/
/
/
/

1
هي سيرة الأرض والإنسان، تلك العلاقة الإشكالية المعقدة، وبما في ذلك التمسك بالجذور وبالنشأة الأولى. برتقال غسان كنفاني الحزين صار حزناً مُقيماً دامياً على مرِّ السنيين. ضرب الحزن شروشه في كل الأصقاع التي استقبلت هذا الفلسطيني المقتلع اقتلاعاً من أرضه و بياراته التي صارت ذكراها مزيداً من الحزن الذي ينهش ما تبقى من روحه المتمردة الثائرة. وحتى ذلك الفلسطيني الذي تشبَّث بما تبقى من أشبار أرضه الصخرية القاسية عاش حزيناً في الداخل الفلسطيني -أرض 1948- و كان يظنِّ بأن الحزن يمكن أن يكون صديقاً، لكنه لم يكن يتصور أن يكون وطناً يسكنه، ويتكلم لغته، ويحمل جنسيته. تحول حزنه إلى هوية فجاء شاعر كردستان "شيركو بيكه سه" ليقيس أحزان أهل فلسطين فقال: جاء التاريخ وقاس قامته بقامة أحزانكم، كانت أحزانكم أطول. أما من علاج لهذا الأسى الإنساني المقيم؟ أم صار الحزن عند الفلسطيني جبلاً يتمشى معه وينتقل؟

2
يمكن أن نمرّ سريعاً على تلك المكتبة العامرة بالتراجيديا التي كتبها غسان كنفاني عن أرض البرتقال الحزين. لقد ترك هذه الأرض والمشاهد تتلاحق أمام عينيه و عجلات الشاحنة تنهب دروب الريف الفلسطيني المتعرجة نهباً -و العصابات الصهيونية تنهب هي الأخرى ما تركه أهل فلسطين في ديارهم- وطلَّة عكا العتيقة الشامخة على الساحل الفلسطيني تختفي شيئاً فشيئاً في منعرجات الطرق الصاعدة إلى رأس الناقورة على الحدود مع لبنان. كان غسان كنفاني يبلغ من العمر اثنا عشر عاماً ينظر إلى بيارات البرتقال الحزين من مكان جلوسه على ظهر الشاحنة التي اقلته مع أهله. هل كان يُدرك أنها المشاهد الأخيرة التي ستبقى في الذاكرة؟ ها هي تختفي من أمام عينيه ولكنها تبقى حاضرة في وجدان الولد الذي ولد على عجل، وسيرحل بعد سنوات التشرد والضياع والعمل الصبور بعبوة ناسفة في بيروت على عجل.

3
الصراع على الأرض سيحمل قيمة رمزية وجمالية في جميع ما كتبه غسان كنفاني وسيتفرع عنها ثقافة الشتات في المكان والزمان. وها هي "أم سعد" قد جاءت تحمل عرقاً من دالية بدا يابساً، مثل دقات الساعة جاءت، هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلماً لا نهاية له. فاحت في الغرفة رائحة الريف. وتقول لغسان:
-
قطعته من دالية صادفتني في الطريق، سأزرعه لك على الباب، وفي أعوام قليلة تأكل عنباً.
واقعياً، فإنه ثقافة المكان التي تُحيلنا إلى بساطة العيش في القرية العربية و بيئتها العفوية الصادقة الحميمة والتي تُنتج في وجدان الفرد النخوة والعنفوان الذي يفور في شرايين جسد صاحب بيارات البرتقال فلا يستطيع الكفَّ عن المُطالبة بحق العودة إلى دياره وبيارات برتقاله ولو كان هذا البرتقال حزيناً. من هنا، نتوقف عند محور ثقافة الأرض فإن هنالك دائرة متكاملة تبدأ من العلاقة بالمكان وكيف تبدو ظاهرياً وعملياً، وإلى أي مدى يتفاعل الكائن جغرافياً ويهندس بيئته المكانية.

4
هذه التراجيديا الفلسطينية التي رافقت غسان كنفاني في كل أعماله الابداعية وأضافت نهايته الفاجعة حزناً على البرتقال الحزين. كان صباحاً صيفياً دامياً في بيروت يوم السبت الثامن من تموز 1972 يزن سبعة كيلوغرامات من المتفجرات مزَّقت جسد ذلك الغزال الذي كان يُبشِّر بزلزال. تقول أم سعد عن ذلك الصباح الدامي:
كنتُ إلى جانب النافذة المطلة على الحديقة أحمل كوب الحليب وبجانبي آني زوجة غسان، وفجأة دوّى انفجار رهيب، أوقع الكوب من يدي. تحطم زجاج النوافذ وتناثرت شظاياه في أرجاء البيت. أسرعتُ وسحبت آني كنفاني من تحت الزجاج المتناثر دون أن أدري حينها أن الزجاج تداخل في جسدي كله. هرولت دون وعي نحو الشارع. كان المشهد يدمي القلب، فقد استحالت سيارة غسان كنفاني الصغيرة إلى أشلاء متناثرة .حملتُ دثاراً لتغطية جسد لميس -بنت اخته فائزة- المشتعل بالنيران ، ثم بحثت عن غسان فوجدته بين ألسنة النيران مفتوح العينين مقطوعاً من وسطه، إحدى قدميه داخل السيارة والأخرى تسلقت على شجرة زيتون قريبة، يده إلى جانب الحائط في حين لم أجد يده الثانية. بدأت أتفحصه، قلبه كان بادياً ينبضُ، والوجه وحده بقي سليماً تلوح من قسماته ابتسامة حزينة-يا لهذا الحزن الذي يُرافق الفلسطيني حتى في موته- لا أعرف كيف أتيتُ بكيس ورحتُ أجمع فيه أشلاء هذا الرجل الفلسطيني.

5
ما هذه التراجيديا الفلسطينية يا غسان؟ غادرت عائلتك عكا وكان آلاف العرب قد فروّا من الإرهاب الصهيوني في هجرة جماعية، يتقدمهم الأطفال والنساء، وبقي البعض من الرجال كي يحرسوا قراهم وبلداتهم. حمل الجميع معهم مفاتيح بيوتهم واتجهوا صوب لبنان حيث سكنوا قريباً من الحدود كي يكونوا بين أوائل العائدين إلى منازلهم بعد انتهاء القتال. لقد كانت أرض فلسطين هاجس كنفاني الدائم حتى استشهاده بعيداً عنها. كانت رحلة الهجرة عن أرض الوطن من أهم الأحداث التي أثرت في حياته الأدبية، ورواها بعد عشر سنوات في قصة من أجمل قصصه "أرض البرتقال الحزين".

6
لقد سار إنتاج غسان كنفاني الأدبي جنباً إلى جنب مع نشاطه الصحفي والسياسي، وكان قبل موته بزمن طويل يُعتبر من أفضل الكتاب العرب والفلسطينّيين. وكان في العادة يبني القصة أو الرواية أو المسرحية في ذهنه، ثمَّ يكتبها كلها في زمن قصير، مضيفاً إليها تصحيحات قليلة فيما بعد. هل كان في سباق المسافات الطويلة مع الوقت، فقد كان يسرق اللحظات من سياقها اليومي، يعيش و يحلم و يكتب و يُحب و يُسافر و ُحاضر و يرسم و يُعاند مرض السكر ويسقط في الشارع غائباً عن الوعي ويفيق على طعم حبة شوكولاتة. السؤال الذي طرحه رفيقنا الجميل الكبير محمد دكروب عن غسان كنفاني هو كيف استطاع هذا الرجل الفلسطيني المسكون بكل ما يمت بصلة إلى أرض فلسطين أن يُنتج هذا الكم الوافر من الأدب الجميل في عمر قصير؟ لقد قتلوه حين كان لا يزال ينمو ويكبر، وكان خطره على إسرائيل أكبر من أن يتحملوا وجوده.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل