
في قاعة الشهيد هندال، مقر حزبنا الشيوعي العراقي، همس لي إذا استوقفك كتابي(رأيتهُ يغسل الماء) لا تجاملني قل ما تراه أنت بتجربتك كمثقف عضوي وقارئ متابع، كان هذا مساء 18/ 12/ 2025.
(1)
ومنذ لحظتها، فكرّت ُ كيف يمكن أن أكتب، وأنا بمستوى تلميذ يقلد معلّما مبحراً في ثقافته، تشفع له كتاباته، وكتبهُ ومداخلاته الارتجالية في كافة الأنشطة الأدبية، كل هذا ويطلب مني أن أبدي رأيا نقدياً في نتاج فكري وأدبي لا يمكن أن أصل إليه، وليس يمكنني إلا أن أحاول، ربما أتمكن من الوصول إلى المنفذ الذي يتطلب قرباً معرفيا يوصلني لسبر أغوار نصوص الكتاب الشعري( رأيته يغسل الماء) من منشورات نادي الفلسفة تشرين الأول 2025/ البصرة
-2-
قد تكون ملاحظاتي الانطباعية، لا تقترب من عطاء الشاعر مقداد مسعود، لكن من المؤكد أن كلمات مقالتي هذه ستصافح مجرد مصافحة هذا المنجز الشعري الفريد، أشعر من خلالها بدفءٍ معرفي يسبغه الشاعر على محاولتي هذه
-3-
سأبدأ بأولى صفحات الكتاب (المقدمة) التي رأيتها تفوز بمرتبة(ثريا النص)، كما علمنا القاص الكبير محمود عبد الوهاب، كانت هذه المقدمة كتحليل نفسي هو سليل التحليل الديستوفسكي، تبدأ المقدمة( لا أريد كينونة ً في قول مائج) وتنتهي المقدمة في القول الشعري التالي (اطمئن إذا كانت قدماي منهكتين، سيواصل جبيني عروجاً) هذا الكبرياء هو خزينة أغلى ما تكون عند أصحاب الأرادات من دون ضعف وإنما وجود يتدفق من أصلاب أبت إلا أن تنتج الارادة الشامخة، ويقول الشاعر في الوحدة الشعرية (162)
(كلما مررتُ بهم، أراهم يؤثثون الأمس َ ويتركون النهار ذبيحاً، ساعة ُ حائطُ المكتبة ِ ترفضهم وشمس الشوارع)
نعم المتخلفون يبخسون النهار الجديد المتألق في أزمنة التطور واجتياح الحداثة. في ص60 يختم الشاعر كتابه بهذا القول (كم صرفتُ أنا، من خيوط الوقت لأنسج هذه السطور)
وأنا كاتب هذه المقالة أخاطب الشاعر مقداد مسعود (أنا كم مرة غصتُ في بحر سردك الشعري لأنال معرفةً بقصد شاعر دوقيانوسي العمق، فتتهاوى إرادتي ويقف مجذافي وتبقى عيناي شارتين بين أسطر بعيدة الغور ذات مغاليق صعبت عليّ أن أكون الجوّاب في فتحها وسبر هيمنة قصدها، فتهتُ في دروبها، ولم يسعفني حتى التأويل كوسيلة ألج من خلالها لمزيد من المعرفة، ما زلتُ مؤرّقا للتزود بها غذاءً روحياً، من خلال قراءاتي للمجموعة الشعرية (رأيته ُ يغسل الماء) أقول للشاعر مقداد مسعود: أرى أن لك فنّك وسرّ صناعتك وطريقة أسلوبك في البناء الشعري، مع قوة إحداث التأثير في القارئ، وفي كل ذلك هي بصمتك الشعرية الخاصة بك، وكل هذا يتطلب مِن الذي يريد أن ينقد أدبك أن يتوفر لديه نظام ثقافي يتناسب مع الحكم النقدي الناجز.
(4)
سأنقل بعض الوحدات الشعرية للقارئ الكريم من كتاب (رأيتهُ يغسل الماء) للشاعر مقداد مسعود، سأنقل نصا موجوداً في قفا الكتاب، لم يجعل الشاعر داخل الكتاب
ولم يجعل رقما له :
(مَن فزز أحجار الوادي؟
صورته ُ
في صرتِها
أي دخان يتسرب من ذاك الكهف؟
أشجارٌ تتمايل بِلا ريح
وعصافير تطفو فوق الأغصان
كما يطفو النورس على موجة ٍ هادئة.
في صورته ِ ترى صورتَها
في صورتِها
تلمح صبياً مِن فضة ٍ
وأشجاراً كجياد ٍ مِن ريش نسور
صورتُه..
صورتُها
صورُهم..
أجنحة ٌ تحلّق ُ مِن دون طيور)
(مقدمة)
لا أريدُ كينونة ً في قولٍ مائج، أنحني لك َ وحدك َ، وأهامسك لم يكن على ظهري سوى حطبِ السؤلات، وقدماي المشوكتان لا تقصدان سواك. إليك سؤلي: مَن أضرم َ النار على ظهري؟ مَن أغواني بمواصلة السعي؟ وها أنا أحملُ ناراً، هل هي نار سواي؟ أم قلق الأسئلة؟ لمن تنتسبُ كينونتي؟ للشموع؟ للحرائق؟ وكلما تقربتُ مَن يتقصى صدى قدميّ. أطمئن: إذا كانت قدماي منهكتين، سيواصل العروج جبيني.
(158)
إذا عشقت سمكة ٌ طائراً يغرّد على شجرة ٍ، كيف تراه؟
خاطبَ العشب ُ أفعى بين حناياه. تماوجت الأفعى
وفّحت: سَل ْ حطاباً سيمر عليك بعد قليل)
(18)
الإنسان لا ينتحر، هناك من يوفّر له ُ كل أدوات الجريمة، ثم يدّعه
إلى قعرها.
الذي ينهمر ليس شفقا، هذه دماء الذين تقّعروا في عذاب ٍ
بِلا جريرة ٍ سوى غواية الفقر.
(14)
المتساقط ُ لا حبات عنب ٍ ولا زيتونٌ ولا تمرٌ.. المتساقط في حاوية الفورمالين المستطيلة الزرقاء: عيون السجناء بعد الشنق.
(100)
دقتان ليليتان من ساعة الهول أيقظتاني مِن فراشي.
مِن الهول مِن الحديقة.
فتحت ُ الباب : إبلٌ محملة ٌ ما أن رأتني ناخت بأحمالها
في فراشي.
(84)
الحياة ُ جسورٌ نعبرها، ولا نحسن ُ العد، مهما كنت َ فطناً
تسهو وتعبر جسراً، يتكئ على ضفة ٍ واحدةٍ في ليلٍ
لا فضة َ فيه.
(114)
لا نعرفُ كيف نتحاشى جدراناً لا نراها، ترتطم بنا كُل َ يومٍ
في الشوارع.
(150)
الأدعية ُ بنات ُ القرآن.
غسق ٌ وشموعٌ على عتبات البيوت. الشموع أصابعهم؟ ضوءُ أصواتهم؟ صليل سيوف ٍ؟ صهيل سنابك ٍ؟ أم شررٌ يتطاير
مِن حريق خيام ٍ؟
(106)
..................... أيضاً







