/
/
/
/

بلا شك ان اغلب الذين يشتغلون في مجال المسرح سواء كانوا هواة أو محترفين، في مجتمعنا العربي، قد سمعوا باسم أريان منوشكين صاحبة مسرح الشمس، وعن بعض تجاربها في مجال العمل الجماعي، وحول شكسبير، موليير، والثورة الفرنسية، وغيرهم من الكتاب المعاصرين والقدماء. وحتما أن مسرحي شمال أفريقيا يعرفونها أكثر من المسرحيين المشارقة، لأنهم حتما قد قرأوا عنها وشاهدوا لها عروضا، وقسم منهم قد شارك في أعمالها أو سنحت له الفرصة للمشاركة في إحدى ورشاتها المسرحية. ولكن للأسف لم ينقلوا عن تجربتها إلى اللغة العربية سوى الشيء القليل. ولهذا انحصرت اغلب المعلومات عنها كونها مديرة لمسرح الشمس الذي يقع في غابة فنسين الفرنسية، بل تتوقف معلومات المسرحين العرب عنها، عند حدود تجربتها المسرحية حول الثورة الفرنسية عام 1789، والعمل الجماعي، كما جاء ذلك في المقابلة المترجمة، التي نشرتها (مجلة الحياة المسرحية) السورية ، وكذلك هناك كتاب (عشق المسرح) ، للدكتور عبد الواحد بن ياسر، الذي ركز فيه على تجربة مسرح الشمس في مسرحية ريتشارد الثاني، من بين مجموعة من المواضيع المختلفة- حول انطونين أرتو، وبريشت، وتجربة يوسف شاهين في إخراجه لعمل كاليجولا، الذي قدمه على مسرح الكوميدي فرنسيز، وبيتر فايس، والثقافة والمأساة لدى رولان بارت، وإلى آخره من الدراسات في وحول المسرح في الوطن العربي والمغربي-، بالإضافة إلى دراسات أخرى وبعض المقالات والدراسات المتفرقة سواء في المجلات أو الصحف اليومية. على الأقل، هذا ما قرأناه عن تجربتها في اللغة العربية، وحتما هناك دراسات وبحوث أخرى للأسف لم نتطلع عليها، ولهذا يستوجب الاعتذار من أصحابها لعدم ذكرهم وذكرها.

بلا شك، إن هذا الكتاب لا يدعي الإلمام بكل تجربة أريان منوشكين في مسرح الشمس، بقدر ما يحاول ان يلقي الضوء على بعض مساراتها، محطاتها، توجهاتها، التزاماتها السياسية والإنسانية، وطريقة عملها في تحضير العمل والتفكير فيه، قبل وبعد أي عرض مسرحي، ومدى تمسكها بتقاليد المسرح الأسيوي والهندي، الذي أصبحا بالنسبة لها نموذجا في جميع تجاربها المسرحية تقريبا.

 ينقسم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول، يتناول دراسة حول المسرح الأسيوي والهندي ومدى تأثيرهما على المسرح الغربي بشكل عام، وعلى أعمال منوشكين، بشكل خاص. هذا بالإضافة إلى بعض المقالات التي قمنا بنشرها خلال فترات متفرقة حول عروضها، والتي خضعت في هذا الكتاب، بكل تأكيد، إلى تحديث، ومراجعة، وإلى إعادة كتابة. أما القسم الثاني، فهو عبارة عن ترجمة لمقابلات مختلفة مع أريان منوشكين، أجراها معها كتاب ونقاد مسرحيون غربيون، وقد حاولنا أن نُضمن هذه المقابلات، بعض الإضاءات، التي نشرح من خلالها، بعض المفاهيم، والأحداث التي تتحدث عنها منوشكين من خلال إجاباتها، والتي غالبا ما تكون مقتضبة، ولا يعرف مرجعياتها بالضرورة القارئ العربي. وتأتي هذه الإضاءات أحيانا، في وسط المقابلة، وأحيانا أخرى في الهامش، وهذا يتبع بكل تأكيد، مدى طول الإضاءة وقصرها.

كان ولا يزال الذهاب إلى مسرح الشمس، بالنسبة لي، يمثل أولا وقبل كل شيء، نوعا من الإثارة الفرجوية التي غالبا ما انتظرها بفارغ من الصبر. أولا، ربما لان هذا المكان وسيدته العظيمة، هي التي جعلتني نوعا ما ان ادخل الأراضي الفرنسية (هي والمخرج الفرنسي الكبير انتوان فيتيز، الذي كان على رأس فرقة مسرح شايو، عندما أرسلا لي، حينما كنت في العراق، دعوة للالتحاق في مسرحهما). وللأسف، عندما دخلت فرنسا، لم ألب دعوتهما الكريمة، ربما لأني لم اكن أجيد اللغة الفرنسية آنذاك، وهذا خطأ فادح ارتكبته في حياتي من بين أخطاء أخرى، لانني كنت أعتقد أن اللغة عنصر مهم وأساسي في المسرح، ولكن على عكس كل توقعاتي، ومع مرور الزمن ومعرفتي المتأخرة، بطريقة عمل منوشكين، وكذلك انتوان فيتيز واستثمار هذا الأخير، للممثلين الأجانب في تفجير اللغة الفرنسية وجمالها من خلال لكنتهم، اكتشفت أن الأمر ليس كذلك تماما، وثانيا، ربما لأنني كنت خجولا بما يكفي مثل أغلب الممثلين، وخائفا من ارتكاب حماقات أدائية في لغة أجنبية لازلت في وقتها، أتلعثم عند نطقها. ولكن عندما شاهدت عروض انتوان فيتيز وأريان منوشكين فيما بعد، اكتشفت أن هناك مشاعر مسرحية قوية تنبعث في داخلي. وأتذكر الآن جيدا ان اليوم الأول، من وصولي إلى باريس، وبعد أن وضعت حقائبي في غرفة الفندق، ذهبت لمشاهدة أول مسرحية فرنسية، بشكل مباشر، وكانت مسرحية (هرناني) لفكتور هيكو، في مسرح شايو، للمخرج الكبير انتوان فيتيز. وهنا حدثت الصدمة الأولى. بعد عودتي من مشاهدة العرض إلى الفندق، وعلى الرغم من أن العرض كان طويلا، وكنت أتمنى أن يستمر أكثر فأكثر لفرط جماله وسحره، لم أنم، وبقيت عيوني مفتوحة تحدق في فضاء الغرفة التي أصبحت بمثابة استمرار لفضاءات العرض. ولكي أتحرر من ثقل مشاعر الصدمة، أخذت القلم والورق، وبدأت بكتابة أول مادة نقدية لي عن العرض، الذي سحرني لدرجةّ أنني لم انم الليل كله. في صباح اليوم التالي، قمت بإرسال المادة الى الأستاذ والناقد المبجل، حسب الله يحيى، الذي كان حينذاك مسؤولا عن الصفحات المسرحية في مجلة الفنون العراقية، وقد قام بنشرها بمجرد ما وصلت إليه مشكورا. لم اتحدت إلى المخرج الكبير انتوان فيتيز، على الرغم من تقاطعاتي معه في الكثير من المرات، في أروقة مسرح شايو، إلا مرة واحدة، وكان ذلك في مكتب المسؤولة الصحفية للمسرح، حيث قدمتني إليه بقولها: هذا هو المسرحي العراقي الذي يكتب عن عروضك. نظر الي من خلف نظارته، ثم مد لي يده لمصافحتي قائلا: إنني أقرأ كل ما تكتب عن عروض مسرح شايو، ففي اغلب الأحيان اطلب من طلبتي العرب ان يترجموها لي . أما أريان منوشكين، فكان الأمر معها مختلفا تماما، فقد كنت ألتقي بها في كل مرة أذهب فيها لمشاهدة عرض لفرقة مسرح الشمس، لأنها وبكل بساطة، هي أول من يستقبل الجمهور، وتقوم بقطع تذاكرهم كتعبير عن محبتها لجمهور المسرح ورواده، ومع ذلك لم اجرأ يوما، على مفاتحتها بأمر دعوتها لي، حتى هذه اللحظة.

 في هاذين المسرحين، (مسرح شايو ومسرح الشمس) كنت أشعر دائما وابداً بالمسرح، الذي تتشكل فيه العواطف والوعي السياسي والجمالي المختلف عما كنت اشعر به عندما كنت في العراق، طالبا، وممثلا ومخرجا. وهكذا اصبحا بالنسبة لي، بمثابة مكانين مقدسين لابد لي من زيارتهما في كل مرة يقدم فيهما قداس مسرحي. وفي كل مرة كنت أعود بها لزيارة هذين المعبدين، أشعر أني ذاهب للحج وليس لرؤية عرض مسرحي.

لماذا هذا الكتاب اليوم وليس الأمس؟ سؤال لا بد من الإجابة عليه. ولكن قبل ذلك، لابد من الإشارة إلى أن هناك أمور وهواجس تسكننا دائما، تعيش فينا، حالة انتظار يشبه إلى حد كبير انتظار (استراجون) و(فلاديمير)، في مسرحية (في انتظار كودو)، للايرلندي صموئيل بيكيت، ومن أجل ان تخرج أو يتم التعبير عن هذه الأحاسيس بكليتها، نحتاج أحيانا إلى مبرر أو دافع أو شخص يقود أصبعك لزناد البندقية، ولكن الانتظار هنا بالنسبة لنا، لا يعني الاستسلام للزمن، وإنما صيغة مثلى ربما للنضج واختمار الأشياء بشكل كاف، أو كما يقول بيكيت نفسه، إن فعل الانتظار هو محاولة لتجريب مرور الزمن في شكله الأنقى. وباختصار شديد، اتصل بي ذات مساء الأستاذ والمخرج الكبير عصام السيد، ليخبرني انه والفنانة المغربية/الفرنسية نوال عبد العزيز الضعيف، قد تحدثا عن موضوع ترجمة كتاب لأريان منوشكين، للدورة القادمة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، وقد وقع اختيارهما عليّ! لا أخفيكم السر، وعلى الرغم من صعوبة المهمة وبلاغة الحدث، لم ارفض أو أتردد لحظة واحدة، وكأن هذا ما كنت ان انتظر فعله من زمن طويل. ولكن بدلا من القيام بترجمة كتاب عن أو لمنوشكين، أرتاءينا مع الأستاذ عصام السيد، ان يكون الكتاب على هذه الشاكلة، أي ليس ترجمة فقط، وإنما قراءات في عروضها وتجوال في مساراتها أيضا. فشكرا للأستاذ عصام السيد والفنانة نوال عبد العزيز الضعيف على ثقتهما العالية بي. والشكر موصول أيضا الى الأستاذ الناقد محمد بهجاجي، الذي ساعد بشكل خفي بترتيب بعض الأفكار التي كنت أناقشها معه، وإلى زوجتي فاطمة أزهري وإبني رائد بطبيعة الحال، اللذان دائما ما يتحملان معي حمولات المغامرة.

باريس

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل