/
/
/
/

منذ ُ ان وطئتْ قدماه الارضَ كانت الملائكة تتبعُهُ بهدوءٍ كظلهِ، يقتحمُ المجهولَ ويسبرُ أغوار َ الماضي ليجتهد في فتحِ نافذةٍ يطلُ منها شعاعُ الأمل، يلمُ أطرافَ الليالي الحالكة، ويمسحُ الظلمةَ عن وجناتِ القمرِ المنزوي وراء تلالِ الغيومِ يدعوها لتفيضَ حمولاتِها وتلقي بيوضَها الناضجةَ الوعي في ارضِ السواد فهناك الكثيرُ من العصافيرِ الضالعةِ في العطشِ ليس للماءِ فحسبُ بل للحريةِ والكرامةِ والعيش الرغيدِ. يمنحُ البراءةَ للبرقِ فيدمدمُ الرعد ُ ازيزاً لتتلاقحَ المتضاداتُ فينتجُ مع عنفوانِ البرقِ خيراً عميماً ..
كانت الابتسامةُ لا تفارقُ عينيه فيحسدُهُ عليه الأملُ والأطفالُ والربيعُ لتنهزمَ الظلمةُ في اول اشراقةٍ لوجهِهِ المشعِ حياءً، يندى زجاجُ نظارتِهِ الطبية قبل ان تغرورقُ عيناهُ حنيناً، وهو لا يعرفُ الدمَ إلا في السرديات لأنه مشبعٌ بشذى الياسمين ومكتملٌ مع لونِهِ الأبيض. كيف لا؟، وقلوبٌ خضرٌ في اولِ ربيعِها تسكنُ تحتَ أضلاعِهِ المتوثبةِ لقدومِ المطر ْ.
أيها الشهيدُ كامل شياع كانت طريقةُ الموتِ معكَ قاسيةً في تصفيةِ حساباتِها لأنها كانت بيدِ أرعنٍ وجاهلٍ سادي، أيها الموتُ لقد خطفتَ ربيعَنا قبلَ انْ يُكملَ مشروعَ الحياةِ وقبلَ انْ تتهيأَ الفصولُ لحزمِ امتعتِها، هل حقاً كان الموتُ يعرفُ طريقَكَ؟ نعم وكيف لا ... فالذي كان يجاهرُ بوضوحِهِ وبتاريخٍ ناصعٍ ابى إلا ان يصادقَ الشمسَ التي أطعمَها من برتقالتِهِ الناضجةِ، وهو الذي يستعينُ بالضوءِ انْ اشتدَّ الظلامُ به ويرتكزُ على الفكرِ انْ اضمحلَ خيطُ الدربِ ويرمي شعاعَ عينيه صوبَ المدنِ. يُصيبُ الموتَ العمى وتختلطُ الألوانُ أمامَهُ حينما يعرفُ من هو بدرجتِكَ العاليةِ في الانسانيةِ والمواطنةِ الحقةِ وكنزِ الثقافةِ والتضحيةِ والنبلِ
أنا اعرفُ ان رجالاً خلباً، عقيمين، يقودون الموتَ من معصمِهِ ويضعون في يدِهِ كاتمَ الحياةِ ومفرقَ الجماعاتِ ويأمرونه ان يقذفَ بحممهِ الرعناء فتخرجُ الطلقةُ ذاتُ العينِ الواحدةِ فتصيبُ كبدَ الحبِّ ومركزَ الثقافةِ ونبضَ السعادةِ وبؤرةَ الطيبةِ ونقطةَ التأصيلِ، انه القلبُ، قلبُك يا كامل شياع.
مرةً التقيتُكَ في مبنى وزارة الثقافة فوجدتُكَ تنتظرني في مكتبِكَ وانتَ لم تتعرف عليَّ من قَبْلَ، أخجلني تواضعُكَ وزهوتُ بشموخِ أخلاقِكَ لأنك النبيلُ الكثيرُ.
كيف استقبلتَ قاتليكَ وهم يحملون عدتَهم الخسيسةَ، كاتمَ الحياةِ والمتباهي بأخلاقِ سليلي (الكراجات) والمطعوني الضمير والمأبونين في عروقِهم المفضوحةِ، وانتَ تحملُ في جعبتِكَ خمسَ لغاتٍ وكتابَ فلسفةٍ وروحاً مفعمةً بالحياةِ ونفساً أمارةً بالحبِّ، وعلى كتفيكَ تحملُ سحاباً مثقلاً بالعنادِ إلا أن يروي العطشى وتأبى ان تحملُهُ الرياحُ عنكَ.
تنظرُ الى الامامِ بعيونٍ سومريةٍ فتستنطقُ الماضيَ لتجملَهُ في حضرتِكَ الآنَ
تسقي ثمارَ الحقِ والسلامِ والمحبةِ فتصيّرُها لبنةً جديدةً لمشروعٍ قادمٍ، اما هم فيلقنون بنادقَهم كلَّ ما يملكون من خرابٍ وحقدٍ ليزيدوا المغدورينَ رقماً وما عرفوا انك رقمٌ صعبٌ في عراق اليوم، وانه عصيُّ على امثالِهم في فهمِ مدركاتِهِ، اختاروا شارعَ محمد القاسم ليكونَ شاهداً على ذبحِ الحقيقةِ، وبوقاحةِ النازيين وسفالةِ البعث وبوضاعةِ العاهراتِ (حاشاهن )ذبحوكَ امامَ المارةِ والجندِ والعسكرِ والجندرمةِ والعسسِ النهاريينَ والمليشياتِ والمراهقينَ ومَنْ عاثوا فساداً في الارضِ والمدمنينَ على الرقصِ عرايا في مآتمِ الآخرينَ
كان يُعتَقدُ أنه سوفَ يُصلحُ ما خربَ في البيت الثقافي، سابقاً ولاحقاً، نتيجةَ السياساتِ الارتجاليةِ وانتشارِ الأفكارِ الرثةِ التي اوصلتِ الثقافةَ في العراقِ الى سردياتٍ للتسولِ واشعارٍ للمديحِ المجاني الرثِّ والتنظيرِ في بوتقةِ الجهلِ المفضي الى سيلانِ انهارِ الدمِ ومحقِ الاخرِ، فَوَجَدَ نفسَهُ ليسَ في وزارةٍ تصنعُ الثقافةَ العقلانيةَ بل في دكاكينَ لإنتاجٍ الخرافةِ وصناعةِ الطواطمِ.
استهدفوكَ لأنك الممتلئُ، المكتنزُ، الريانُ، الطريُّ، المستمعُ.
استهدفوكَ لأنهم يعرفونَ عدتَكَ وهي قلمٌ وورقةٌ وكتابْ، انه امرٌ دبّرَ بليلٍ مكتنزٍ بالذئابْ،
انها معركةٌ غيرُ متكافئةٍ ... عدتُهم كاتمُ الصوت ... وانتَ تصدحُ بحنجرةٍ لوطنٍ للغدِ السعيدْ... هم مدججونَ بالحقدِ والكراهيةِ وازهاقِ الأرواحِ... وانتَ متحصنٌ بابتسامتِكَ الشفيفةِ وقلبُكَ المفعمُ بحبِّ العراقِ وناسِهِ الطيبين... هم ثلةٌ تجتمعُ كالخفافيشِ في اوكارِ الظلامِ... وانتَ تتلو صلاتَكَ تحتَ ضوءِ الشمسِ وفي ساحةِ الأندلسِ لتشعَ أفكارُكَ على العالمِ اجمعْ... هم يخافونَ الجميعَ ولهذا حجبوا وجوهَهم بجواربَ نسائيةٍ باليةٍ او بقايا (لباسِ) عاهرةٍ( حاشاها) لم تتبْ حتى الان... وانتَ تتباهى بوجهٍ بلا ندوبٍ ولا تجعداتٍ فكرية ولا تموجاتٍ بل بابتسامةٍ دائمةِ الخضرةِ تزيدُ ملامحَ وجهِكَ نضارةً وأُلفةً بين البشر .
فقدتْكَ الثقافةُ العراقيةُ كواحدٍ من مفكريها العقلانيين، فقدَكَ الوطنُ كأمينٍ على سمعتِهِ واعلاءِ شأنِهِ... فقدَكَ الجميعُ كمحبٍّ بين الناسِ الطيبين... وفقدَكَ أعداؤك لأنهم لم يجدوا مثلَكَ بعد
ليتباهوا بقتله ويُغيظوننا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل