يعود سؤال العلاقة بين الاشتراكية والليبرالية اليوم بوصفه سؤالًا سياسياً ملحاً لا مجرد نقاش فكري. ففي زمن تتصاعد فيه النزعات السلطوية وتضيق فيه مساحات الفعل الديمقراطي، يقدّم كريس مايزانو ــ لمجلة  Dissent، خريف 2025 ــ قراءة نقدية لتاريخ اليسار، محاججاً بأن العزلة الأيديولوجية والنقاء العقائدي غالباً ما يقودان إلى العجز السياسي، بينما كان التقدم في محطات كثيرة ثمرة تحالفات واسعة بين تقاليد فكرية مختلفة توحّدها معركة الحرية. ينطلق المقال من حدث معاصر في الولايات المتحدة، حيث خرج ملايين المتظاهرين رفضاً لنزعة سلطوية متصاعدة، ضمن ائتلاف ضم نقابات ومنظمات مدنية ودينية وتقدمية. غير أن المفارقة، كما يشير الكاتب، كانت غياب أكبر تنظيم اشتراكي منظم عن قيادة هذا الحراك، بسبب تحفظه على العمل مع قوى لا ترفع شعار الاشتراكية صراحة. هذه الواقعة، في نظر مايزانو، ليست تفصيلًا تنظيمياً، بل تعبير عن ميل فئوي مزمن داخل أجزاء من اليسار، يفضّل نقاء الهوية على التأثير الفعلي في موازين القوة. لإسناد نقده، يعود الكاتب إلى كتاب برونو لايبولد «ماركس المواطن»، الذي يعيد قراءة ماركس بوصفه مفكراً سياسياً ديمقراطياً، متجذراً في التقليد الجمهوري الأوروبي في القرن التاسع عشر. يبيّن هذا الطرح أن اشتراكية ماركس لم تكن هروباً من السياسة أو ازدراءً للديمقراطية، بل على العكس، كانت ترى أن حل المسألة الاجتماعية يمر عبر تحقيق الحرية السياسية في إطار جمهوري ديمقراطي. بهذا المعنى، يصحّح الكتاب صورة شائعة تختزل ماركس في الاقتصاد وتفصل بين الخبز والحرية، وهي ثنائية لا تزال حاضرة بقوة في نقاشاتنا المعاصرة. يبرز المقال أهمية الفهم الجمهوري للحرية بوصفها تحرراً من الهيمنة لا مجرد غياب للتدخل. فالإنسان لا يكون حراً فقط عندما لا يُقمع مباشرة، بل عندما لا يكون خاضعاً لعلاقات تبعية اقتصادية أو اجتماعية تجعله تحت رحمة إرادة الآخرين. هذا التصور يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، ويجعل النضال السياسي والنضال الاجتماعي وجهين لمعركة واحدة، وهو ما يمنح الاشتراكية بعداً ديمقراطياً واضحاً، ويمنح الديمقراطية مضموناً اجتماعياً لا شكلياً. في النصف الثاني من المقال، يناقش مايزانو أطروحة ماثيو مكمانوس حول «الاشتراكية الليبرالية»، وهي محاولة لاستعادة تقليد ليبرالي كان معادياً للاستبداد ومتعاطفاً مع الديمقراطية الاجتماعية قبل أن تُختزل الليبرالية في صورتها النيوليبرالية الراهنة. يجادل مكمانوس بأن القيم الجوهرية لليبرالية، مثل المساواة في القيمة والحرية المدنية، لا تستلزم بالضرورة الدفاع عن الرأسمالية، وأن بالإمكان مواءمتها مع مشروع اشتراكي يناهض الهيمنة الاقتصادية. ومع ذلك، لا يتعامل المقال مع هذا الطرح دون تحفظ. فالغموض الذي يكتنف الموقف من الملكية الخاصة وشكل النظام الاقتصادي يطرح سؤالًا مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين الاشتراكية الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية أو الجمهورية الراديكالية. لكن مايزانو يرى أن أهمية هذا النقاش لا تكمن في حسمه النظري السريع، بل في فتح أفق سياسي وفكري أوسع لليسار، يخرج به من أسر القطيعة المطلقة مع كل ما هو ليبرالي.  المقال يقدّم نقداً مباشراً لوهم شائع في سياقاتنا، مفاده أن التمايز الأيديولوجي الحاد شرط للمبدئية. على العكس، يبيّن النص أن التحالفات الديمقراطية الواسعة، القائمة على مقاومة الهيمنة والاستبداد، ليست تنازلًا عن المبادئ، بل غالباً شرطاً لحمايتها. وفي لحظة تاريخية تتعرض فيها قيم الحرية والعدالة لتهديد وجودي، يذكّرنا المقال بحقيقة سياسية بسيطة: لا تنتصر الأفكار الكبرى وهي معزولة، بل حين تجد طريقها إلى الفعل الجماعي المشترك.