مازال العالم يتلمس بهول انقضاء الاسبوع الثاني والخمسين من العام ٢٠٢٠ أملاً بان يغادر الجميع آلاماً مضت في دنيا تهددتها الانهيارات الصحية والركود الاقتصادي وتفشي البطالة بسخاء من دون نكران للذات، ولكن ظلت بلادي تكابد بجّيشان الخوف كينونات فكرها الابداعي وفي صراع بأن لا تدور قوانين الابتكار عكس الارض في دورانها وتقلبها.
‎كان صباح اليوم الثاني والعشرين من شهر كانون الاول احد اسعد الصباحات بعد ان خفت ارجلي من دون تثاقل وتحركت من دون اتكال وكلاهما لازمت عجلات التفكير في مرتسمات ذاكرتي كي اتلمس اذرع المستقبل لجيل عراقي يخط آماله الكبيرة ولكن بقلم يحدوه القلق من المجهول وغياب المستقبل. ومن دون ان تتثاقل ارادتي في المشاركة بوعي فاعل في تحقيق مآلات الفكر والعقل في التجديد، وجدت نفسي في حي المنصور ببغداد لأحضر معرض المبدعين العراقيين من الشباب وارى بعيني كم اقترب العقل العراقي في التفكير والبحث من حالة الابتكار لينضم الى مسرح الادارة والعلم والابداع، ازاء عالم انغلق بعضه عن بعض خوفا من خبايا الموت وفواجع الاقدار ولكنه ظل يتواصل رقمياً عن بعد كخلية نحل انغلقت على نفسها وهي مهتمة بفك الغاز لغتها.
‎كان لزاما عليّ قبيل وصولي مكان الحفل ان اشق طريقي بين امة من الناس وهم مزيج من الشبيبة اليافعة، مكفهرة الوجه يكتنفها شيء من الحزن ويعزلهم في الوقت نفسه عن المارة ثلة من الحرس المدجج سلمياً، وانا اقول في سري ان ثمة شيء سالب يحصل في خارج مكان الحفل قبل ان يسمح بدخولي الى مرتسم المبدعين ولا يوجد ما يدفع عني مظنة قصر النظر! انه تجمع رمزي لمهندسين عاطلين عن العمل جلهم من الشباب وهم يحتجون على نقابتهم التي تحتضن في الوقت نفسه معرض الابداع فلعلهم من احتجاجهم هذا ان يحصلوا على شي من فرص العيش لتدخلهم في عجلة الحياة وبلوغ فرص الشغل الدائم وفي وظائف حتى وان كانت عاطلة وان ظلوا هوامش عددية!! تجاوزت حزني قليلاً بعد ان تثاقلت ارجلي في مكان ساطع عج برائحة الابداع ولكن سوء الحظ سلط علينا عدواً اسمه الافكار ليغزو التفاؤل من الداخل عابثاً بقناعات ثروتنا العقلية ايما عبث وهو يقلبنا بين الشك واليقين في مقدرة ابنائنا. اذ يأخذك العجب من فوره لعدد المبتكرين والمبدعين وهم يحملون هموم فكرهم النير الذي ما زال دون اهتمام في امة منغمسة برائحة النفط وريوع المال المتقلبة. هنا بدأ وجودي كبصيص ضوء ضعيف يرسل شارة الامل باطلاق سهام الابداع في لعبة الحياة وكأنها مجهودات رسمتها مسالك العقل ولم تذهب سُداً. فعلى الرغم من غياب الشخصيات الرسمية المدعوة لحفل الابداع؛ ظلت محاضرتي اليتيمة التي القيتها امام الجمع المبدع (والتي تصدت الى موضوع التبدلات التكنولوجية في مرايا الاقتصاد) مصدر سعادة اولئك الشباب ليحدوهم الامل بأن هناك من يعبد لهم الدرب لبلوغ غاياتهم في مركب من التقاليد المقدسة اذا اختل منه عنصر تهاوى الصرح الى قواعده وعندها تفيض الدموع حزناً مهما بلغوا من شأن في العلم والعمل.
‎اختتمت زيارتي بين اروقة معروضات حملت فكرا خلاقا ومقدرة ابداعية في الابتكار قل نظيرها. ألمني احدهم الذي ابتاع براءة اختراعهِ الى مؤسسة عالمية وتنازل عن حق الملكية الفكرية لغياب المصنع الذي يوقد افكاره لتأخذ طريقها الى اسواق بلادي. وبشيء لا يصدق عثرت على اختراعات في موضوع الذكاء الصناعي وَلدها عمق التفكير وروح المبادرة.
‎وكانت مجهودات البعض من الشباب المبدعين هم من كلية اهلية نائية نسبيا على سبيل المثال اذ تم اعداد نماذج ذكية التحسس لذوي الاعاقة وغيرها من النماذج التي تتعلق بموضوع الاستشعار عن بعد تقلبات حالة التربة وشؤون الزراعة والتلوث والمياه.
‎ ختاماً، لم أتفاجأ بما كتبه المفكر حسين العادلي وهو يدخل بالتزامن في حوار الابداع ليخط بقدراته الفكرية بدائع الحكمة والتصدي الى تناقضات عالم المبدعين وكوابح الافول نحو خيبات الامل، اذ يقول العادلي في «المُبدع» ما يأتي:
‎المُبدعون (رئة) الأُمّة، والأمّة التي (تجهل) مبدعيها (كومة) زفير.
‎المُبدع هو (الجديد) بأزمنة الرتابة والبلادة واللا جدوى،.. المُبدع مبتكر (حلول)، حمّال (إجابات).. والأمّة التي (تزدري) مبدعيها (لا تستحقهم).
‎(يموت) المُبدع بين يَدَي التّفاهة والسّفاهة واللا مسطرة، و(يتوارى) بأزمنة التّنطع والادعاء والتسطيح.
‎إنما الأمّم (عيال) المبدعين، فلا تكن (عالة) عليهم!!

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل