/
/
/
/

سنوات طويلة مرت وأنا أبحث عنك. حلمت بك مرارا وتكرارا، ولم أملّ الحلم ولا مللتك، لكن، وعذرا أن أقولها، في داخلي ومع مرور الوقت الطويل الطويل، ظننت انك مجرد حلم لا أكثر، وأن مكانك الحقيقي أما أن يكون في الأحلام، وأما ان يكون في الكتب حيث القصائد التي تتغنى بك، وحيث المقولات التي تلهب حماسنا وهي تستذكرك كما لو كنت شخصية اسطورية لن يقدر لنا ان نلتقيها.
ولا أخفيك سرا، انني حين اعلن بعض الصبية موعدا للقائك، ومكانا محددا لهذا اللقاء، ضحكت في سري، وخيل لي ان هذا الجيل الذي لم يطلع على افكار العظماء الذين تحدثوا عنك على مر العصور. لن يهتدوا اليك ولن يتمكنوا من اللقاء بك. حتى ان الجملة التي أطلقوها (نازل آخذ حقي) لم أفكر أبدا انها تعنيك. أو انها تعني ضمن ما تعنيه شفرة وحدك أنت من يعرفها. ويعرف أنها تعنيه، وربما كما فعل علاء الدين وهو يمسح المصباح بقصد أن ينظفه. إنما اخرج المارد عن غير قصد. كذلك فعل الشباب حين تنادوا (نازل آخذ حقي) فكان حقهم يعني ضمن ما يعنيه إزالة طبقة من الغبار لم نكن نراها. فإذا بك تخرج لنا كما لو كنت ذلك المارد الذي ليس كمثله مارد في كل قصص ألف ليلة وليلة. أو سواها من القصص.
أيعقل هذا؟ أيعقل أن أراك بعد عمر طويل؟ دون أن أفطن أنك كنت أمامي ومعي وأنا لا أعلم، وأن اللقاء بك لا يتطلب أكثر من شفرة بسيطة جدا (نازل آخذ حقي) كي تظهر أمامنا بكل هذا البهاء والعنفوان.
ترى ألا ينبغي لنا نحن الكبار أن نعتذر من أبنائنا. أو من هم دونهم سنا. لأننا لم نفطن الى هذه الشفرة في زمن الدكتاتورية. ولم نفطن لها في زمن الديمقراطية. أي خوف هذا الذي كان يكبلنا دون ان ننتبه له ولحجمه، وأي بؤس ارتضينا ان نعيشه لعقود وعقود دون ان نفقه المعنى.
ما أقسى أن نكتشف بعد مرور كل هذه الأعوام إننا خدعنا مرات ومرات. وإذا كان لزمن الدكتاتورية مبرراته من الصمت والإذعان لآلة من القهر والبشاعة في القتل والانتقام من كل حالم وذويه. فماذا عن زمن الديمقراطية. حين أصبح الحلم مباحا. والحرية متاحة. لماذا حين أدركنا انها كانت مجرد مسميات. أو شعارا على جدار حزبي طائفي همه ان يستغفلنا وأن يسرقنا في وضح النهار. ونحن وبغباء شديد نردد الشعار ونصفق للجدار الذي كان يعلو كل يوم دون أن نشعر. وكلما ارتفع أكثر ارتفعت معه غربتنا عنك وزاد ألمنا وشوقنا اليك.
ترى هل كانت تلك مفارقة؟ أم إشكالية غريبة لم نكن نعرف مداها. ولا سر تشابك خيوطها. منذ جاؤوا. مرورا بالقاعدة ثم داعش. ثم الإطلالة الى فوهة فغرت فاهها بوجهنا معلنة عن فساد وخراب انتشر في جسدك بسرعة عجيبة. ليفاقم من يأسنا وخيبتنا (نحن الكبار) فلم نعد نقدر ان نقول لكم أي شيء أحبتنا. لم نعد نقدر ان نعدكم بغد أجمل. ونحن وأنتم نرى ان الحاضر لا يشي بأية انفراجة للغد بوجود كل هذه السرطانات التي أنهكت جسدك أيها الغالي.
عذرا مرة أخرى، لأننا وقبل أن يجيء تشرين صرختكم، لم نفقه سر تلك الشفرة التي تناديتم بها على مواقع تواصلكم، وتركناكم لبضعة أيام وأنتم تواجهون آلة انتقام دكتاتورية تلبس لبوس الديمقراطية، فحصدت من بينكم الكثير من الأبطال غيلة وانتقاما.
وعذرا مرة أخرى لأننا تنادينا نحن الآباء أخيرا كي نلتحق بكم ونقف معكم، فكان ان خرجنا الى الشوارع، خرجنا ونحن نصرخ معكم بوجه من ظلمكم وظلمنا.
وبعد أن كانت ساحة واحدة للتظاهر صارت ساحات امتدت في شتى بقاع الوطن، وكلما سقط المزيد من الشهداء كبارا وصغارا كلما اتسعت تلك الساحات وتعالت الصيحات منددة بالظلم والقهر، ورافضة لكل المسميات التي جاءتنا مع المحتل لتحتل أحلامنا وتحيلها كوابيس.
أخيرا ولكي لا تقول إنني نسيتك يا من كنت ابحث عنك كل هذه السنوات، أخيرا التقيتك، كانت البشرى أولا في مدينتي بعقوبة حين خرجت مع المتظاهرين. لكن أجمل لقاء حدث بيننا كان في ساحة التحرير، هناك كان مركز تواجدك وحضورك العالمي أيها الغالي. هناك، حين رأيت الناس يحجون اليك من كل حدب وصوب، هناك رأيتك عراقا.
نعم رايتك وأنت ترتدي أجمل حلة، وعلى وجهك رأيت تباشير الفرح، والوعد بغد أجمل سيأتي هذه المرة، ليس حلما من تلك الأحلام التي طالما رأيتك فيها، إنما واقعا لن أتنازل عنه وعن حقي به.
فأنا أيضا، وجدتني (نازل آخذ حقي)

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل