المرحلة الراهنة من النضال أن يتضمن الأهداف الأساسية التالية:

·         التوجّه نحو إقامة حكومة وطنية - ديمقراطية، مع الفصل الكامل بين الدين والدولة، بما يشمل جميع المؤسسات الحكومية والتنفيذية، والتشريع، والقضاء، وكافة جوانب التخطيط الاجتماعي.

·         الوقف الكامل للبرامج الاقتصادية النيوليبرالية في القطاعات الأساسية للاقتصاد الوطني.

·         الدفاع عن السلام والسيادة الوطنية، والالتزام بوحدة الأراضي الإيرانية، ومعارضة أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لإيران.

·         إطلاق سراح جميع المعتقلين من العمال والسياسيين وأصحاب الرأي.

إن إلحاح اللحظة يفرض علينا، لإنقاذ البلاد من الدكتاتورية، أن نتكاتف فورًا ونتحرّك دون أي تأخير.

------------------

§         نُقل عن صحيفة «نامه مردم»، الناطقة بإسم حزب توده إيران، (العدد 1251)، 12 كانون الثاني (يناير) 2026.