اسم لينين، منذ نعومة أحزاني، سمعته من معلمي الأول خريج (نكرة السلمان) وسجن بغداد وسجن البصرة، سمعته من المعلّم الجميل والخيّاط الأنيق محمد مسعود (طيّب الله ثراه) ثم رأيتُ صورة لينين أغلفة ً على (ما العمل؟) (الدولة والثورة) ( خطوة للأمام خطوتان للخلف) (مرض اليسارية الطفولي) (الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية)

(مهمات منظمات الشباب)، هذه العناوين مع مرحلة المتوسطة، صرنا نتحاور فيها ضمن التثقيف الجماعي، في عيد الفطر 1973 اشتريت مجلد سيرة لينين، ترجمة المثقف الشيوعي عزيز سباهي، وكان سعر الكتاب، قد صادر كل العيديات التي حصلت عليها من عائلتي، كان سعر الكتاب دينار ونصف الدينار، يومها الدينار العراقي (3.3) دولار، وقبل عيد الأضحى اشتريت كتابين مهمين (عشرات أيام هزة العالم) للصحفي جون ريد، وكتاب (متى يطلع الفجر يا رفيقي) الكتاب الثاني سيرة روائية لثورة أكتوبر مؤلفه جون بول أوليفيه . في 2017 اطلعت على رواية تيلمان شبنغلر (دماغ لينين) وفي السنة الماضية تنزهت قراءتي في رواية ريتانا أرميني (عشق سري حكاية إنيسّا ولينن)

(*)

بين الحين والآخر، أعود إلى ما تبقى لدى عائلتي من مطبوعات دار التقدم / موسكو التي دفنتها في حديقة البيت بعد أن رزمتها أمي (طيّب الله ثراها) في أكياس من النايلون

 (مقالات حول تولستوي)

كراس من (23) صفحة، صادر في 1968/ دار التقدم/ موسكو، اشتريته من مكتبة (دار الكتاب) لصاحبها الأستاذ ودود وهو أسم على مسمّى التقيتُ قبل سنوات في مقر حزبنا في ساحة الأندلس. عنوان الكراس(مقالات حول تولستوي) من تأليف لينين، أربع مقالات، نشرها لينين في الصحف الروسية، قبل ثورة أكتوبر(ليون تولستوي) (تولستوي والحركة العمالية المعاصرة) (تولستوي والنضال البروليتاري) (تولستوي وعصره)

(*)

بين الحين والآخر تتنزه قراءتي في هذا الكراس الثمين فأكون على مقربة من لينين الناقد الأدبي الكبير والقارئ النهم للأدب والمتتبع النوعي لكل ما يصدر في الحراك الثقافي

(ليون تولستوي)

تبدأ المقالة الأولى هكذا (لقد توفي ليون تولستوي. وإن أهميته العالمية كفنان وشهرته العالمية كمفكر وواعظ، تعكس كل منهما على طريقتها، الأهمية العالمية للثورة الروسية/ 3)

وهذه شهادة من لينين أن ليون تولستوي هو مرآة الثورة الروسية، والمقالة مكتوبة، بعد رحيل تولستوي بعدة تسعة أيام من رحيل تولستوي، في صحيفة سوسيا ديموقراط 29 نوفمبر 1910

(*)

يرصد لينن جدلية الذات/ الموضوع، ذات تولستوي والوضع الاقتصادي لروسيا آنذاك (برز تولستوي كفنان كبير منذ عهد التقانة، ففي عدد من مؤلفاته العبقرية التي كتبها في فترة تزيد على نصف قرن، وصف على الغالب روسيا القديمة قبل الثورة التي ظلت حتى بعد عام 1861 في حالة نصف قنانة، روسيا الملاّك العقاري والفلاح، ينتقل لينين نحو تثمين الدور الفني والتوعوي في مؤلفات تولستوي الذي (وصف هذه الحقبة التاريخية من الحياة الروسية، فقد استطاع أن يطرح في مؤلفاته عددا كبيراً من المسائل الهامة) ولينين لا يقتصر رصده على أهمية مواضيع تولستوي، بل يتوقف عند قدرات تولستوي الفنية ( .. وأن يسمو إلى درجة من القدرات الفنية بحيث أن مؤلفاته شغلت إحدى المراتب الأولى في كنز الأدب العالمي) ثم ينتقل إلى فاعلية مؤلفات تولستوي

في بث اليقظة الثورية (أن عهد إعداد الثورة في أحد البلدان الرازحة تحت نير القنانة قد ظهر، بفضل عبقرية وصف تولستوي له، خطوة إلى الامام في مضمار التطور الفني للإنسانية جمعاء) يعود لينين إلى التخلف في البنية الاجتماعية في روسيا وكيفية معالجة هذا التخلف من أجل تولستوي (أن تولستوي الفنان معروف لدى أقلية ضئيلة فقط حتى في روسيا. ولكي تصبح مؤلفاته العظيمة في متناول الجميع حقا وفعلا، لا بد من خوض النضال الدائب ضد هذا النظام الاجتماعي الذي فرض على الملايين وعشرات الملايين من الناس حياة الجهل، والبلادة، والعمل الشاق والبؤس، لا بد من الانقلاب الاشتراكي) لينين يعرف القيمة الإبداعية العظمى لدى تولستوي، فهو يعي جيداً أن قراءة مؤلفات تولستوي تزيد الإنسان الروسي جمالية ً ووعيا ً ثوريا ضد الملاكين العقاريين والرأسماليين والسبب أن تولستوي (عرف َأيضا كيف يعكس بقوة رائعة الحالة الفكرية للجماهير الواسعة المظلومة من قبل النظام القائم ويصف وضعها، ويعبر عن مشاعرها العفوية، مشاعر الاحتجاج والغضب..) ثم يحدد لينين بصفته قارئ نوعي لمؤلفات تولستوي، الحقبة الإبداعية الكبرى للمفكر والروائي تولستوي بين 1861- 1904 وهي حقبة تكاد تكون على مشارف نصف قرن روسي محتدم، في هذه الحقبة، تولستوي

(جسدّ في مؤلفاته كفنان وكمفكر وواعظ، ببروز مدهش وأصالة خاصة السمات التاريخية التي تميزت بها الثورة الروسية الأولى بأكملها، بما فيها من قوة وضعف)

(*)

يؤكد لينين أن مؤلفات تولستوي، عايشت حركة الفلاحين الجماهيرية، ورصدت ضعفها وقوتها، وكان تولستوي متضامناً ومتحمساً، ومحتجاً بلا هوادة في بعض الأحيان على الدولة والكنيسة الرسمية. من جانب آخر أن تولستوي

كان يرفض رفضا شديداً الملكية الخاصة للأرض.

(*)

يرصد لينين خوف الفلاح تولستوي من الرأسمالية والتي صار يفضحها فهي عدو جديد خفي، غير مفهوم يأتي من مكان ما من المدينة أو من الخارج، ويقوّض جميع (دعائم) الحياة الريفية ويحمل معه خراباً لا مثيل لهُ، والبؤس، والموت جوعاً، والعودة إلى الحالة المتوحشة، والدعارة أي جميع نكبات عهد التراكم البدائي. يتضامن لينين مع تولستوي المحتج المتحمس، والمتهم المندفع، الذي أظهر في الوقت ذاته في مؤلفاته عدم فهم لأسباب الأزمة الزاحفة على روسيا، ولوسائل الخروج منها، جدير بالفلاح البطريركي الساذج فقط، لا بكاتب أوربي الثقافة. إن الكفاح ضد الدولة الاقطاعية والبوليسية، وضد الملكية، قد تحول عند تولستوي إلى (إنكار للسياسة، وأدى إلى مذهب عدم مقاومة الشر، وانتهى به الأمر في سنوات 1905- 1907 وقد جمع بين النضال ضد الكنيسة الرسمية والدعوة إلى دين جديد، أي إلى سم مصفى من أجل الجماهير المظلومة) بسعة تفكيره ِ العبقري يرى لينين أن نكوص تولستوي متأت من أنظمة السلوك الجمعي وتأثيراتها على تولستوي(أن التناقضات في وجهات نظر تولستوي ليست تناقضات فكره الشخصي وحده، إنما  هي انعكاس للظروف والتأثيرات الاجتماعية والتقاليد التاريخية المعقدة والمتناقضة بالغ التعقيد والتناقض والتي حددت نفسية مختلف الطبقات ومختلف أوساط المجتمع الروسي في الحقبة التالية للإصلاح ولكن السابقة للثورة)

(*)

لا يفهم تولستوي وهو يعرف قيمته الحقيقة، إلا عبر منظور طبقي عمالي،  هكذا فهو لينين( لا يمكن تقدير تولستوي تقديرا صحيحا إلا من وجهة نظر تلك الطبقة التي برهنت، بفضل دورها السياسي ونضالها أثناء أول انفجار لهذه التناقضات أي من خلال الثورة) لينين لا يحتكرا تولستوي. بل يقصد تعرية  إعلام الحكومة القيصرية فهو يعلن (أنظروا إلى تقدير تولستوي في الصحف الحكومية. أنها تذرف دموع التماسيح، مؤكدة احترامها (للكاتب الكبير)، ومدافعة في الوقت ذاته عن المجتمع(المقدس) في حين أن الآباء القديسين قد ارتكبوا خسة بالغة الحطة، إذا أرسلوا الكهنة إلى تولستوي وهو يحتضر، لكي يخدعوا الشعب، ويقولون إن تولستوي قد(تاب)..). كما يفضح لينين الصحف الليبرالية، التي تعمد إلى الجملة الفارغة، الليبرالية الرسمية المبتذلة، وهي تصف تولستوي (صوت الإنسانية المتمدنة) (الصدى العالمي ) (أفكار الحقيقة والخير. والصحف الليبرالية في مثل تلك التوصيفات تريد أن تتحاشى قول الحقيقة، أو كما يقول لينين (الصحف الليبرالية لا تستطيع أن تعبر بكل وضوح وصراحة عن تقديرها لآراء تولستوي فيما يخص الدولة، والكنيسة، والملكية الخاصة للأرض، والرأسمالية) وهنا يزيد لينين من هتك الزيف الإعلامي لليبرالية ، فالتزييف لديها ليس بسبب الرقابة على الصحافة، بل العكس أن الرقابة (على العكس تساعدها في التخلص من الورطة، بل لأن كل موضوعة واردة في انتقاد تولستوي هي صفعة لليبرالية، لأن مجرد طرح أقسى المسائل وألعنها في عصرنا من قبل تولستوي بصورة سافرة وجريئة وحادة لا هوادة فيها تصفع الجمل المنمقة الجامدة.

(*)

يعود لينين إلى السطر الأوّل من مقالته (لقد توفي تولستوي ) في عودته  سيضيف الجملة التالية (وغرقت في لجة الماضي روسيا ما قبل الثورة)  هنا تتنشط كشوفات لينين بخصوص عبقرية تولستوي، الذي من خلال ظلامية اللحظة الروسية حاول أن يبحث عن مستقبلها، فهي روسيا التي أنعكس ضعفها وعجزها في فلسفة هذا الفنان العبقري، لأن تولستوي لم يغرق في لجة الماضي، بل كانت مؤلفاته تفكرّ بالغد الجديد، وهذه المؤلفات ستأخذها بروليتاريا روسيا وتدرسها، وستقوم بشرح هذه المؤلفات لجماهير الشغيلة والمستغلين، لأن مغزى انتقاد تولستوي للدولة والكنيسة والملكية الخاصة، لا لكي تقتصر الجماهير على تكاملها الذاتي، بل لكي تنهض وتسدد ضربة جديدة للنظام الملكي والقيصري ومُلكية الاقطاعيين للأرض، ولسوف تشرح للجماهير نقد تولستوي للرأسمالية لكي لا تقتصر الجماهير على لعن رأس المال وسلطة المال، بل لكي تتعلم الاعتماد في كل خطوة في حياتها ونضالها على المنجزات التكنيكية والاجتماعية للرأسمالية.

(تولستوي والحركة العمالية المعاصرة)

يعود لينين ثالثة للجملة التي كررها مرتين في المقالة الأولى مع شيء من الإضافة (أن وفاة تولستوي كان لها صدى بين العمال الروس في جميع مدن روسيا الكبيرة). يحدد لينين الحقبة الإبداعية للفنان والمفكر تولستوي، وهي بالوقت ذاته حقبة من تاريخ روسيا تقع بين تاريخيين 1861 وعام 1905 فقد تخللت آثار القنانة ورواسبها المباشرة كل الحياة الاقتصادية والسياسية في البلاد، بالتزامن مع نمو الرأسمالية من الأسفل وغرسها من الأعلى. في 1861 كانت الزراعة في أيدي الملاكين العقاريين الذين يزرعون الأراضي بكدح الفلاح ومحراث الفلاح الخشبي البدائي، وهذا ما يتضح من تركيب جهاز الدولة قبل محاولات تعديله في عام 1905

هذا المسح التاريخي الوجيز الذي يقدمه لينين، له مراياه في كتابات تولستوي وقد شخصهُ لينين وليس نقاد الأدب الروسي وغير الروسي وهو يخبر القارئ ( أن هدم جميع دعائم روسيا القديمة بهذه السرعة والمشقة والحدة هو الذي انعكس في مؤلفات تولستوي الفنان وآراء تولستوي المفكرّ. كان تولستوي يعرف روسيا الريفية وحياة الملاك العقاري والفلاح معرفة رائعة. وقد رسم في مؤلفاته الفنية لوحة عن هذه الحياة التي تعد من روائع الأدب العالمي، وأن الهدم القاطع لجميع الدعائم القديمة، في روسيا الريفية قد شدد انتباهه وعمّق اهتمامه بكل ما يجري حوله وأدى إلى تحول كل مفهومه عن العالم تحولا جذريا) أن تولستوي لم يتعلم ذلك من الصحف، ولا من الكتب، بل مِن حياته الخاصة، فهو عائليا ينتسب إلى قمة النبلاء الروس العقاريين، إلا أنه تمرد على نسقه الطبقي، وأنقض في مؤلفاته الأخيرة بالنقد الشديد على جميع البنى المجتمعية: الدولة والكنيسة والاقتصاد.

يرى لينين أن نقد تولستوي هذا ليس جديداً. فلم يقل شيئاً لم يفصح عنه، وقبله بزمن طويل، الكتّاب الذين وقفوا إلى جانب الشغيلة في الأدب الأوربي وفي الأدب الروسي أيضا. ثم يستدرك لينين لكن أصالة تولستوي وأهميته التاريخية تتلخصان في كون هذا النقد يعبرّ بقوة لا يمتلكها غير الفنانين العباقرة، أن نقد الأنظمة الحالية من قبل تولستوي يختلف عن نقد هذه الأنظمة نفسها من قبل ممثلي الحركة العمالية المعاصرة أين الاختلاف؟ ربما الفرق يتمثل بتأملات الفنان والمفكرّ تولستوي، وبين إجراءات العمال الميدانية.

في الاختلاف، لا يستهين لينين بالمفكرّ والفنان تولستوي بل بالفلاح البطريركي الساذج في تولستوي (بكون تولستوي ينظر إلى الأمور من خلال وجهة نظر الفلاح البطريركي الساذج وينقل نفسية هذا الفلاح إلى مذهبه ونقده، وإذا كان نقد تولستوي يتميّز بمثل قوة الشعور هذه وبمثل هذه الحمية، وإذا كان مقنعاً ونصيراً ومخلصا وجريئا في سعيه، والكشف عن السبب الحقيقي لمصائب الجماهير، فأن هذا لأنه يعكس بالفعل تحولا عميقاً في آراء الفلاحين الذي تحرروا من القنانة للتو فرأوا أن هذه الحرية تحمل فظائع جديدة، فظائع الافلاس والموت جوعا، والحياة بلا مأوى) قد يكون لينين قاسيا في كلامه هذا على تولستوي، لكنه أيضا لا يتوقف عن إنصاف تولستوي: (لقد عبر تولستوي عن حالتهم الفكرية بصحة عظيمة حتى أنه أدخل بنفسه في تعاليمه سذاجتهم وصدودهم عن السياسة، وصوفيتهم ورغبتهم في الفرار من الدنيا) ثم يخبرنا لينين عن رأي ممثلي الحركة العمالية المعاصرة، فهم (يعتقدون أن هناك ما يجب الاحتجاج عليه ولكن ليس ثمة داع لليأس، أن اليأس يلازم الطبقات المحتضرة، بينما طبقة العمال المأجورين تتعاظم تعاظما

محتماً وتنمو، وتقوى في كل مجتمع رأسمالي بما في ذلك في روسيا)

(تولستوي والنضال البروليتاري)

في هذه المقالة يثني لينين على مواقف تولستوي الذي يسلط سيف النقد بشدة وإخلاص على الطبقات المسيطرة، ويفضح بوضوح بالغ

الأكذوبة الداخلية لجميع المؤسسات التي يقوم بفضلها مجتمع الكنيسة، والقضاء، والعسكرية. ثم ينتقد لينين مذهب تولستوي

فهو يرى هذا المذهب يتناقض مع حياة وعمل ونضال البروليتاريا التي هي حفّارة قبر النظام القائم. فما هي أذن وجهة النظر التي يعكسها وعظ تولستوي؟ بلسان تولستوي، كانت تتكلم الجماهير الغفيرة من الشعب الروسي التي صارت تكره سادة الحياة الراهنة، والتي لمّا تتوصل إلى نضال حاسم لا هوادة فيه ضد هؤلاء السادة، نضال واع، دائب، سائر إلى النهاية (أن الشعب الروسي لن يظفر بتحرره، إلاّ عندما يفهم أنه ينبغي له أن يتعلم كيف يناضل في سبيل حياة أفضل، لا مِن تولستوي، بل من البروليتاريا التي لم يفهم تولستوي دورها والتي هي وحدها القادرة على دك العالم القديم الذي كان يكرهه تولستوي.

(تولستوي وعصره)

يعود لينين ثانية إلى الحقبة التاريخية في إبداع تولستوي، في مؤلفاته الأدبية العبقرية كما في مذهبه، التي تمتد من 1861 حتى 1905. ولينين لا يقلل من شأن إبداعه خارج هذه الحقبة (صحيح أن نشاط تولستوي الأدبي قد ابتدأ قبل هذه الحقبة وانتهى بعدها، ومع ذلك، تكوّن تولستوي نهائيا كفنان ومفكرّ خلال هذه الحقبة

ويرصد لينين في رواية   تولستوي (آنا كارينينا) الحد الفاصل في تاريخ روسيا خلال نصف قرن. ويرى لينين (أن النظام البرجوازي لعينيّ تولستوي يبدو غامضا، وصحيح أن مسألة معرفة كيف يتنسق هذا النظام البرجوازي الذي يتخذ أشكالا متنوعة جداً في انكلترا، وألمانيا، وفرنسا) ويضيف لينين هذا الأمر (كان أهم مسألة إن لم تكن المسألة الوحيدة من حيث المهام المباشرة لكل النشاط السياسي والاجتماعي في روسيا، خلال الحقبة الواقعة بين عامي 1861 و1905) هذا الرصد اللينيني أحتوى البنية الاقتصادية والبني الاجتماعية، وهذا الاحتواء العبقري لم تدركه عبقرية الأديب والمفكرّ تولستوي والسبب كما يشخصهُ لينين

(لكن هذه الطريقة ذات الطابع التاريخي الملموس لطرح المسألة، هي بالنسبة لتولستوي شيء غريب تماماً. فهو يحاكم في المجردات، ولا يقبل سوى وجهة نظر المبادئ الخالدة للأخلاق والحقائق الخالدة للدين دون أن يدرك أن وجهة النظر هذه ليست سوى الانعكاس الأيديولوجي للنظام القديم المتقلب، نظام القنانة، نظام حياة الشعوب في الشرق) ويؤكد لينين كلامه بالتوقف عند تولستوي في قصته(لوتسرن) المكتوبة عام 1857، يصرّح تولستوي (أن الاعتراف بأن (الحضارة) خير ليس إلاّ(معرفة خيالية) تقضي على الحاجات البدائية، الغريزية، السعيدة، لدينا هادٍ وحيد، معصوم، أنه الروح الكوني، الذي يتخللنا) ويخبرنا لينين أن تولستوي في كتابه(في عصرنا) المكتوب عام 1900يكرر هذه النداءات إلى الروح الكوني، وأعلن أن الاقتصاد السياسي (علما وهميا) لأنه يتخذ (نموذجا) له إنكلترا الصغيرة، التي هي في وضع استثنائي تماماً، بدلا من أن يتخذ له نموذجا(وضع البشر في الكون أجمع طيلة حقبة التاريخ) أما ما هو هذا(الكون أجمع) فهو ما ترينا إياه مقالته (التقدم وتعريف الثقافة) عام 1862 أن تولستوي يدحض رأي المؤرخين الذين يرون أن التقدم هو (قانون عام للبشرية جمعاء)

(السلطة والحرية)

في 2017 استقر في مكتبتي كتاب (السلطة والحرية) تأليف ليون تولستوي/ ترجمة بباوي غالي الدوسري/ أقلام عربية/ ط1/ القاهرة. الكتاب مجموعة مقالات بقلم تولستوي.  يقول تولستوي حول المؤرخين (لمّا يصادف المؤرخون هذه الصعوبات يبتدعون بدعة غامضة مبهمة تستر تحتها عددا وافراً من الحوادث التاريخية ويقولون إن غرض حياة الإنسانية محصور في هذا الذي لا يفهم من شدة غموضه/ 50) وفي ص27يقول تولستوي (يصف المؤرخون حادثة واحدة تكون نتائجهم مجردة عن كل قيمة وخالية من كل فائدة لأن كُلاّ منهم يفهم علة الحركة فهما يناقض فهم الآخر) ويقول تولستوي في ص95 (غرض التاريخ ليس البحث عن إرادة الإنسان بل عن الفكر الذي نتصوره عن تلك الإرادة)

(*)

ينسب لينين نزعة تولستوي إلى النظام الآسيوي إلى التنسك، عدم مقاومة الشر، التشاؤم العميق(ظل تولستوي أمينا وفيا لهذه الأيديولوجية في قصته (سوناتا كروتزر)  ويؤكد لينين، أن سنة 1905 كانت بداية الركود الشرقي ولهذا السبب بالضبط كانت هذه السنة تضع حداً تاريخيا للتولستوية. ويشخص لينين الحال (مذهب تولستوي لا كشيء فردي، ولا كشيء أهوج أو كرغبة في الأصالة

بل كأيديولوجية لظروف الحياة التي عاشها بالفعل الملايين والملايين من الناس خلال فترة من الزمن. ويزداد إنصاف لينين

(أن مذهب تولستوي طوباوي وهو بمحتواه رجعي بأدق ما في هذه الكلمة من معنى وأعمقه، إلاّ أنه لا يستنتج من ذلك أطلاقا أن هذا المذهب ليس اشتراكيا أو أنه لا يحتوي على عناصر نقدية تقدم مواد ثمينة لتثقيف الطبقات المتقدمة.)