تقدم الحكمة الشعبية الشرقية أو الحكم والأمثال والأقوال المأثورة، صورة قوية موثقة في أحد جوانبها عن وحدة حال الناس في الشرق عبر آلاف السنين، وحدة حال قفز من فوقها المستشرقون الغربيون، أو حاولوا نفيها والاستخفاف بها. ولكن الوقائع تؤكد كيف تبادلت شعوب المنطقة خبرات العمل والفكر من خلال الحكمة الشعبية. يقول أحمد شوحان صاحب مكتبة التراث في دير الزور في مقدمة كتابه «الأمثال الفراتية»: وأمثال وادي الفرات المتداولة اليوم نجدها كأمثال العرب حين فشت فيهم العجمة، نجد فيها الكلمات التركية والكردية والفارسية وغيرها. وما ذلك إلا لامتزاج الثقافات والحضارات وتبادل الفكر بين الشعوب. وقارن أحمد شوحان أمثال الفرات بأمهات الكتب التي تتحدث عن أمثال العرب وتبين له من خلال البحث أن أمثال الفرات بنت أمها وماهي إلا فرع من أصل. إذ تشترك الأمثال الفراتية مع الأمثال العامية البغدادية والسورية والمصرية. ولها ما يقابلها في الأمثال العربية الفصحى. وذكر عبد القادر عياش في كتابه «أمثال دير الزور» وجود الكثير من الكلمات السريانية والآكادية في الأمثال الفراتية. كما ذكر الأب يوسف قوشاقجي في كتابه «الأمثال الشعبية الحلبية وأمثال ماردين» أن أمثال حلب باللهجتين الحلبية والجزراوية الماردينية مليئة بالكلمات الفارسية والسريانية والتركية والكردية. ولها ما يقابلها في الأمثال العامية المصرية. وقال سلامة عبيد في كتابه «أمثال وتعابير شعبية من جبل حوران _ السويداء» إن هذه الأمثال نموذج للحكمة الشعبية باللهجة العربية الجبلية. ولهذه الأمثال ما يقابلها في بقية المحافظات السورية والبلاد العربية. توصل هؤلاء الباحثون إلى هذه النتائج بعد عمل طويل استمر سنوات طويلة، فالمؤرخ سلامة عبيد قد عمل 20 عاماً في جمع مادة كتابه المكونة من آلاف الأمثال، ونشرت وزارة الثقافة كتابه بعد عام 1985، أي بعد رحيله بعام واحد. وكذلك عمل أحمد شوحان 20 عاماً في جمع مادة كتابه المكونة من أكثر من 1500 مثل وحكمة شعبية، وأصدر كتابه في مكتبه مكتبة التراث عام 1985. بينما جمع عبد القادر عياش أكثر من 3000 مثل شعبي، وقدر أنه بالإمكان جمع ضعف هذا العدد. أما الأب يوسف قوشاقجي، فقد جمع أكثر من 5000 مثل وحكمة خلال سنوات طويلة في مجلدين كبيرين نشرهما سنوات 1978-1984. أي إن النتيجة التي توصل إليها كل باحث كان ثمنها سنوات طويلة من العمل. يقول وجيه العبد الله في مقاله «الأمثال الشعبية والصراع الطبقي في وادي الفرات» المنشور في مجلة (دراسات اشتراكية) عام 1985 أن الأمثال الشعبية لم تنسب إلى قائل معين، بل هي بنت العقل الجماعي للشعوب، لأن الذاكرة الشعبية لا تحتفظ بتاريخها في صيغة الفرد، بل تلتحم مع إبداعات الجماعة في صراعها المستمر. ويعرف سوكولوف الأمثال الشعبية بالشكل التالي: جمل قصيرة صورها شائعة تجري سهلة في لغة القوم وتسود مقاطعها الموسيقى اللفظية. بينما قال هويتمان إن الأدب الشعبي ينبعث من أعمال أجيال عديدة من البشر، من ضرورة حياتها وعلاقاتها، من أفراحها وأحزانها، وأما أساسه العريض، فقريب من الأرض التي تشقها الفؤوس. لأن الأمثال نتيجة منطقية للحياة في المجتمعات الزراعية القديمة.

وتعتبر الأمثال الشعبية مصدراً هاماً للتعرف على حياة وتاريخ الشعوب، حتى أن الكثير من المؤرخين اعتبروا الأمثال في الجاهلية هي التراث الأدبي الوحيد الذي يمثل الحياة العربية لأنه بحكم رواجه لم يصبه التحريف كما قد يصيب الشعر. ونشأت الأمثال في ظروف اجتماعية متشابهة عند شعوب الشرق وهي متوالدة من بعضها أو مهاجرة ومقتبسة بسبب التأثر المتبادل بين شعوب الشرق.

وإذا ما راجعنا الأمثال السومرية التي تعود إلى 5000 سنة، سنجد أن أغلبها يصور العمل والحياة الاجتماعية للناس. وفي الغالب تصور الأمثال عند جميع الشعوب صور العمل والحياة الاجتماعية، التفاوت الاجتماعي والصراع الطبقي، الصراع السياسي، السخرية من التوزيع الجائر للثروة. كما توجد أمثال وحكم عكس ذلك بسبب الطبيعة المتناقضة للأمثال الشعبية. من ناحية أخرى، فالحكمة الشعبية هي نتاج تاريخي وجزء من التطور التاريخي كما يقول أنطونيو غرامشي في كتابه «قضايا المادية التاريخية» والفرق بينها وبين الفلسفة أن الفلسفة نظام فكري متكامل بينما الحكمة الشعبية يصب وضعها في وحدة متماسكة بسبب طابعها المتناقض والمبعثر. وآثارها تعود إلى شكل جماعي من أشكال التفكير الذي يخص مرحلة تاريخية أو بيئة شعبية معينة. وأكد غرامشي من ناحية أخرى على ضرورة بلورة ذلك المذهب الفلسفي الذي سيتحول إلى حكمة شعبية متجددة، ولكن لا يتحقق لنا ذلك إلا إذا كنا نستشعر باستمرار ما يستلزمه الاتصال بالبسطاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

“قاسيون” – 18 تموز 2022

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل