/
/
/

( 1 )
*.. كُتبت قصيدة /للريل وحمد/ بين عامي 1956 – 1958، ونشرت في الستينيات في مجلة المثقف العراقية، وقد لفتت الانتباه بقوة حال نشرها، وذاع صيتها في العراق، واصبحت في تداول الأوساط الثقافية والاجتماعية شفاهياً وتحريرياً حتى يومنا هذا، وتجذرت اكثر في تلقيها بعد ان حُولت الى اغنية.
( 2 )
*.. القصيدة تقوم على التماهي مع تجربة حب حقيقية، كان الشاعر طرفاً في الاستماع الى بعض تفاصيلها في رحلة القطار النازل الى البصرة، حيث جمعته المصادفة مع إمرأة، تجلس على مقربة منه في العربة نفسها (الفارگون) من القطار، واستطاع بفراسة النابه أن يتلمس حزنها ويفك أساريره، واستمع الى قصة الهجر التي تعرضت لها تك المرأة مع حبيبها الساكن في (منطقة/ قرية) أبو شامات الواقعة على مقربة من سكة القطار. تفاعل الشاعر مع القصة بحساسية انسانية/ شعرية عالية وتمثل التجربة، وجعلها تجربته، رغم ان المرأة هي المتحدثة في القصيدة عن تجربتها الى القطار في معظم المقاطع؟ إلا ان الشاعر هو المتحدث إبداعياً، وبمهارة، بحيث لم يجعل الحوار بينه والمرأة، ولو حصل مثل هذا الافتراض لآلت القصيدة الى غير ما آلت اليه، فنيا. إذن قصيدة للريل وحمد قصيدة تجربة واقعية، تجربة واقعية بالنسبة للمرأة والشاعر على السواء، ولذلك غاب عنها التجريد، وشعّت بالتشخيص المصوّر.
( 3 )
*.. تجربة واقعية، على مقربة من موهبة وثقافة وإحساس انساني مرهف، وإنصات دقيق، كانت قصيدة للريل وحمد تتقدم بثياب جديدة، وعطر جديد، ومصافحات جديدة.
( 4 )
*.. أين تكمن سرية التجديد في هذه القصيدة الشاغلة؟ بعد ان تضحت سرية تجربتها؟
أ - القصيدة مكتوبة بالشكل المقطعي، وبتشكيل رباعي في كل مقطع، وهو شكل مألوف في الشعر الشعبي العراقي.
ب – القصيدة تعتمد – في بنائها الموسيقى الشعري – البحر البسيط وتحولاته التفعيلية مع بعض الحيودات، وهو بحر كُتب فيه الكثير من الشعر الشعبي.
ج – القصيدة تعتمد تكرار البيت الرابع كلازمة في نهاية كل مقطع، وهو اسلوب معتمد في الشعر الشعبي العراقي.
د – اسلوب المناداة، وفي القصيدة كان النداء /يا ريل/، وهو اسلوب ليس بجديد.
..............
*.. ان البراعة الفنية/ النوابية.. قد جاءت بالجديد الآتي:
أ – الجديد اللغوي وطريقة استثمار الطاقة الايحائية في المفردات وتوشجها الخفي مع الصوت واللون والحركة والشم.
ب – توليف التشكيل اللغوي مع حالة الحزن وصبابات العشق، ومرارة الهجران.
ج – المشاغلة الجسدية/ الجنسية الدافئة، ايحائياً وصورياً، وهي مشاغلة غير فاضحة، وذلك بانطاق مفاتن الجسد وما يزينه (الشَعر، النهد، الگذلة، العيون، الليرة، خزامة، شامة)، اضافة الى الهمس الجنسي الخفي:
*.. حدر السنابل گطه.
*.. ما ونسونه.
*.. ما يطفه عطابي.
*.. إتلجلج الليره.
*.. إمشله إشليله.
*.. گضبة دفو يا نهد، لملمك برد الصبح.
*.. نهودي زمن.
د – براعة استخدام النداء بـ/يا ريل/ الذي جاء بطريقة هندسية دقيقة لا تثير الملل، كونه لا يثبت في موقع واحد من المقطع:
ففي سبعة مقاطع، يكون النداء في بداية البيت الشعري الثالث، وفي مقطع واحد يكون في بداية البيت الشعري الاول، وفي مقطع واحد يكون في بداية البيت الشعري الثاني، في حين خلا مقطع واحد من النداء.
ان النداء عندما يكون في البيت الثالث، فإنه يجيء بعد التوصيف وشرح (الحالة)، وكأنه محطة تحسر على ما حصل في الوصف، وثُبت الى الريل، والشاعر أراد هو الآخر أن ينصت لهذه الاوصاف! قبل أن يخاطب الريل في نداء إستغاثة مشترك، أما المقاطع الاخرى، فلا وجود لوصف حالة، وإنما كل النداء الى الريل.
هـ - براعة التنويع في اسلوب تكرار /اللازمة/..، فبعد أن كثر استخدام /هودر هواهم ولك، حدر السنابل گطه/ وتجنباً للملل، اخذت هذه اللازمة تنويعات اخرى:
*.. يمكن اناغي بحزن منغه.. ويحن الگطه.
*.. خليهن ايهودرن.. حدر الحراير گطه.
*.. بطول الشعر والهوى البارد ينيم الگطه.
*.. قصيدة /للريل وحمد/ مقطعية البناء كما اسلفت وليست تراكمية التسلسل، ظهرت بتسعة مقاطع في الطبعة الاولى، وبعشرة مقاطع في الطبعة الثانية.
والقصيدة حين باشر الشاعر بكتابتها، لم تكتمل على دفعة كتابية واحدة، وإنما اكتملت على مراحل، ومثل هذه الطريقة في الكتابة المقطعية، تجعل القصيدة تقصر او تطول، وتحتمل الاضافة اللاحقة دون خلل وبخاصة عندما يكون الموضوع ذا زوايا نظر متعددة وشاعره على دراية كافية بالذي يفعله. من هنا جاء حذف المقطع الآتي من الطبعة الاولى، وتم تثبيته في الطبعة الثانية. وقد ناقشت هذه الملاحظة بتفصيل في مكان آخر من الكتاب.
* أرد أشري جنجل
والبس الليل خزامه
وارسم بدمع الضحچ
نجمه
وهوه
وشامه
ويا حلوه بين النجم
طباگه لحزامه
وهودر هواهم
ولك..
حدر السنابل گطع
.............
وأرى ان هذا المقطع لم يكن على لسان إمرأة، بل كان على لسان الشاعر، كما ان المقطع الآتي هو الاقرب الى صوت الرجل منه الى المرأة:
*.. چن گذلتك..
والشمس..
والهوه
شلايل بريسم..
والبريسم إلك سوه
واذري ذهب يا مشط
يلخلگك.. إشطوله!
بطول الشعر..
والهوى البارد..
ينيم الگطه
مع الملاحظة ان الشاعر في الطبعة الأولى كان قد ثبّت البيت الثاني من المقطع اعلاه على الشكل الآتي:
*.. شلايل بريسم
والبريسم إله سوله.
اي أن (إله) أصبحت (إلك).
( 6 )
*.. إستخدم الشاعر مفردتي (الريل والقطار) عشر مرات، أي بعدد المقاطع، ورغم تكرار هاتين المفردتين، الا أنه تكرار العارف، التكرار الذي لا يؤشر الارتكاز البنائي المقحم الذي يولد الملل، وإنما تكرار الانسياب مع حركة الريل الوحيدة، وتوقفه في محطاته.
إن الشاعر في استهلال القصيدة لم يستخدم مفردة الريل، وإنما استخدم القطار، وبلغة المرأة الريفية كانت (غطار)، وكان بامكانه ان يقول:
مرينه بيكم حمد..
وإحنه بريل الليل.
بدلا عن:
مرينه بيكم حمد..
وإحنه إبغطار الليل.
إلا ان الشائع في التداول كانت التسمية لنوبات القطار: قطار الصبح، قطار الليل، ولم تكن التسمية بالريل.
( 7 )
قصيدة /للريل وحمد/.. قصيدة التجديد الأول في الشعر الشعبي العراقي، في الخلاصة النهائية.
ــــــــــــــــــ
* فقرات مستلة من كتاب (بستان الرازقي) – ريسان الخزعلي 2018.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل