/
/
/
/

قرأت قبل شهور " نعياً" لمقهى شهير في بيروت، شكل ـ بإجماع العامة والخاصة ـ علامة مهمة من علامات شارع ـ الحمرا ـ وهو مقهى " كوستا بيروت " والنعي هنا لا يختلف عن نعي من نحب، لذا وتماهيا مع النعي.. انهالت ذكرياتي عن... مقهى " الهورس شوز " وهذا اسمه القديم الذي تحول فيما بعد الى مقهى " كوستا " وسبب الاغلاق هو "الكساد الاقتصادي " هذه العبارة القاتلة، العبارة التي تتحول فيها صروح وشواهد ثقافية الى محلات بيع الاحذية والملابس.  وقد ورد ذكر مقهى " الهورس شوز " كثيرا في روايتيٌ " ذاكرة ارانجا " و " لماذا تكرهين ريمارك " .. " الهورس شوز " كانت مستقري اليومي في سبعينات القرن الماضي، لا يمر يوم دون أن أجلس في هذا المقهى الذي كان يرتاده كبار الكتاب، هناك التقيت أول مرة مع " ادونيس " و" محمود درويش " و " نزار قباني " ولقاءً سريعاً مع " محمد الماغوط " اللقاء الذي ذكرته في مقالتي" وداعا ايها الطائر الازرق العينين " ومحطة يومية لنا حينما كنت أعمل في مجلة الى الأمام .. مع اصدقاء كبار في كل شيء، أولهم مؤيد الراوي وشريف الربيعي وهناك التقيت أول مرة بالشاعر الراحل " جان دمو" والكثير من المعارف والاصدقاء. حينما زرت بيروت في عام 2010 بعد قطيعة لأكثر من ثلاثين عاماً، طلبت من سائق التكسي، أن يقلني الى شارع الحمرا.. وتحديدا الى مقهى " الهورس شوز " بقي يدور في شارع الحمرا .. سأل أكثر من شخص ، لم يستطع أغلب من سألناهم معرفة اسمها الأول الرصين والقريب من القلب ... الهورس شوز " كعب الحصان " حتى فهمنا من رجل خمسيني ، أن المقهى تم تبديل اسمه الى " كوستا بيروت " يومها جلست في المكان ذاته الذي كنت اجلس فيه في سبعينات القرن الماضي .. المكان الذي يطل على شارع الحمرا .. ايام الهوس السياحي القادم من كل دول العالم! كنت ادخن سكائر "الكنت الابيض الطويل" الممتزجة مع رائحة البن.. واواصل الجلوس لساعات منتظراً الأصدقاء، نتحلق حول مائدة ندخن وندخن ونشرب القهوة اللبنانية الرائعة .. وداعا مقهى الهورس شوز .. او مقهى " كوستا بيروت " ولكن هل تكفي كلمة وداعا ونحن نحمل في اعماقنا من الصور الكبيرة والجميلة ..  عن المكان بحلته الشاعرية والانسانية، عن القصائد التي كانت تقرأ ويتم تشريحها على مائدة من موائد " الهورس شو " ... عن الحنين الى الوطن الذي نغسله ببقايا القهوة والدخان والشعر والمقالات التي كانت تكتب على تلك الموائد ..  ولا أعلم كيف كان يتسنى لنا الكتابة والتأمل ونحن بمواجهة صخب أشهر شارع من شوارع العالم ...بل كان بعض الرسامين يفرشون اوراقهم على تلك الموائد ويرسمون بأصابع الباستيل واقلام الماجِك او الفحم أجمل اللوحات ...  هل اقول اخيرا اللعنة على "الكساد الاقتصادي".. اللعنة على اللحظة التي سيتم فيها إنزال يافطة أشهر مقهى في بيروت وتحويله الى محلات بيع الاحذية كما حصل في المجازر التي ارتكبت في شارع الرشيد بحق مقاهي " البرلمان و البرازيلية و البلدية " والكثير الكثير من الشواهد المعرفية والثقافية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل