/
/
/
/

تشهد الهند هجوما على ملايين العمال، ولا يقتصر ذلك على عمال التراحيل، الذين لا يتلقون اي دعم من الدولة في مواجهة اجراءات الاغلاق وتحديد الحركة، بل امتد تاثير الهجوم الى جموع العاملين بعقود دائمة. منذ الاسبوع الأول من ايار الحالي ، علقت ولايتان هنديتان رئيسيتان أوتار براديش وماديا براديش العمل بموجب قوانين العمل في السنوات الثلاث المقبلة. وبذلك انضمت هاتان الولاياتان الى خمس ولايات اخرى سبقتهما في هذا الاجراء ، تحت يافطة مواجهة وباء كورونا، .
الفرق بين المجموعتين، ان الأولى اقرت تعليقا كاملا للقوانين، في حين اكتفت مجموعة الولايات الثانية بتعليق جزئي. والتعليق هنا يعني ، لا وجود لاساس قانوني يحدد ساعات العمل، تحديد تناوب العمل، الأجور أو العمل الإضافي أو الحماية من فقدان فرصة العمل. وكذلك شمل التعليق الحقوق النقابية، مشاركة النقابات في التفاوض الجماعي، وكذلك حق العمال في الاحتجاج. ويحكم الولايتن مثل اغلب الولايات الهندية حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي اليميني العنصري ، حزب رئيس وزراء عموم الهند ناريندرا مودي، الذي يضع على الطاولة، منذ اعادة انتخابه في العام الفائت، مشاريع "اصلاح قانون العمل".
وجراء انتشار الوباء يعاني الاقتصاد الهندي ركودا هائلا . وتعمل نخبة رجال الأعمال على توظيف الوباء للتخلص من قوانين العمل - خاصة في الولايات الخاضعة لحكم حزب بهاراتيا جاناتا، وكذلك الولايات التي يحكمها حزب المؤتمر الهندي المعارض، حيث تتسابق حكومات هذه الولايات لنيل رضى الحكومة المركزية.
يتصاعد الغضب بين اوساط عمال التراحيل، الذين يهجرون مدنهم وقراهم للحصول على فرصة عمل، من الاهمال الحكومي التام لهم. وتعكس تصريحات العمال غضبهم اللامحدود على الحكومة، تقول احدى العاملات المهاجرات الى مومباي، ان الحكومة تنظر الينا وكأننا حشرات وسنموت على شاكلتها.
ومع بدء اجراءات الوقاية ومنع التجوال لم تقدم الدولة لملايين العمال المهاجرين، الذين يأتون غالبًا من القرى البعيدة إلى المراكز الحضرية، اي شيء يذكر، وتعاني هذه الجموع المشردة من فقدان المشرب والمأكل، ومحل الإقامة، فعندما فقد هؤلاء، جراء الإجراءات فرص عملهم، حاولو العودة سيرا على الأقدام الى مناطقهم الاصلية.بعض الولايات التي تمتلك المال وعدد من مبادرات التضامن الاجتماعي، قاماو بتزويد العائدين بما يسد رمقهم في الطريق.
اخيرا وفي 12 ايار اعلن رئيس الوزراء الهندي عن " حزمة كورونا" بتخصيصات تصل الى 240 مليار يورو، اي ما يعادل قرابة 10 في المائة من قيمة الناتج الاجمالي المحلي، ولكن دون تحديد ابواب التخصيصات. وفي هذه الاثناء تتوالى التقارير عن حالات وفاء نتيجة الجوع والعطش والإعياء، والوضع يسير الى التحول الى أزمة انسانية. وفي 15 ايار الحالي دهس قطار حمولة مجموعة من العمال المصابين بالاعياء، اثناء نومهم على السكك الحديدية، وادى الحادث الى وفاة 16 عاملا.
ولا يزال الالوف يحاولون العودة إلى ديارهم. ومع ذلك ، يتزايد الضغط على حكومات الولايات لمنع هذه العودة، لاعتماد الاقتصاد الهندي الشديد على هؤلاء العمال. وفي هذا السياق ألغت حكومة ولاية كارناتاكا، استجابة لضغط لوبي قطاع البناء، القطارات التي أراد العمال العودة بواسطتها إلى منازلهم. وبعد احتجاجات عامة، عادت القطارات الى عملها المعتاد.

حملة اعتقالات ضد ناشطين يساريين

حكومة اليمين العنصري تشجع احياء اشكال النيل من كرامة الانسان، بما في ذلك نظام الهرمية التراتبية الطبقية والاجتماعية، وفق تصنيفات دينية او قومية.وجاء انتشار الوباء ليساعد على العودة الى هذا التمايز الذي الغي في الهند منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين. وتشير التقارير الى وجود قرابة 250 الف ممن يسمون بالدايليت "المنبوذين"، الذي يحتلون موقعا دونيا وفق هذه التراتبية المقيتة. ويتعرض هؤلاء في الوقت الراهن بشكل خاص لعدوى الفايروس، ارتباطا بتنفيذهم اعمال "ضرورية للنظام" مثل عمليات التنظيف، والتخلص من القمامة. ويعاني هؤلاء من عدم توفر ادوات الوقاية، فضلا ان معظمهم غير مسجلين في السجل الوطني، ويفتقدون البطاقة الوطنية، التي تعتبر شرطا للحصول على المعونات الحكومية الخاصة بالوباء.
وفي بداية نيسان قامت وحدات مكافحة الإرهاب في مومباي بالقاء القبض على أناند تيلتمبدي ، أحد أهم مثقفي اليسار، ومن شخصيات حركة الدفاع عن الداليت ، وكذلك التاشط في الدفاع عن حقوق الإنسان غوتام نافلاخا. وفي 8 نيسان ، رفضت المحكمة العليا طلب اطلاق سراحهما، مقابل كفالة، لان قانون مكافحة الارهاب لا يسمح للمعتقلين الاستفادة من امكانية الكفالة. وعلى الرغم من اكتضاض السجون وتزايد امكانية الاصابة بالفايروس حكمت المحكمة بصحة الاعتقال وايداع الناشطين في احد السجون.
وارتبطت حملة اعتقال مجموعة من الناشطين اليساريين بفعالية استذكار احد المعارك المهمة، التي تجسد مقاومة الداليت، والتي تعود الى عام 1818 ، حيث شهدت الفعالية صدامات بين الداليت، والمجموعة الاعلى في الهرم الاجتماعي. وادت الصدامات الى وفاة احد المشاركين واصابة آخرين. وحينها حملت الشرطة تنظيم الفعالية مسؤولية ما حدث، وان المنظمين يرتبطون بعلاقات مع المجموعات الماوية، وان الكلمات التي القيت كانت تحريضية. وفي الفترة حزيران – ايلول 2018 تم اعتقال 9 نشطاء من المثقفين المعروفين، ويبلغ عدد الشخصيات المعروفة المعتقلة الآن 11 شخصية.
وكانت الأدلة التي قدمتها الشرطة حتى الآن حول صلات مزعومة مع الماويين واهية. وبدلاً من ذلك ، أصبح من الواضح أن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي تستخدم بشكل متزايد العلاقات المزعومة مع الجماعات الماوية المحظورة لاضطهاد واعتقال المعارضين لسياساتها العنصرية.

الشيوعيون ووباء كورونا

هناك الكثير مما يمكن تعلمه من تعامل ولاية كيرالا، الواقعة جنوب الهند، مع أزمة الوباء . ومنذ 6 عقود تحكم الولاية حكومة شيوعية،هي الأولى في تاريخ الهند الحديث، وحاليا تقودها جبهة يسارية من الحزبين الشيوعي الهندي (الماركسي)، والحزب الشيوعي الهندي. ويتمثل نجاح التعامل مع الوباء باختبارات مكثفة ، والكشف المبكر عن سلاسل العدوى ، والحجر الصحي الفعال والنظام الصحي الصلب الشامل. ومنذ منتصف نيسان كانت نسبة الاصابات في الولاية قليلة، مقارنة بعدد الاصابات في عموم الهند. واشارت وسائل الاعلام الى ان نسبة حالات الشفاء في الولاية اعلى من حالات الاصابات الجديدة.
حذرت الحكومة المحلية من المبالغة في هذا التطور الايجابي، على الرغم من عدم امكانية التغاضي عنه بالمقارنة مع مسار الأزمة على الصعيد الوطني. ويعود ذلك النجاح الى الدور المميز للقيادية في الحزب الشيوعي (الماركسي)، وزيرة الصحة والشؤون الاجتماعية شالاجا.لقد فرضت الوزيرة تنفيذ تدابير الحماية بشكل مبكر ومستمر منذ 18 كانون الثاني الفائت، وقبل 3 اسابيع من ولايات الهند الأخرى. بالاضافة الى ذلك اعلنت إنذارا صحيا وأدخلت فحوصات الفايروس في مطارات الولاية الأربع ، وفرض على المسافرين الخضوع لها، مع تقديم استبيانات كاملة . وفي بداية شباط كانت هناك خلية ازمة من 24 مسؤولا ومختصا.
وعندما اعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 اذار كورونا وباء عالميا، لم تكن حكومة اليمين الاتحادية بزعامة رئيس الوزراء اليميني المتطرف ناريندرا مودي راغبة في متابعة الأمر والتحرك السريع ً. وفي الوقت نفسه ، اتخذت حكومة كيرالا المرحلة التالية في التعامل مع الأزمة: وأمر رئيس الوزراء، والقيادي في الحزب الشيوعي (الماركسي) بيناراي فيجايان ، بإغلاق المدارس وحظر التجمعات الكبيرة ونصح المؤمنين من الهندوس والمسلمين والمسيحين بالتوقف عن زيارة مرافقهم الدينية. وبدأت الحكوم بموازاة ذلك بتقديم المساعدات، وخصوصا لتلاميذ المدارس من الفقراء المعتمدين على الوجبات الغذائية التي يحصلون عليها من المدرسة.
لقد نال تعامل الولاية مع الأزمة اعترافا دوليا، وفي تصريح لوزيرة الصحة لوكالة اخبار الخليج الاماراتية ، أشار الوزيرة إلى عامل ثانٍ هام الى جانب التدابير المؤثرة والسريعة، وهو متانة النظام الصحي الفعال والمتطور، مقارنة بولايات الهند الأخرى. لقد تم بناء هذا النظام وتطويرة باستمرار من قبل حكومات اليسار المتعاقبة في الولاية.
لقد فاق نجاح ولاية كيرالا بنفوسها البالغة أكثر من 34 مليون، مثيلاتها في الولايات المتحدة الامريكية مثل كاليفورنيا. وامتازت تجربة الولاية بتعاون وثيق بين الحكومة والحركات الاجتماعية، ومنظمات الشبيبة الشيوعية، ومنظمات النساء، والنقابات والمتطوعين الشيوعيين في تقديم الاماكن والحافلات. بالاضافة الى حملات إعلامية مباشرة وواسعة. وتقديم الغذاء المجاني، وضمان دفع الرواتب التقاعدية، بالاضافة الى تقديم الغذاء والمأوي لمئات الألاف من العمال المهاجرين المحاصرين في ولايات اخرى بسبب الاجراءات المرتبطة بالأزمة. كان شعار الولاية للتعامل مع الأزمة يعكس طبيعة حكومتها الطبقية والفكرية:"التباعد المادي والوحدة الاجتماعية".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل