/
/
/
/

المشاهد لأعمال الفنان الراحل حسني ابو المعالي، سريعا ما يدرك ان الكلام او التفكير قد لا يكون مفيدا هنا، فثمة جاذبية وذائقة بصرية تشد العين بقوة، وفجأة تشد القلب عن طريق البصر في لحظة هذا اللقاء، فهذا الفنان يسعى الى ترجمة احاسيسه والتعبير عن رؤيته بتجاوز نفسه للارتقاء الى الابداع . ثمة ضراوة يتعامل بها في هذه المرحلة التاريخية تعكس في مخيلته، من خلال علاقته وتواصله بمساحة اللون والتكوين، لغة ذات قيمة معنوية وفنية تمنح العمل ديمومته، وهو بالتحديد ما يميز عمل اي فنان في سعيه لامتلاك تواصل بصري مجدد.

التأمل في هذه اللغة، التي تكاد ان تكون مغتربة وغير منكسرة وغير متكررة وغير معزولة، يوحي لنا بانها قد بلغت اهدافها ولم يعد بوسعها الذهاب، من خلال الاسلوب الذي اختاره الفنان، الى ابعد مما توصلت اليه من عنف اللون وشدته. ان كلاما كثيرا لا بد من ان يقال هنا، فاللون الحار المتدفق طولا وعرضا يشكل خطوات لا شك في انها  تعبير اساسي لإرادة الفنان الخلاقة ومفاهيمه الفنية. انه يحملنا الى قناعة مُرضية بان احدى خطوات الفن الحديث تتوازى مع خطوات العنف اللوني الذي ينجزه حسني. فحين نعيد قراءة هذا المسار، ننطلق من تلك الايام التي عشناها سوية في بداية السبعينات حين كان حسني مدفوعا باستخدام طريقة "كولاج" الاوراق الملونة الصاخبة ليجسد بواسطتها، من خلال تقابل السطوح وتضادها، الحركة التي ستأخذ فيما بعد طابعا تجريديا للوصول الى تعبير أكثر عنفا وأكثر تأثيرا كتجسيد يسعى من خلاله للوصول الى التجريد الغنائي، وهو ما يتبين لنا وبكل وضوح في نتاجاته الاخيرة، اذ ان هذه الخطوات كانت منعطفا لمرحلة تواصلَ معها الفنان اتسمت بالتجديد والتحديث والتثوير.

اصرار حسني على تعدد الالوان هو لأجل ان يجعلها مزهرة ومتغيرة مع تغير حالات الضوء ومستوياته. تزهر لأنها تشكل حالة بحث دائم عن جماليات بصرية جديدة. حين يضع اللون على اللوحة يبدأ البحث عن كيفية اطلاقة وازدهاره والسعي خلف تجلياته، فهو يتعامل مع اللون تماما كأنه رحلة في تعشيق اللون بلون اخر. انه يستهدف ولوجَه الى فضاءات تأخذ من اللون وتعطيه، فهو يتركه يتحرك بشكل عفوي احيانا الا انه يحد من تلك العفوية بصرامته كي لا يجعله منسابا طريا. انه مصمم ناجح حتى بضربات الفرشاة العريضة السريعة والعفوية والمباشرة احيانا، الا انها صافية اللون. وبالرغم من طابعها التجريدي العام تبقى اعماله ذات الخطوط المتشابكة والمتقاطعة على صلةٍ ما بالعالم المرئي، كأنها توحي بأعماق جبال الثلوج في القطب الشمالي، او مناظر طبيعية لا تحمل لون الريف ولا تقترب اليه من خلال تناسقها الذي يميل نحو شيء من الهندسية الشكلية.

يقول الفنان ابو المعالي: " لم اتناول الحداثة في التشكيل باعتبارها هدفا فنيا وانما هي وسيلة احاول الربط بواسطتها بين مدرستين متباعدتين هما الواقعية والتجريدية، وبعبارة اخرى فان تجربتي الفنية تنحصر في محاولة المزج بين العمل الاكاديمي والدراسة في التشكيل وبين ممارسة الفن بعفوية حرة تعتمد على اللحظة الابداعية، مع الحرص على المحافظة في توظيف الضوء والظل وهما مصدر بحثي في القيمة التشكيلية، لأنني اعتقد بان المعنى المطلق الذي يحمله التجريد في الحداثة لا يبرر تجاوزنا في الغناء على ايقاع نغمات لا يجمعها لحن معين، والابداع كما اراه، بغض النظر عن مدارسه، هو بمثابة واحة فنية مفعمة بقوة التعبير جماليا".

يمكننا القول ان ثمة اتجاه تجريبي تعبيري تجريدي محدد في هذه الاعمال التي تمجد الحركة ولا تجعلها خاضعة للصمت، مع ان التنوع ما بين لوحة واخرى هو سيد الموقف لان الفنان يتعامل بخبرة الملون الذي يبحث عن صيغة بصرية انطباعية، مع انها انطباعية لا تلتزم الزمان والمكان، فحالات الضوء الاتي من قلب العمل، من قلب تقلبات الطبيعة وانفعالاتها وتوتراتها التعبيرية، تبدو وكأنها ساحة للعبٍ منتبه لتوزيعها وتشكيلاتها ونشر ايقاعاتها باللون مع انه لعب جاد متوازن ومنضبط، لأن الفنان يعرف كيف يروض هذا الجموح او يحوله الى مصطلح لوني يلبي احتياجات المتعة البصرية التي نفتتن بها.

 يقع حسني ابو المعالي في التضاد القائم بين الشكلي واللاشكلي، فيعطي الطبيعة ما ليس منها، وهو على ما يبدو قد اخذ تماما بمقولة بودلير: " يمكن ان نصور الحقل بالأحمر، او الشجرة بالأزرق" ، فالصورة تنبع من المخيلة، واللون الاحمر لديه قد يزهر بالأزرق، والازرق بالأصفر، والاصفر بالأخضر... وهكذا. هو متسارع ومتحدي ومنعطف باللون الذي لا يعرف الانطفاء، فألوانه نارية، شمسية، ساطعة تتخطى جماليات جديدة تتأتى من جرأة استخداماته لتظل لوحته بقلقها الدائم ذات حضور مكثف، وعلى قدر كبير من التوازن.

حسني ابو المعالي يمارس مسلكا فنيا يتعادل مع مفاهيمه ومحباته العراقية وقلقه النبيل. ولا يجب ان نفاجأ إذن بالنتائج التي يتوصل اليها، فهذا العنف هو نتيجة مطابقة للإحساس الداخلي لأنسان متوعك ومفزوع ومندهش ومغترب.

لوحاته تأتي كانعكاس لإحساسه القوي بظروف عراقه وحروبه والعقبات التي تقف امامه ضد ممارسة حريته. فالإحساس بالرعب والفزع يتحول الى مقدار من الرهبة والجلال في اعماله الملتهبة. انه لا يهتم بالموديل ولا يهتم بتفاصيل المنظر الطبيعي لخصائصه البنائية، بل هو يسعى لتمزيق القشرة التي تكسو واقعا مشوها، تضاف اليها رغبة في التحطيم واختراق المجهول وإظهار الامل الذي تعبر عنه بقع اللون الفاتح الذي يحل كصرخة في ظلام الالوان المركبة المسطحة والمتفاوتة الاعماق بالتماساته البصرية ذات المنحى الهندسي.

 

*ــ من كتاب( تشكيليون عراقيون على خرائط المنفى) دار المدى

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل