/
/
/
/

تعيش فرنسا منذ شهور موجة جديدة من الاحتجاجات تشارك فيها غالبية السكان ضد السياسة الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية الجديدة للمستثمر المالي والرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، الذي انتخب لهذا المنصب في ايار 2017. وكشف استطلاع للرأي نشرته قناة "فرانس إنفو" في بداية شباط الجاري، أن 64 في المائة من الفرنسيين يعتقدون الآن أن ماكرون "رئيس سيئ". ومنذ 5 كانون الأول 2019، نظمت اتحادات نقابات العمال، غير الموحدة دوما، احتجاجًا ضد "إصلاحات" ماكرون للنظام الاجتماعي وعالم العمل. فبعد تمرير "اصلاح" قانون العمل والتأمين ضد البطالة، لصالح ارباب العمل وبواسطة المراسيم الجمهورية، بعيدا عن مناقشتها من قبل السلطة التشريعية، يعمل الرئيس في إطار خطته لتفكيك دولة الرفاه، على "اصلاح" نظام التقاعد الحكومي، والعمل بأنظمة التقاعد الخاصة.

وقد نشرت جريدة "اليونغه فيلت" الالمانية في عددها الصادر في 15 شباط الجاري حوارا مع كارل غازي سكرتير منطقة باريس لنقابات سي جي تي العمالية اليسارية القريبة من الحزب الشيوعي الفرنسي، والتي هي ثاني أكبر الاتحادات العمالية في فرنسا وتضم في عضويتها 650 ألف عامل.

  وتناول غازي في الحوار الاحتجاجات العمالية الأخيرة ضد محاولات الحكومة "اصلاح قانون التقاعد" ومقاومة النقابات العمالية الفرنسية للمشروع، وقدم قراءة للوحة السياسية الراهنة في فرنسا، وانعكاس حركة الاحتجاجات على الجولات الانتخابية، بمستوياتها المختلفة، والتي ستجري في الشهور والسنوات المقبلة. ونظراً لأهمية الموضوعات الواردة في الحوار سنتناولها في إطار عرض عام للتطورات في فرنسا.

 وفي البدء اليكم تعريفا مختصرا بكارل غازي.   

يبلغ غازي 52 عاما من العمر وهو سكرتير متفرغ لاتحاد نقابات سي جي تي لمنطقة باريس. عمل في شركات تجارة المفرق، وكان كادرا نقابيا في اتحاد نقابات سي ف دي تي المسيحية الديمقراطية، والتي يشير غازي الى علاقتها الودية بقوى الرأسمال، وهي أكبر نقابات عمال القطاع الخاص. غادر غازي في عام 2000 الاتحاد المذكور، وانتقل وزملاؤه في الشركة التي يعمل فيها الى صفوف الاتحاد النقابي سي جي تي.

 بالإضافة الى ذلك يشغل غازي منصب الرئيس المشارك لمؤسسة كوبرنيك، وهي مركز يهتم بالفكر اليساري تأسس في عام 1998، ويعد بمثابة بورصة للعمل الفكري، موجهة الى جميع من لا يريدون التخلي عن فكرة تغيير العالم.

استمرار الاحتجاجات 

وصف مجلس الدولة الفرنسي، الذي يراجع مشاريع القوانين الحكومية المهمة بالنسبة للمجتمع، مشروع قانون "إصلاح المعاشات التقاعدية" للرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس وزرائه إدوارد فيليب بأنه "رث" و"غير مكتمل" في كثير من النواحي.  ومن جانبها بدأت الهيئة حديثة التشكيل، والتي تسمى "مؤتمر الممولين"، العمل على التوصل إلى "تسوية للمعاشات التقاعدية"، ووضع خطة مالية للعقود والأجيال المقبلة. ويحاول ماكرون التحدث على الأقل إلى النقابات العمالية، ومن الواضح ان احتجاجات النقابات اليسارية ستستمر، مطالبة بسحب مشروع القانون. وستشارك نقابة الـ سي جي تي في مؤتمر الحوار مع الحكومة، وفي حال عدم وجود ارضية للتفاوض سينسحب وفد النقابة. وهذا ما حدث في 19 شباط، اذ اعلنت النقابة انسحابها من مؤتمر التمويل الذي دعا اليه رئيس الوزراء ادورد فليب. وقالت كاتارينا بيري الشخص الثاني في قيادتها في تصريح اذاعي: "ليس لدينا ما نفعله في هذا المؤتمر. وسننظم مؤتمرنا الخاص في آذار لأن لدينا خططا جدية لتمويل المعاشات التقاعدية" ولن نشارك في" العمل على إصلاح نرفضه من حيث المبدأ".

 وعادت الاحتجاجات العمالية الحاشدة في اليوم التالي الى الشوارع، لأن موقف النقابة هو رفض خطط "الاصلاح" الحكومية، فالنقابة ترفض تعميق عدم المساواة وترسيخها، وتريد عبر الاحتجاجات والاضرابات فرض منطق مختلف للمناقشة واتخاذ القرارات. وستنظم الـ سي جي تي ونقابات اخرى مؤتمرا مضادا في اذار المقبل لمناقشة كيفية تمويل إصلاح حقيقي وعادل. فقانون التقاعد النافذ يحتاج الى تطوير، على الرغم من انه الأفضل في العالم، لكن ماكرون وحكومته طرحوا مشروعا فيه الكثير من التمييز ضد النساء، كما انه سيئ ماليا بالنسبة للعمال الأجراء والعاطلين عن العمل. وهكذا فان الحكومة تهاجم نظاما تقاعديا نافذا قائما على التضامن.

فقد فشلت مراهنات الحكومة على صعوبات مالية قد تواجه نقابة سي جي تي، حيث اعلنت النقابة ان خزانتها الفارغة قبل شهر امتلأت مجددا بفضل التبرعات الوفيرة من داخل فرنسا ومن البلدان المحيطة. وحتى 19 كانون الثاني استطاعت النقابة ان توزع 2.3 مليون يورو على العمال المضربين. وقد فقد عدد كبير من العمال المضربين، منذ يوم الاحتجاج الأول في 5 كانون الاول من العام الفائت، رواتبهم التي تصل الى 3 آلاف يورو. في حين يبلغ الاحتياطي المالي لاتحاد نقابات سي أف دي تي، وفق معطياتها المعلنة 126 مليون يورو، ولا تخصص هذه الاموال لدعم المقاومة المتصاعدة لسياسات الليبرالية الجديدة، بل ينحصر توظيفها لتمويل الدعاوى المطروحة امام القضاء.

طبيعة التغييرات الحكومية

نقطة الجدل الرئيسة في مشروع قانون التقاعد هو الحد الأعلى لسن التقاعد. فالمشروع الحكومي يريد رفعه الى سن 64 عاما، بدلا من 62 عاما في القانون النافذ. وفي مهن أخرى يبلغ الحد الأعلى 58 عاما كما هو الحال بالنسبة لعمال السكك الحديدية. ويمثل الحد الاعلى لسن التقاعد خطا أحمر بالنسبة للنقابات العمالية واكثرية العاملين من السكان. ولم يغير من الأمر شيئا التعديل اللغوي في صياغة مشروع القانون الجديد، والذي اجرته الحكومة تحت الضغط. ان الـ سي جي تي تعتمد معيارين عند مناقشة هذه القضية: هما متوسط العمر، وقدرة المتقاعدين على العيش بصحة جيدة وبدون مشاكل كبيرة بعد مغادرتهم مواقع العمل. وان رفع سن التقاعد الى 64 أو 67 عاما يعني ان العمال يغادرون العمل عندما يكونون ضعفاء ومرضى، كما ان مشروع القانون الحكومي لا يأخذ بنظر الاعتبار أن متوسط العمر المتوقع للعامل يقل كثيرا عن متوسط عمر العاملين في المكاتب، اي ان هناك اختلافاً كبيراً في فهم متوسط العمر والتعميم يلغي الفوارق بين العاملين.

ومن جانب آخر لا يجد من يبلغ 60 عاما من العمر على الدوام فرصة للعمل، وإذا ما تم رفع سن التقاعد، فان ذلك سينعكس على الاجيال الشابة، التي ستصادف المزيد من المشاكل في طريق بحثها عن فرصة عمل تتناسب مع تحصيلها المهني. بالإضافة الى ان نسبة البطالة في البلاد تبلغ حاليا 8.5 في المائة، وهي ليس مشكلة عابرة.

ان الرابحين من المشروع الحكومي هم المؤسسات المالية، التي تدير صناديق التقاعد الخاصة مثل شركات التأمين العملاقة والمصارف. والموظفين القادرين على تحمل تكاليف اضافية سوف يستخدمون أنظمة التقاعد الخاصة ويستثمرون في المشاريع الموجهة نحو رأس المال حتى يتمكنوا من الحفاظ على مستوى معيشتهم المعتاد بعدما يتقدم بهم العمر. وتفتح سياسات الرئيس ماكرون السوق للخدمات الاجتماعية، وبالتالي تمهد الطريق لنموذج مجتمعي مختلف وخاطئ وغير تضامني. لهذا تقف نقابات سي جي تي في طليعة الرافضين لهذا النموذج وتأثيراته الكارثية على حياة الأجيال. والمقابل يصف المعسكر الحكومي هذ الموقف بالكابح والمعيق لـ "إصلاحات" يفترضون أنها ضرورية للغاية. وليس الـ سي جي تي وحدها التي تنتقد هذا المشروع، بل ان ثلثي الفرنسيين يرفضون سياسة ماكرون.

صعوبات تواجه الحركة النقابية

 وعموما تواجه النقابات رئيس جمهورية شديد العجرفة، يمتلك اكثرية في السلطة التشريعية خاضعة لتوجيهاته، وبالتالي لديه امكانية فرض "اصلاحاته" بالضد من رغبة المحتجين واكثرية السكان. ومن جانب آخر لم تعد الحركة النقابية تمتلك منظمات قوية في قطاع التصنيع. ولكنها تمتلك وجودا قويا في قطاعات النقل: السكك الحديد والحافلات والنقل المحلي العام، ويمكنها التأثير بواسطة الإضرابات. وللنقابات وجود محدود في قطاعات صناعة النسيج والتجارة، يبلغ 2 في المائة، فضلا عن ان القوانين الجديدة، التي عززت هياكل الاستغلال الرأسمالي، اضعفت النقابات بشدة. وأصبح من الصعب الوصول الى العمال الأجراء في قطاعات التجارة وفي صناعة الغزل والنسيج وفي صناعات أخرى، اذ لم يعد العمال متعاقدين مع الشركة المعنية مباشرة، بل يأتون من خلال مكاتب اعارة العمال الخاصة، ويعملون بعقود مؤقتة فقط. وقد انتشر نموذج العمالة غير المستقرة، في البلدان الرأسمالية، مع اتساع هيمنة الليبرالية الجديدة.

سياسيا تواجه النقابات فقدان العلاقة القوية بقوى اليسار كالحزب الشيوعي، والحزب الاشتراكي، والتشكيلات اليسارية حديثة التشكيل. وبالتالي فان الرابطة القوية بين الحزب الشيوعي والطبقة العاملة لم تعد قائمة بشكلها السابق. ولم يعد للنقابات تشبيك بين عالم العمل الحقيقي وعالم النقابات. في الماضي كانت هذه العلاقة طبيعية ولا قلق بشأنها. واليوم هناك حركة مقاومة ضد ماكرون يدعمها أكثر من 60 في المائة من السكان، واليسار السياسي لا يمكنه توظيفها لصالحه. على عكس الفاشيين الجدد بزعامة مارين لوبان.

لقد حاولت جميع الحكومات الليبرالية الجديدة في أوروبا بدءا من حكومة مارغريت تاتشر إضعاف النقابات أو القضاء عليها باعتبارها منظمات عمالية قوية ووسيطا بين العمل المأجور وشركات الرأسمال. وان خطة ماكرون ومنذ البداية تسير في هذا الاتجاه. ومن الصعب القول ان سي جي تي اصبحت أكثر قوة خلال الاحتجاجات بعد كل الهزائم التي عانت منها الحركة النقابية عموما. ومع ذلك فقد بينت تجربة حركة "السترات الصفر"، امكانية قدوم المقاومة من الخارج ايضا، وبإمكان هذه المقاومة ان تتحد مع النقابات. وان المقاومة ضد ماكرون نظمت بشكل رئيس من قبل العاملين في السكك الحديد وشركة النقل الباريسية. ولقد عانوا من هزيمة شديدة، وفي الحقيقة هُزموا بالكامل من قبل الحكومة ومدراء الشركات. لكنهم نهضوا مجددا وتصرفوا وكأنهم لن يهزموا. المرء يناضل حتى وان لم ينتصر، فالمهم ان لا يتملكه شعور بالهزيمة.

الاتحاد النقابي المنافس لـ سي جي تي هو الاتحاد الديمقراطي الفرنسي للعمل، الذي يراهن على نوع من "السلام الاجتماعي" القائم على النموذج الألماني، حيث يجلس المدراء التنفيذيون والنقابيون بشكل مريح على طاولة واحدة مع الحكومة وفي النهاية "يفوز الجميع"، كما يقول ماكرون. وان حكاية هذا الاتحاد النقابي، وسكرتيره العام لوران بيرغر معقدة، لان الأخير يقبل بالرأسمالية ويقف على رأس منظمة شديدة المركزية. وهذا يعني أنه يسيء استخدام قاعدته. فبينما يجلس على طاولة المفاوضات مع ماكرون وفيليب، تنزل قواعده إلى الشوارع. وقد انطلت عليه لعبة التغيير اللفظي الذي اجرته الحكومة على مشروع القانون. ولم يفهم بيرغر أن ماكرون ليبرالي جديد ملتحف بالصوف، يعمل على فرض سياساته بصرف النظر عن الخسائر المترتبة عليها. وان ماكرون ليس شيراك، الذي اعتقد أن اليميني المحافظ يجب أن يكون لطيفًا مع النقابات. وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة للمراهنين على تجاوب الحكومة.

وعلى اساس ما تقدم فان سي جي تي ونقابات اخرى متمسكة بعقد مؤتمرها البديل للتمويل، والرئيس يريد ملء الخزانة بمساعدة رفع سن التقاعد للعاملين بأجر. بينما النقابات اليسارية تقول ان هناك مالا وفيرا، ولكنه يستثمر في المكان الخطأ، مثلا في تقديم الهدايا الضريبية، التي تبلغ المليارات، الى الشركات. والى جانب ذلك تجري مناقشة التحضير لاستفتاء عام، يمكن فيه للسكان التصويت على البدائل المطروحة.

الانتخابات الرئاسية المقبلة

 يرصد المتابع اغلبيتين في فرنسا: الأولى تجلس في الجمعية الوطنية وتدعم "إصلاحات" سيدها ماكرون دون تحفظ. والأخرى تحتج منذ شهرين بشكل مستمر ضد هذه "الإصلاحات" في الشوارع وتتحمل اعباء مالية كبيرة. وبشأن انعكاس هذا الصراع على الانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2022، يمكن القول ان خطة ماكرون بسيطة. وهي السير على خطى سلفه المحافظ جاك شيراك، باعتباره الشخص الوحيد القادر على منع اليمين الفاشي الجديد بزعامة مارين لوبان من الوصول الى زعامة البلاد.

 ان ما يدور في فرنسا ظاهرة ديمقراطية بلا قاعدة: احتجاج خارج الإطار المعتاد، والذي لا يستطيع اليمين المتطرف توظيفه. وحكومة ماكرون لا تمارس الدكتاتورية، ولكنها تمارس استبدادا "ديمقراطيا" راسخا بواسطة أغلبية برلمانية. هذا التناقض يعكسه خطاب اليمين المتطرف بزعامة لوبان. فشعار ماكرون، "لا يمين ولا يسار"، الذي ساعده على الفوز في الانتخابات، هو محض خداع ولقد فهمت ذلك مارين لوبان على عكس والدها وسلفها في زعامة الفاشيين الجدد، ويمكنها الفوز في انتخابات الرئاسة المقبلة. فالمؤشرات في فرنسا وعموم اوربا تقول ان نجاحات اليمين المتطرف والفاشيين الجدد الذين ولدوا في رحم اليمين التقليدي، وهي في دور الانقلاب عليه.

ولا يمكن المراهنة على صراعات داخلية في حزب ماكرون "الجمهورية الى امام"، فأكثرية كوادر الحزب لم ينحدروا من الوسط السياسي المحترف، وهذه الأكثرية ارتبط صعودها السياسي بشخص الرئيس، الذي وجدوا فيه البطل الذي سيواجه كراهية الاجانب، ويتبنى سياسة معتدلة تجاه اللاجئين، وبالتالي يستطيع وبثقة مواجهة لوبان ومعسكرها. اما على صعيد الجمهور فان الكثير من الناخبين اداروا ظهورهم الآن لحزب الرئيس. حيث انخفضت شعبية ماكرون الى أقل من 30 في المائة. ووسائل الإعلام في البلاد، بمختلف انواعها تحصر السباق الانتخابي، منذ الآن، في مبارزة بين لوبان وماكرون. بالاضافة الى ان اليسار لم ينجح في توظيف المقاومة الواسعة ضد ماكرون لصالحه، ناهيك عن عدم قدرته على الاتفاق على مرشح يساري مشترك. لكن حسابات ماكرون بشأن الانتصار السهل على لوبان لن تنجح في المرة المقبلة. ومن المحتمل جدا، ان لا تقف شركات رأس المال الكبيرة بالضد من لوبان، لان هذه لا تشكل بالمطلق خطرا على مصالحها.

وستجري في فرنسا في آذار المقبل انتخابات رؤساء البلديات، ويمكن ان يعاقب الناخبون حزب الرئيس، وسيدفع ماكرون ثمنا سياسيا باهظا، لان الاحتجاجات لم تقتصر على عمال السكك الحديد، اذ يمكن الاشارة الى احتجاجات المحامين التي شلّت ولو الى حين القضاء الفرنسي. وهؤلاء لا ينتمون الى الطبقة العاملة.

 هذه مقاومة يمكن أن تحدث شيئًا ما. وهذا ما سيقوله المستقبل. وهو لا يعني انحسار دور النقابات العمالية، فسيظل موقفها الاجتماعي مهمًا وضروريا دائمًا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل