/
/
/
/

خسر حزب اليسار اليوناني الانتخابات البرلمانية العامة في تموز 2019، لكنه حصل على 31.5 في المائة من أصوات الناخبين، في حين بينت التجربة التاريخية أن الأحزاب، وخاصة أحزاب اليسار والوسط واسعة التمثيل، بما في ذلك الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية خسرت نسبا كبيرة من ناخبيها، بسبب تأييد وتنفيذ برامج التقشف القاسية. لذلك ينظر المتابعون باهتمام واندهاش الى محافظة حزب اليسار اليوناني على حضور قوي مؤثر في الساحة السياسية، بعد أربع سنوات ونصف من الحكم في ظروف استثنائية اجبرته على تنفيذ برنامج تقشف صارم.
ومن المبكر تقديم تفسير ناجز لهذه الظاهرة بعد مرور سنة واحدة فقط، ولكن فيما يلي محاولة أولية لعرض الأفكار التي تتناول الأسباب المحتملة لنجاح الحزب.
لا يمكن اعتبار الحزب من عينة "الأحزاب الجديدة". لقد دفعت الأزمة المالية في اليونان ورفض أكثرية السكان لسياسة مذكرات صندوق النقد الدولي بالحزب الى السلطة. بالإضافة الى ان للحزب جذورا سياسية واجتماعية عميقة تعود إلى أواخر الثمانينيات، وبعض المتابعين يذهب بعيدا الى عقدي السبعينيات والستينيات، أي ان الحزب ليس كيانا طارئا على الساحة السياسية. ومن ناحية أخرى، اهتزت لوحة الأحزاب السياسية في البلاد مبكرا، في العام 2012. وجاء دعم الناخبين لحزب اليسار، ضمن أمور أخرى، نتيجة لانهيار حزب "باسوك" الديمقراطي الاجتماعي، الذي كان مهيمنا على ساحة اليسار بالمعنى الواسع. وبالتالي تلقى حزب اليسار دعم الناخبين الباحثين عن حالة من الاستقرار في البلاد.
اضطر الحزب إلى تنفيذ تدابير التقشف المفروضة عليه. من قبل اللجنة الثلاثية المكونة من صندوق النقد، البنك المركزي الأوربي، والمفوضية الاوربية، التي تضمنت تخفيضات كبيرة في المعاشات التقاعدية بالإضافة إلى زيادة الضرائب لتوفير مليارات من الدولارات. لقد نفذ الحزب سياسة لا تتفق مع برنامجه مجبرا، ولكن بطريقة تختلف عن حكومتي الباسوك واليمين المحافظ السابقتين.

برنامج موازٍ

لقد بذلت حكومة اليسار جهودا لتوزيع عبء إجراءات التقشف الثقيل بشكل عادل بين مختلف الطبقات الاجتماعية. واتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات المضادة الإيجابية التي شكلت برنامجا موازيا تضمن تدابير لتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال الحد من عدم المساواة ومكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي وحماية الحقوق الاجتماعية الأساسية وإعادة تنظيم سوق العمل، وإدخال فكرة نموذج جديد للتنمية مثل قانون الطاقة الاجتماعية وإعادة هيكلة برامج الاستثمار العام.
واولى الحزب اهتماما استثنائيا لاحترام الديمقراطية، وهو عامل مهم ضمن دعم السكان، على عكس التجربة السابقة التي كانت فيها الديمقراطية دائمًا الضحية الأولى لسياسة التقشف في اليونان تحت غطاء مقولة "لا وجود لبديل آخر". لقد أصر حزب اليسار على احياء الحياة البرلمانية، مصحوبة بشفافية غير مسبوقة بشأن المفاوضات الصعبة مع ممثلي اللجنة الثلاثية.
لقد كان لموقف الحزب من مكافحة الفساد دور مهم في تعزيز ثقة الناس بقيادته وكوادره، بعد ان هزت، في العقد الماضي، العديد من فضائح الفساد الكبرى مثل الرشوة وفضائح غسل الأموال في الوسط السياسي. وفي هذا السياق عززت حكومة اليسار دور القضاء وسنت قوانين تشجع فتح ملفات الفساد، وتقوم على مبدأ الشفافية، وخصوصا في القطاعات التي تمس حياة الناس مباشرة مثل قطاعي الصحة والمال.
وتبنت حكومة اليسار سياسة تقدمية في تعزيز الحريات الشخصية، وحماية حق الافراد في اختيار طريقة عيشهم، وممارسة خصوصياتهم، ونفذت اصلاحا في مجال التعليم، وخصوصا الدراسات الدينية.
واعتمدت حكومة اليسار سياسة خارجية تقدمية، وتمكنت من حل النزاع حول الاسم مع مقدونيا الشمالية. وقد رفع هذا النهج من سمعة اليونان في المحافل الدولية.
ويبدو أن الناخبين أيضًا قدّروا إدارة حكومة اليسار للعدد الكبير من اللاجئين والمهاجرين الذين تدفقوا إلى اليونان في صيف عام 2015. خاصة فيما يتعلق بالظروف المعيشية في مجمعات اللاجئين. وعلى الرغم من المشاكل السياسية الداخلية الهائلة، فقد بذلت جهودا كبيرة لحل مشكلة اللاجئين مع الشركاء الأوروبيين وحماية الحقوق الأساسية للاجئين، وفي الوقت نفسه مواجهة الهجمات العنصرية لليمين المتطرف والمحافظ.
لقد برهن حزب اليسار خلال سنوات حكمه على احترام هويته اليسارية وقدم قادته وكوادره درسا الى المجتمع من خلال تمسكهم بقيم التضامن والتسامح والحوار البناء.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل