فكّك المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي، في كتابه "نقد العقل الزنجي"، فكرة الزمن الخطّي التي جعلت أفريقيا دائماً في موقع التأخر، فطرح تصوراً للزمن لا يسير وفق منطق التقدم الأوروبي. كما اهتم بسياسات الموت، وتحديداً بالكيفية التي تُدار بها الحياة نفسها في عالم ما بعد الاستعمار، حيث تستمر السلطة في تقرير من يستحق العيش، ومن يُمكن تركه للموت الرمزي أو الفعلي، وهو ما حرّر أفريقيا من صورة الماضي الأبدي، ووضعها داخل عالم معاصر تحكمه آليات كونية لا تعترف بالحدود الوطنية.

بدوره، انتقد المفكر والروائي الكونغولي فالنتين موديمبي في كتابه "اختراع أفريقيا"، الطريقة التي صُنعت بها أفريقيا داخل الخطاب الغربي، فأظهر أن القارة لم تدخل التاريخ بوصفها ذاتاً ناطقة، وإنما بوصفها موضوعاً للمعرفة. وقد انبنى موقفه هذا على ركيزتين أساسيتين:

أولاً: نقد "القفص المعرفي" و"المكتبة الاستعمارية"، إذ يشير "القفص" إلى إطار التفكير الذي وُضع فيه الأفارقة وما زال يحدّ تفكيرهم، نتيجة تبلور الأفكار التي تشكّلت حول أفريقيا، أما "المكتبة الاستعمارية" فهي مجموعة المعارف التي تشكلت في أواخر القرن التاسع عشر بهدف واضح: قراءة القارة وفهمها بطريقة تخضعها لمشروع سياسي كولونيالي.

ثانياً: إحداث تغيير جذري في شروط إنتاج المعرفة، أي نزع الاستعمار عن الفكر، والخروج من القفص المعرفي عبر التفكير ضدّه ومن خارجه، وطرح أسئلة جديدة، وتخيّل أسس نظرية ومفاهيم وأدوات ابتكارية تنطلق من موقع معرفي أفريقي، مستنداً إلى مفهوم "الجنوسيس" ممارسة منهجية، وهو السعي إلى المعرفة والتحرّي والتحقيق والحدس الشخصي، مميزاً إياه عن "الدوكسا" أي الرأي الشائع والمقبول اجتماعياً، وعن "الإبستيمي" بوصفه نقداً للبنية الفكرية العامة، حيث يشير إلى أن "الجنوسيس" هو مجموعة واسعة من المعارف المنغمسة في الحقائق والممارسات وطرق الحياة الأفريقية.

ويأتي فرانز فانون ليدخل الجسد المعذّب والوعي المشروخ إلى قلب النظرية، ففهم الاستعمار بوصفه تجربة نفسية عميقة تنتج ذاتاً منقسمة على نفسها، ترى نفسها بعين الآخر، وتفكر بلغته وتعيش داخل معاييره، لذلك كان التحرر عنده عملية اقتلاع قاسية لا تكتمل دون تفكيك البنية النفسية التي صنعها القهر الطويل.

بالنسبة للكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغو، فإن الهيمنة الاستعمارية لم تكن يوماً على الأرض وحدها فقط، وإنما على الخيال، إذ اعتبر أن اللغة ليست وسيلة محايدة، بل فضاء تنتقل عبره القيم والتصورات وأنماط الإحساس بالعالم، لذلك لا معنى لتحرر سياسي لا يصاحبه تحرر لغوي يعيد للإنسان الأفريقي حقه في تسمية تجربته الخاصة. هذا الرأي يحمله أيضاً المفكر البنيني بولين هونتونجي، والنجيري وول سوينكا والمصري سمير أمين، الذين يشتركون في رفض النظر إلى النموذج الغربي أفقاً للتفكير، وفي الوقوف ضد تحويل أفريقيا إلى هوية مغلقة أو تراث معروض، ودافعوا عن الفكر بوصفه إنتاجاً نقدياً يضع الذات موضع مساءلة دائمة، كما دافعوا عن التحرر بوصفه إعادة بناء لشروط التفكير والعيش والإنتاج.

إلى جانب هؤلاء الذين يعتبرون النواة الصلبة التي تمثل صورة التفكيك والتحرر المعرفي في أفريقيا، اشتغل مفكرون آخرون في مناطق الظل، وساهموا على نحو عميق في زعزعة الأسس التي قام عليها الخطاب الكولونيالي؛ ومن هؤلاء الكاتب والسياسي من المارتنيك، إيمي سيزير، الذي قدّم مبكراً أحد أكثر النصوص راديكالية في نقد الحضارة الأوروبية الحديثة حين ربط بين الكولونيالية والعنصرية والفاشية، معتبراً أن ما سُمّي بالمهمة الحضارية، لم يكن سوى عملية تبرير أخلاقي لعنف شامل طاول الإنسان والطبيعة واللغة معاً.

أما الكاتب أميلكار كابرال (غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر)، فقد نقل هذا الوعي التحرري إلى ساحة النضال السياسي، حين جعل من الثقافة ساحة مركزية للصراع، ورأى أن السيطرة تبدأ عندما يفقد الناس ثقتهم في طرق عيشهم ورموزهم وأساليب فهمهم للعالم. كما أن تحليله للاستعمار لم يتوقف عند الاستغلال الاقتصادي أو الاحتلال العسكري، وإنما امتد إلى تفكيك سياسات محو الذاكرة وإعادة تشكيل الذوق والمعايير.

وعلى جبهة التاريخ القديم، يذهب المؤرخ الكونغولي، ثيوفيل أوبينجا، إلى أن حضور أفريقيا ظل مُحاصراً داخل سرديات صاغها علم المصريات الأوروبي والأنثروبولوجيا الكلاسيكية، إذ تمكن في كتاباته من تفكيك فكرة أن الحضارة نتاج متوسطي منفصل عن أفريقيا السوداء، كما أعاد للتاريخ الأفريقي عمقه التاريخي وحرّره من قبضة التصنيفات الاستعمارية.

وتناول المفكر والاقتصادي الكاميروني سيليستين مونغا، في كتابيه "العدمية والنزعة الأفريقية" و"عدمية ما بعد الاستعمار"، الهيمنة الاستعمارية في صيغتها المعاصرة، حيث تتحول الهيمنة إلى منظومة معايير سياسية وأخلاقية تفرض باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة. إذ ركز تحليله على الكيفية التي تُصاغ بها صورة الدولة الأفريقية الفاشلة في الخطاب الدولي، وكيف يُعاد إنتاج موقع التابع عبر لغة تقنية محايدة في ظاهرها، معيارية في عمقها، تقيس المجتمعات وفق نموذج واحد وتحوّل الاختلاف إلى نقص.

في الأفق نفسه، اشتغل عالم الاجتماع الكاميروني، جان مارك إيلا، من داخل اللاهوت، كاشفاً كيف تحولت المسيحية في السياق الاستعماري إلى أداة ضبط ثقافي واجتماعي، وكيف جرى فصل الخطاب الديني عن واقع الفقر والاستغلال. ودعا إلى لاهوت أفريقي تحرري يربط الإيمان بأسئلة العدالة والعيش الكريم، متحرر من وصاية خطاب تبشيري صاغ العلاقة بين الإنسان وربه وفق نموذج أوروبي.

ورغم الجدل الذي أثاره الطابع الهوياتي لكتاباته حول "المركزية الأفريقية"، فقد مثّل موليفي كيتي أسانتي محاولة لكسر احتكار المركز الغربي لموقع المتكلم الكوني، إذ سعى إلى إعادة تمركز أفريقيا داخل إنتاج المعرفة عبر مشروع "التمركز الأفريقي"، جاعلاً من التجربة الأفريقية نقطة انطلاق في تحليل التاريخ والثقافة بدل أن تكون مادة لاحقة للتفسير.

ضمن هذا المسار يمكن إدراج مفكرات إفريقيات أسهمن في تفكيك مركزية المعرفة الأوروبية ونقد الأطر الاستعمارية للمعرفة، مثل السيراليونية، فيلومينا ستيدي، التي أعادت، في كتبها ("نساء فاعلات"، "المرأة السوداء عبر الثقافات"؛ "النساء والعمل الجماعي في إفريقيا")، تمركز الثقافة الأفريقية/الأفريقية-الشتاتية، كما انتقدت بحدة الإطارات الاستعمارية والعنصرية السالبة. بينما انتقدت المفكرة الأوغندية، سيلفيا تامالي، تصدير النماذج الليبرالية الغربية للجندر والحقوق إلى أفريقيا، مقترحة مفهوماً آخر للنسوية الأفريقية المتجذرة ثقافياً، بدل إنتاج تراتبية جندرية جعلت المرأة الأفريقية موضوعاً مزدوجاً للاستلاب.

هؤلاء المفكرون والمفكرات، على اختلاف مواقعهم، يشتركن في كونهن نقلن سؤال التحرر من مستوى الشعار السياسي إلى مستوى البنية العميقة للمعرفة، حيث تُصاغ مفاهيم؛ العقل والتاريخ والتقدم والإنسانية.

وأعدن النظر في شروط المعرفة نفسها، وفي اللغة التي يقال بها العالم، وفي مفهوم الإنسان كما صاغته الحداثة الأوروبية وقدّمته بوصفه كونياً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"العربي الجديد" – 31 كانون الثاني 2026