/
/
/
/

أفصحت الروائيّة المصريّة سماح الجمّال في روايتها الواقعية "شجرة اللوز"، عن مستويات النسق الفني الظاهر، ومستوى النسق الفني المضمر، في تناولها قضية المرأة المعاصرة وأسلوب الزواج اليوم، وما بعده وأثره عليها في مجتمعاتنا العربية وتحديداً المسلمين، في خضم بحر من تقاليد أسريّة مسكوت عنها خاضعة لأعراف المجتمع لا تمت للدين والعلم والعقل بصلة، في مستويات متباينة التناول للحدث الروائي الزواج واسلوبه، والمكان وتفاعل الشخصيات الروائية فيه، فمنذ الصفحات الاولى، باكرت الروائية المصرية سماح الحمّال بأن تضع بصمتها المحترفة في بداية" شجرة اللوز"، لتكون فيها نتائج خضوع شخصية "أميرة" المتعلمة والعاملة في الصحافة، خضوعها لضغوط الاسرة الخاضعة للتقاليد والاعراف وكلام الناس والاقارب خوفاً مِن أن يقال عن ابنتهم "عانس".
لقد كانت الانا الثانية أو الراوي على حدّ قول سيزا قاسم، تلك الأنا الثانية في شخصية سماح الجمّال التي جعلت من المُدونة رواية قصيرة بـ "120" صفحة من القطع الوسط، بما يناسب تلقي القراءة في عصر شبكة المعلومات والتواصل الاجتماعي المكثف، وهي ذاتها الانا الثانية التي سردت الجمل القصيرة في الصفحات الاولى من "شجرة اللوز"، والمعبرة عن الاحاسيس لشخصية " أميرة" نتيجة زواجها غير الراغب فيه الذي دفعها الى غرفة بمشفى للصحة النفسية، بما يُحسب للروائية المصرية سماح الجمّال، على وفق ما كتب الناقد العراقي ياسين النصير عن الغرفة في مشفى، الذي أطلق عليه "شحنة الموقع" من كتابه "الشعرية المكانية رؤية جديدة"، طبعة نينوى حين كتبَ:" تكون شحنة الموقع محددة بهوية الموقع نفسه، وربما باسمه وعنوانه، والرواية والنص الذي يتعامل مع موقع ما ، عليها ان تكون مكثفة ، قصيرة مشحونة بطاقة التأويل، باطنية الى حدّ ما، لغتها تنبع من الاحاسيس والممارسات القصدية ليس فيها شروحات واسعة وربما احالات الى الخارج.."، فكانت بداية الرواية هذه، تمثل المستوى الاول من المتن الروائي والذي يختص بشخصية "أميرة" - من أول صفحة فيه الى ص 23 - حين بدأت شخصية "أميرة" تكتب حكايتها وهي في غرفتها بالمشفى متحدية طبيبها النفسي المعالج بل نفسها وسواسها، فكتبتْ ما حدث معها بقصدية ممارسة المواجهة مع الذات والمجتمع، كتبتْ عن زواجها وحريتها، وليكن ما كتبته عن حياتها سيكوّن المستوى الثاني الذي يمثل أغلب الرواية باختلاف اللغة والاماكن والاحساس عن المستوى الأول، فالمستوى الثاني الذي يتضمن مستويات عدّة جاءت بأسلوب الراوي مرّة وبأسلوب صوت المتكلم مرّة ثانية، وأحيانا عبر الحوار الذي صار كاشفاً لوقائع مهمة في الرواية من مثل موت "سلوى" على يد زوجها "اشرف"، سلوى التي لم تحقق لليلة واحدة سعادتها على فراش الزوجية بسبب زوجها "اشرف" المثلي ولم تستطع البوح بما تريد خشية الفضيحة وراحت تخونه مع أحد أصدقائه، حتى اكتشف أمرها فقتلها، "سلوى واشرف" هما مستوى من المسكوت عنه في الواقع كما كتب الناشر في ظهر الرواية: "لماذا شجرة اللوز!، لأن بعض ثمارها حلوة المذاق وبعضها الاخر يثمر ثماراً مرة... فهكذا حال ومآل الشخصيات الرئيسة في رواية " شجرة اللوز" تقدم عالما صادماً وسرياّ لما يدور في بعض أوساط مجتمعنا المعاصر"، أما شخصية "أميرة" فكانت في تبئير خارجي وداخلي بحسب نوع الروي، وبؤرة مركزية لأحداث السرد في المستوى الثاني ضمن منطقة المسكوت عنه الذي تضمن مرويات "سلوى واشرف" و"ماجي وزوجها" وهن صديقات "أميرة" التي كانت تريد اكمال الماجستير وأن تختار هي بنفسها مَن ترتبط به زوجاً لها، فكان هذا التفكير يمثل مستوى مهما في الرواية لكن ضعف شخصية "أميرة" وهو ضعف واقعي أمام مستوى التفكير الاسرة الام والاب اللذين يمثلان نسقا مجتمعيا قوياً، وغير مدرك لما ستكون اليه حياة ابنتهم بسبب خضوعهم وخوفهم عليها بحسن نية، مِن الناس والاقارب بقولهم كلمة "عانس" عليها، وهو أيضا من المسكوت عنه في نمط حياتي واقعي، بينما شكّلت شخصية "دلال" المرأة التي تحاول أن تجعل الامور وسطاً بين المستويات كافة ولكن بطريقة غير شريفة ولا تستطيع هي اعلانها أمام الجمع، نجد هذا في كلامها وهي تحاول إقناع "أميرة" بالزواج من "خالد" في حوار كاشف لهذا المستوى الروائي وشخصية "دلال" منه والكلام لـ"دلال":" طيب .. أي كلام بيننا سيكون سرا، أوعدك حتى أمك لن تعرف. هل حدث بينكِ وبين أي أحد علاقة وتخافين أن تنكشف قولي لي وسنتصرف.. كل مشكلة ولها حل عندي"، بينما جاء رد "أميرة" في منولوج داخلي بعد أن تركتْ "دلال" غير أبهة بها:" لم أتخيل ما أسمع، كيف تجرؤ وتفكر فيَّ بهذه الطريقة ؟وماذا تعني "سنتصرف"؟ أفهم تلميحاتها تماما وإن لم تصرح فنظرتها تؤكد ما فهمت".

بداية ثانية والمستوى المضمر

كان من جماليات المتن الروائي أن يكون مستواه المضمر ضمن النسق الفني المضمر من الرواية بهذا الحجم الذي ستتناوله السطورُ هنا خلف مدلول المتن الروائي لـ "شجرة اللوز"، وليضاف الى جماليات النسق الفني الظاهر ومستوياته فيما سبق مِن كشف للمسكوت عنه، محاولة من الروائية سماح الجمّال وضع الاصبع على الجرح من أجل علاجه، فالنسق الظاهر في السرد الروائي مثّل أحداثا تدور في منطقة الترف مِن الحياة والناس المترفة مثل "سلوى واشرف" اللذين قضيا شهر العسل في باريس، ومِن مثل "خالد" الذي يمتلك شقة وله عمل يوفر دخلاً كبيراً ويسافر مِن أجل اعماله ويواصل تحقيق طموحه بإكمال دراسته العليا، "خالد" الذي تزوج بـ "أميرة" وبعد اشهر تركها وسافر من أجل عمله، تركها في شقته فتعرفتْ بعلي سامي الصحفي المشهور والمتزوج وله أسرة مستقرة لكنه يعاني من إهمال زوجته له وهو مِن ميسوري الحال أيضا، فكانت خيانة "أميرة" لزوجها الغائب وتعلقها بعلي الذي لم يستطع الزواج بها بعد طلاقها من "خالد"، بسبب مظهره أمام زوجته وأولاده ووضعه المجتمعي، كما أن أسرة أميرة أهلها كانوا ميسوري الحال وجارتهم " دلال " كذلك، وكذلك شخصية "ماجي" وزوجها الذي أسلم مِن اجلها، لقد كانا من ميسوري الحال كذلك، هذا ما كان في النسق الظاهر ونذكره هنا لكي نكتشف النسق المضمر، الذي يحمل مستوى غير مدون لكنه في فضاء الكلمة والسطر، في الفضاء الفكري من مدلول النص الرواية ،على حدّ قول الناقد العراقي ياسين النصير في كتابة "كلام النص" طبعة دار عدنان، ليمثل هذا المستوى المضمر: أسر محدودي الدخل ومَن هم تحت خط الفقر في الدول العربية المشمولة بهذا الخط اللعين، والبطالة والذين لم يكملوا تعليمهم الابتدائي حتى، والاميين، جمعيهم لهم أسر فتعاني البنت والمرأة في هذا المستوى المضمر أكثر مما كانت تعانيه شخصية "أميرة" وغيرها في النسق الظاهر ومستوياته، فبيع النساء والتجارة بأجسادهن بسبب العوز، ومظاهر الزواج العرفي أو زواج المسيار أو المتعة بسبب العوز أيضا. أو زواج القاصرات في الدول العربية وخصوصا في منطقة الحرمان التي تعيشها أسرهن، وهذا المستوى ضمن المسكوت عنه ايضا، أنه مستوى مضمر صحيح لكن القارئ لرواية "شجرة اللوز" من تلك الفئة المحرومة نساءً ورجالا ،سيكتشف هذا المستوى بسهولة لأنه دائما يبحث عن وجوده بين الناس في المجتمع وغيره، كما سيجد هذا المستوى الباحث في علم السيسيولوجيا، والقارئ الواقعي كما وجدتهُ أنا الآن، في حين كان المتن الروائي في النسق الظاهر منه يشتغل على أن يكون اختيار المرأة للزوج هو الصحيح وهذا ما تحقق في زواج "ماجي" لأنّها الوحيدة من بين صديقاتها "أميرة وسلوى"، التي اختارت زوجها أو قِبلتْ به عن قناعة، وهن وأهلهن وأزواجهن بذلك الترف، فكيف من الممكن أن نتصور حياة بنات العوز والفقراء، هل ممكن أن تمنحهن الحياة فرصة الرغيف أولاً؟ وفرصة الاختيار والعيش بسعادة ثانياً؟
لقد كانت رواية "شجرة اللوز" إبحاراً مجتمعياً في عوالم النساء الصديقات" ماجي وأميرة وسلوى" واسرارهن وطريقة تعاملهن مع الحياة، لقد أوصلت الروائية المصرية سماح الجمّال رسالة المرأة عبر روايتها "شجرة اللوز" بأسلوب رشيق مكثف كما قدمت السطور، تارة بالتلميح كما في النسق الفني المضمر ، وتارة بالتصريح كما في النسق الفني الظاهر من المتن الروائي ومستوياته المختلفة، وتارة بإشارة ضمنية مخفية في تعاقب الصفحات وبين السطور في النسق الظاهرة، منه قالته "دلال " التي أفسدتْ بكلماتها "أميرة " يوم حاولت اقناعها بالزواج من "خالد".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل