/
/
/
/

عشية حلول الذكرى الأولى لانطلاق انتفاضة تشرين أجرت “طريق الشعب” حوارا مع الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ألقى فيه أضواء على تجربة الانتفاضة ومسيرتها وما حققته من منجزات، وموقف الحكومة الحالية منها ومدى استجابتها لمطالب المتظاهرين. وتحدث الرفيق السكرتير، من بين أمور أخرى، عن دور الشيوعيين في الانتفاضة، وعن آفاقها وامكانيات إحداث التغيير المنشود. وفي ما يلي نص الحوار:

طريق الشعب: في البدء هل من كلمة الى المنتفضين ونشطاء الحركة الاحتجاجية في مناسبة حلول الذكرى الأولى لانتفاضة تشرين المجيدة؟ برأيكم ماذا حققت الانتفاضة؟

فهمي: تحل علينا هذه الأيام، الذكرى الاولى لانطلاق انتفاضة تشرين الباسلة، وفي هذه المناسبة لا يسعنا الا أن نحيي المنتفضين الذي تحدوا القوى الحاكمة المتنفذة، وطرحوا مطالب أبعد ما تكون عن الفئوية، مطالب اكتسبت بعدا شعبياً ووطنياً، وعبرت عن معاناة مريرة لشرائح واسعة من المجتمع. ومن بين هذه المطالب محاسبة الفاسدين وتوفير فرص عمل وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
وقوبل المنتفضون بالحديد والنار والقمع الدموي، وقدموا المئات من الشهداء والالاف من الجرحى، لكنهم تميزوا باصرار وجرأة وشجاعة تثير الاعجاب وتكاد تكون غير مسبوقة.
هذا الحدث الكبير يدخل ضمن تأريخ العراق المعاصر باعتباره اهم حدث شعبي منذ تأسيس الدولة العراقية، خاصة ونحن شهدنا انتفاضات أخرى في تاريخ البلاد الحديث.
علينا أن نقف ونرفع قبعاتنا اعجابا بهؤلاء المنتفضين، فيما الشهداء سيبقون ذكرى ومثالا ملهما لشعبنا والشعوب الاخرى.
لقد سجل المنتفضون بحروف مضيئة صفحة مجيدة من صفحات تاريخ العراق الحديث، وهذه الصفحة ستتداولها الاجيال عبر السنين وهي تقدم الدرس الكبير الذي لا شك سيكون ملهما لاجيال من الشباب.
إن الانتفاضة وما حققته وما كان ينبغي ان تحققه، لايزال حاضراً على الرغم من مرور سنة على انطلاقتها الاولى، وما تزال الكثير من القضايا التي طرحت تكتسب نفس الراهنية والطابع الملح الذي اضطر الناس الى الخروج بتلك الاعداد الكبيرة.
اليوم، ونحن نحتفي بالذكرى الأولى للانتفاضة، نكبر الانجازات التي تحققت وهي غير قليلة؛ من اسقاط حكومة ودفع البرلمان والسلطات التنفيذية الى احداث تغييرات ربما كانت غير ممكنة التحقيق سابقا، كتعديل المنظومة الانتخابية، سواء ما يخص قانون الانتخابات أو المفوضية، ونبذ افكار ومواقف دعاة الطائفية. وفي هذا الجانب سدد المنتفضون ضربة كبيرة عزلت الطائفيين والفاسدين وكشفت جميع عوراته، وما ارتكبوه من موبقات بحق الشعب والوطن.
وضخ المنتفضون كما هائلا من الشجاعة والاقدام لدى الشعب العراقي بصورة عامة، وعززوا الثقة بالقدرة على انتزاع الحقوق والتصدي للظلم وفساد المنظومات الحاكمة.ورغم كل ما انجز، وهو كثير جدا، ما يزال هناك الكثير من الاهداف التي لم تتحقق بعد.
نعم هناك ما جرى تحقيقه او ما تم الشروع بالعمل على تحقيقه، كتلك الاهداف التي تم وضعها في المنهاج الحكومي سواء ما يتعلق بمحاسبة قتلة المتظاهرين، والسيطرة على السلاح المنفلت وحصره بيد الجهات المعنية في الدولة، واصلاح ما يتعلق بالفساد ومنظومة المحاصصة بابعادها المختلفة، فضلا عن الاهداف الوطنية كتعزيز استقلالية القرار العراقي .. جميع هذه المطالب كانت ضرورية وملحة، الى جانب مطالب انصاف العاطلين من الشباب والنساء وتخفيف تداعيات الازمة الاقتصادية على المواطنين وضمان انسيابية توزيع البطاقة التموينية وتحسين مفرداتها وتوفير فرص عمل لهم في سياق الكفاح من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية.
ولابد هنا من الإشادة بالدور البارز والبطولي للشباب وكذلك النساء، وهذا الامر بحد ذاته له ابعاد عديدة منها اجتماعية. واعتقد أن هذه البعاد ستتكشف خلال السنوات القادمة، فتأثيرات ذلك ليست ظرفية او آنية وانماعميقة. ومما له دلالة عميقة أن بعد العدالة الاجتماعية حاضر بقوة في المطالبات الشعبية. ونلحظ وجود المطالب الملحة والمشروعة خاصة ما يتعلق بالعيش الكريم، إلى جانب المطالب السياسية ذات العلاقة بمنهجية المحاصصة ومنظومة الفساد وتقاسم السلطات والاحتكار السياسي لها.
هذه الانتفاضة بقدر ماهي حدث كبير، هي ايضاً نقطة انطلاق جديدة ومواصلة للضغط على السلطات الحاكمة والمتنفذة من اجل تحقيق الاصلاحات التي ينشدها شعبنا، ومنها تلك المتعلقة باجراء الانتخابات المبكرة، التي من المفترض ان تجري وفق سياقات سلمية ودستورية، وكذلك الاجراءات التي ينبغي ان تتخذ ازاء محاربة الفساد واصلاحات النظام الاداري وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاسبة قتلة المنتفضين.

طريق الشعب: على مر الأشهر الماضية، استمرت الحركات الاحتجاجية وتنوعت، فما هو رأيكم بتعامل حكومة الكاظمي معها، وبمدى استجابتها عموما لمطالب المتظاهرين؟

فهمي: حكومة السيد الكاظمي هي حكومة محددة بمهمات آنية، ومطلوب منها وضع اهداف محددة وانجازها، كتلك التي تتعلق بالانتخابات المبكرة ومحاسبة قتلة المتظاهرين وحصر السلاح بيد الدولة، وانصاف عوائل الشهداء، وغيرها من الخطوات التي تعد جزءا من مطالب الانتفاضة.
الان الموقف الذي سجل على الحكومة هو ان الكثير من الأهداف، وقد جاءت في المنهاح الحكومي، لم تجد لها ترجمة عملية وافية على ارض الواقع، وبشكل خاص تلك التي تتعلق بمحاسبة قتلة المتظاهرين، وان كانت هناك بعض الخطوات الايجابية، منها اطلاق عمليات تعويض ذوي الشهداء والاعلان عن عدد شهداء الانتفاضة.
من حيث المبدأ هناك بعض الإجراءات، ولكن هناك، في الوقت نفسه، بعض التساؤلات المرتبطة بما تم القيام به حتى الان. فهل جرت بشكل كامل وسليم؟ وهل ان الإجراءات الروتينية ستستثني البعض او تعمل على تقليص عدد المشمولين بها؟
وفي هذا الصدد ايضا نوه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي خلال تصريحاته بأن الاجراءات التي اتخذتها حكومته هي تمهيد للخطوات اللاحقة، ولكن الزمن يلعب دورا حاسما، لاسيما في ما يتعلق بملف قتلة المتظاهرين الذي تأخر حسمه كثيرا، بينما لا يزال نشطاء جدد يضافون إلى قوائم الشهداء.
اضافة الى ذلك، هناك ملف السلاح المنفلت وعمليات الاغتيال والخطف الجارية على الرغم من تسليط الاهتمام على حالات معينة منها. في هذا الصدد نحن نؤكد على أنه ليس فقط من نفذ الجريمة يجب أن يحاسب، وانما ايضا من أعطى الأوامر بذلك.
فالمعطيات تقول بان جميع القضايا المذكورة أعلاه ملفات لا يزال العمل عليها دون المستوى المطلوب وبطيئا.
وفي ميدان مكافحة الفساد، يعد ما تم تحقيقه حتى الان خطوة بالاتجاه الصحيح ، لكن يجب ان تتواصل، وان ينال من يسمون بالحيتان الكبيرة جزاءهم العادل.
ويتوجب ان نشير الى أننا لا نريد ان نبخس ما تم تحقيقه في هذا الجانب، ولكن ما لم تجر محاسبة من تسبب بإراقة الدماء، والخراب الحاصل في البلد، سيستمر التصور بأن ما تم إنجازه يدخل في باب السكوت عن ملفات اكبر.
إن قوى المحاصصة، في حالة تراجع امام الضغط الشعبي وهي تحاول امتصاص زخم الحراك الجماهيري، ولكن حالة تراجعها تأتي في إطار الحفاظ على مصالحها، وليس من اجل الاستجابة للتغييرات المطلوبة.
من جانب آخر، كان هناك، في الفترة الاخيرة، تحسن نسبي في الموقف من الاحتجاجات، فالتعامل معها لم يكن مماثلا لتعامل الحكومة السابقة، ولكن المهم، وفِي كل الأحوال، هو حماية المنتفضين.
فالاعتداءات على المحتجين اليوم لم تجر من قبل الاجهزة الرسمية المعروفة، بل من قبل عناصر تطلق عليهم تسميات المليشيات، تقوم بعمليات الخطف والتهديد، وهي الى الان تتحرك بحرية. في هذا الجانب، لم تحقق الحكومة النجاح المنشود، الأمر الذي سيكون له ردود فعل وتاثيرات سلبية على الملفات الأخرى، خاصة تلك التي تتعلق بضمان نزاهة وعدالة الانتخابات المبكرة وحماية حق حرية التعبير وغيرها.
نحن ندرك جيدا ان هذه الملفات بالغة التعقيد، حيث هناك قوى متنفذة على جميع المستويات السياسية، تقف وراء ما حصل من تدهور في بلادنا، لذلك فالصدام مع تلك القوى امر وارد جدا، وقد تترتب عليه تداعيات صعبة خاصة وان مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية تعاني من الترهل والضعف والتاثيرات السياسية عليها. لهذا فالحرب على الفساد والسلاح المنفلت تحتاج الى ادوات فاعلة، على الرغم من وجود اجراءات من قبل الحكومة لتحسين هذه الادوات.
من جانب آخر، تعاني البلاد اليوم من ازمة اقتصادية ضاغطة تحول دون القدرة حتى على تأمين الرواتب، فضلاً عن الوضع الامني وتحدياته، وكذلك الاعتداءات والتدخلات الخارجية القائمة. لذلك نحن نقول ان الحكومة مطالبة بان تكون اكثر حزما وثباتا، وان تستمد القوة والعزم والتأييد من الحركة الجماهيرية، وعليها ان لا تخشى تصاعد الحراك الشعبي في الأيام القادمة، لكونه قوة داعمة ودافعة لعمليات التغيير، شرط ان يكون الحراك سلميا بالطبع.
ونرى أيضا ان مد الجسور مع القوى الحقيقية التي لها مصلحة في التغيير، وهي تتكون من اطياف شعبية مختلفة، اضافة الى قوى سياسية تطالب بالتغيير، يشكل عامل قوة ودفع باتجاه تحقيق التغيير المنشود.
أن جميع الخطوات المذكورة هي حلقات في طريق تحقيق مشروع التغيير، وليس التغيير المرتجى ، فالتغيير بحاجة الى خلق موازين قوى جديدة.

طريق الشعب: هل يمكن تقديم تصور أكثر تفصيلا عن موقف الحزب من الانتخابات المبكرة؟

فهمي: الانتخابات المبكرة وسيلة سلمية ودستورية وديمقراطية للمساهمة في عملية التغيير المشروع، لأجل ان تكون ارادة الشعب والناخب هي الحاضرة وتنعكس في تركيبة مجلس النواب المنتخب.
وهذا الامر لم يكن قائما في الانتخابات السابقة، بسبب اعمال التزوير، ولوجود القانون الانتخابي غير العادل وغير المنصف، فضلاً عن غياب الاستقرار الأمني، ووجود معدلات عزوف عالية جدا.
يراد من الانتخابات المبكرة ان تحقق الهدف المطلوب.. وهذا يستلزم ان تتوفر لها عدة اشتراطات، منها انه يجب أن تكون المنظومة الانتخابية جيدة، ونقصد بالمنظومة الانتخابية، القانون الانتخابي العادل والمنصف ومفوضية انتخابات تتمتع بالكفاءة والنزاهة بعيدا عن المحاصصة وعن تدخلات الكتل السياسية المتنفذة، ويتوفر اشراف حقيقي داخلي ودولي. ومن الواضح جدا في هذا الجانب أن هناك مشكلة ثقة، وهناك مؤسسات ما تزال غير جاهزة لتأمين كل مقومات ومتطلبات الانتخابات الحرة والنزيهة كما ينبغي.
وهناك ايضاً خشية من تزوير البطاقة الالكترونية والبايومترية والتي ينبغي ان تعتمد، ونحن ندرك جيدا أن أحد الاعتراضات على البطاقة أنها لم توزع الى الجميع خاصة وأن هناك مواطنين نازحين، وبالتالي قد يحجب حق الانتخاب عن اعداد كبيرة من المواطنين، ولكن يجب ان يعالج هذا الوضع عبر توفير الموارد البشرية والمادية وكذلك تسهيل عملية التوزيع.
كما نؤكد على توفر ضوابط ضرورية، اذ انه من الواضح جدا ان الانتخابات تتعرض الى مؤثرات كبيرة كالمال السياسي والبيئة الامنية، فضلا عما يخص التطبيق السليم لقانون الأحزاب، ذلك أنه ينبغي عدم السماح للاحزاب المسلحة بالمشاركة، اضافة الى الاحزاب التي تدعو الى الطائفية.
المواد في قانون الاحزاب المتعلقة في هذا الشأن لم تفعل، ويفترض تفعيلها اذ يجب ان تكون طبيعة القوى المشاركة منسجمة مع الدستور، اضافة الى أن العديد من التنظيمات لها ايرادات مالية غير واضحة.
كما ان هناك فاسدين وقتلة مجرمين يمتلكون اموالا باهظة وكبيرة جدا تستخدم في تمويل الحملات الانتخابية.
ويجب أن نذكر أنه اذا مضت الحكومة بثبات في الكشف عن ملفات الفساد وتقديم الفاسدين الى القضاء، وفي حالة تحقق ذلك، فان الحكومة عمليا ستبعد العناصر والقوى المتنفذة في الحكومة وخارجها عن الانتخابات. هناك ملفات فساد كبرى، ويجري الحديث عن تورط شخصيات سياسية وإعلامية ورجال اعمال .
الكثير من تلك الامور لم تعمل الحكومة على تحقيقها، ويعتقد كثيرون أن استمرار الامور على هذه الوتيرة يخلق صعوبات أمام توفير شروط ومستلزمات ان تكون الانتخابات حرة ونزيهة. وهناك من يشكك حتى في امكانية تحقيق الانتخابات في موعدها المحدد.
فقانون الانتخابات لم ينجز بعد، والقوى البرلمانية تحاول صياغته وفق مقاساتها، بحيث أنها تستفيد من تعدد الدوائر، التي تصمم وفق المصالح. بالتأكيد ان الوقت يمضي ويصبح من الصعب او حتى من المتعذر تحقيق الانتخابات في وقتها المحدد. هذا التعطيل ليس ذا بعد فني وحسب وانما يتضمن ايضا بعدا سياسيا.
ان تلك القوى التي تخشى من اجراء انتخابات تكون غير قادرة على التلاعب بها وتوجيهها وفق مصالحها، تسعى الان لضمان العديد من العناصر والمؤثرات التي تحت يدها بحيث تؤمن إعادة انتاج نفوذها وهيمنتها.
لذلك فالانتخابات المبكرة هي عنوان لتناقضات وتحديات عملية التغيير، فمن يريد الانتخابات ان تكون محطة مهمة نحو التغيير فانه سيدخل، لا ريب، في صدام مع قوى تخشى من هذا الامر، وتريد ان تجعل الانتخابات مجرد مناسبة فقط لاعادة انتاج نفسها، ذلك هو عنوان للصراع السياسي الكبير، والاقتصادي الاجتماعي.
نحن اليوم نتحدث عن مشهد ظواهره وتجلياته سياسية ولكن هو في العمق يعبر عن مصالح مختلفة ومتناقضة للنخب السياسية المتنفذة والمحتكرة للحياة الاقتصادية.
فالكثير من المواقع الاقتصادية اليوم هي محتكرة من قبل عدد محدود من القوى تستخدمها للسيطرة على الاسواق وللاستحواذ على ثروة البلاد فضلا عن تواطئها وتشابكها مع الدولة ومنظومات الفساد.
اذن، فالأزمة اليوم هي ازمة سياسية واقتصادية واجتماعية تهمين على كل مفاصل الدولة، لذلك فان الصراع حول الانتخابات ومحاولة فرض تصور بوجود إشكاليات فنية يتم في الاساس توظيفه لأغراض سياسية.
الانتخابات يجب ان تتحقق وفق الاشتراطات التي تحدثنا عنها، وفي حالة عدم تحققها، سيكون التشكيك فيها مقدما أمرا وارد الحدوث، وسينعكس ذلك على المشاركة في الانتخابات.
واليوم يجري التركيز على الدعوة للمشاركة الواسعة، وذلك لان العزوف عن المشاركة يؤمن للقوى المهيمنة والمتنفذة ان تأتي بممثليها بعدة طرق، سواء كانت شرعية او غير شرعية وبالتالي تتمكن هذه القوى من الاستحواذ على المناصب.
واليوم يتحقق التغيير عبر المشاركة الواسعة، وعلى من كانوا عازفين عن الانتخاب أن يشاركوا فيه، لكن ذلك لا يتحقق إلا وفق آليات توفر الضمانات نحو التغيير للافضل.
وفي حالة عدم توفر الضمانات، فأن هذا سيقود الناس إلى مواقف انعزالية، وربما تتكرر حالة العزوف وترتفع المطالبات بالمقاطعة، ونحن نريد ان نتجنب هذه الامور من خلال عمل الحكومة ومجلس النواب بشكل جدي لتوفير مستلزمات الانتخابات العادلة والنزيهة.

طريق الشعب: هل تعتقدون ان إمكانية التغيير متوفرة في الوقت الراهن؟

فهمي: ان التغيير مطلوب وضروري، فمنظومة الحكم والياته المعتمدة والادارة الاقتصادية للموارد قادت البلاد الى مسلسل من الازمات، واوصلتها الى مرحلة الافلاس، فضلا عن نسب الفقر والبطالة المرتفعة، والوضع الامني المتردي والسلاح المنفلت الى حد كبير، وهناك ازمات في مختلف الجوانب.
إذن الحاجة ملحة الى التغيير، وتتطلع إليه شرائح مجتمعية مختلفة. والانتفاضة كانت تعبيرا عن هذه الحاجة، ومطلب التغيير له قاعدة اجتماعية واسعة، والتغيير يتحقق وفق متطلبات ذاتية وموضوعية.
الموضوعية منها هي ما يتعلق بالازمة الشاملة ومنظومة الحكم نفسها، التي تعجز عن ادارة الوضع واستمراره كما كان في السابق. فقسم من الأوساط والقوى الماسكة بالسلطة تضعف او تفقد القدرة على المواجهة، وهناك جملة من العوامل التي تؤدي الى اضعاف القدرة على الاستمرار في العمل كالسابق، ونحن نشاهد بعض الملامح في هذا الشأن.
ولكن مع ذلك هناك الكثير من القوى لديها بعض الادوات والوسائل والامكانيات كي تبقى محافظة على مكانتها ومصالحها، ويمكن لها ان تتآزر وتتكاتف في هذا السبيل.
في الجانب المقابل هناك القوى التي تريد التغيير لكنها هي الاخرى لم تستكمل الشروط التي تؤهلها لأحداث التغيير، خاصة ما يتعلق بالارادة والتصميم والاقدام على مبادرات لتحقيق المطالب المشروعة، وهناك ايضا امور تتعلق بقيادة هذه العملية.
علينا ادراك حقيقة ان التغيير معركة قد تكون سياسية او جماهيرية، وان الجانب المقابل منظم اما كاحزاب او دولة لها توجهات محددة.
ان هكذا معارك لها قوانينها الخاصة كالهجوم والتراجع والتشدد في مواقف معينة وطرح الاولويات، وجميع ذلك بحاجة الى درجة من التنسيق والتوحيد بين الأطراف ذات المصلحة في التغيير.
وبما أننا نعول على الحراك الاجتماعي، فلابد أن نشير إلى أن هناك اشكالية في قيادة الحركات الاحتجاجية، ونعتقد أنه يجب ان تكون هناك قيادة تنبثق من داخل الحركة، تستوعب التنوع في الحركة الاحتجاجية، ويجب ان تتوفر آليات لمركزة القرار وصياغة الرؤى المشتركة، وان تتبلور منها اهداف واضحة وشعارات سليمة، فضلا عن الاتفاق على اشكال التحرك والعمل.
كما ان هناك بعض المفاهيم والتصورات التي تمت ملاحظتها في بداية الحركات الاحتجاجية، اما الان فهناك إدراك يتراكم بان هذه المفاهيم تشكل فعلا نقاط ضعف، منها الاستخفا بأهمية التنظيم، في حين ليس بالامكان اليوم قيادة هذا النوع من الصراع في ظل غياب التنظيم.
المواجهة يجب ان تكون منظمة، اليوم هناك ادراك بضرورة التنظيم وهناك الكثير من المجاميع داخل الحركات الاحتجاجية متجهة لتشكيل احزاب ومجاميع منظمة، وهذا حق مشروع، في حين كانت ترفع شعارات رافضة لهذا.
اضافة الى ان الحركة الاحتجاجية يجب ان تكون منفتحة وقادرة على التمييز بين العدو والصديق، وبالتالي المنظومة المفاهيمية يجب ان تكون مرشدة وتساعد في هذا التشخيص، اذ ان هناك شعارات رفعت ساهمت في خلط الاوراق وحالت دون التمييز بين الصديق والعدو.
الجانب الاخر المهم، هو ان القوى الرئيسية الفاعلة في الانتفاضة، حسب متابعة متواصلة لذلك، إضافة الى بعض الدراسات الاولية، تتكون في الأساس من فئات تعمل خارج منظومات الدولة كالكسبة والعاملين غير المنظمين، ومعهم أيضا مجموعة الشباب الخريجين اضافة الى جمهرة واسعة من النساء.
هؤلاء الذين يعانون من التهميش هم القوى الرئيسة التي كانت ذات وجود مؤثر وقوي في الانتفاضة، وهي تتسم بالجرأة والثبات. ولكن عندما نتحدث عن تغيير واسع وشامل ربما تبرز الحاجة الى ان تتوسع القاعدة الاجتماعية.
فعندما تلكأت الحكومة في توفير الرواتب، وعندما تعطلت عملية صرف رواتب التقاعد، أحدث ذلك تذمرا لدى الموظفين، وهؤلاء يشكلون بين 15 – 20 مليون مواطن مع عوائلهم.
والكثير من هؤلاء اذا كانت مصالحهم مؤمنة قد لا يشاركون في الانتفاضة، وهذا يفسر لماذا تعمل الحكومة ليل نهار من اجل تأمين الرواتب، ولكن لا نجد الحرص ذاته على مجاميع المواطنين الذين هم خارج منظومة الدولة، ولا يعتمدون عليها في توفير مداخيلهم وقوتهم اليومي.
هذه الانتفاضة يجب ان تجتذب الفئات الاخرى من المجتمع كالنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني والمجاميع الأخرى التي تمثل شرائح اجتماعية مهمة. وهذه المجاميع الكبيرة عندما تدخل الى ساحات الاحتجاج ستعمق المضامين وتوسع القاعدة وصولا الى تحقيق عملية التغيير.
ويتوجب ايضا ان تتم استمالة منتسبي جهاز الدولة الكبير نحو عملية التغيير، فما نتطلع اليه لا يتحقق الا من خلال ضغط كبير، مثل ذلك الذي أجبر حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة ، ولكنه جاء بتغيير ضمن منظومة القوى المتنفذة مع الاخذ ببعض الاعتبارات الجزئية التي لا تمس الجوهر.
هذه القوى يجب ان تكون قادرة على توفير البديل وهذا يحتاج الى تحقيق الشروط التي ذكرناها. وبوسعنا أن نخلص الى أن الإمكانات متوفرة موضوعيا ولكنها تحتاج الى التشكل والتكامل.
نحن نقول ان المطلوب الان هو تسليط ضغوط على اصحاب القرار في السلطتين التشريعية والتنفيذية، باتجاه تنفيذ المطالب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وعنصر الضغط يتم عبر توسيع القاعدة الاحتجاجية، وان تدار هذه العملية بكفاءة اكثر، والاعتقاد الان انه في الحركة الاحتجاجية هناك تفاعل في هذا الشأن.
ونشير الى انه من المهم ان لا تقتصر الحركات الاحتجاجية على ساحات الاحتجاج وحدها، فالقوى المضادة عندما وجدت ان هناك مواقع محددة ركزت جهودها لاحتوائها ومحاصرتها.
ويدور الحديث، اليوم، عن مواجهة مجتمعية، ولا يجوز حصرها في مواقع محددة، فهناك مطالب واسعة تطلق من قبل المواطنين، اقتصادية واجتماعية وقطاعية، في احتجاجات للطلبة والفلاحين والخريجين والفئات المهنية المختلفة، ومن المهم ضبط ايقاعاتها وجعلها تصب في روافد عملية التغيير.

طريق الشعب: ماذا بشأن دور الشيوعيين في انتفاضة تشرين، وهل من كلمة توجه اليهم في الذكرى الاولى، سيما وان الانتفاضة في طور التجدد؟

فهمي: الحزب الشيوعي له موقف ثابت من تطورات الأوضاع في العراق، وأكده خلال الانتفاضة، وهو منحاز كليا الى مطالب المواطنين، الفقراء والكادحين ومحدودي الدخل، الذين يعانون من الظلم والتهميش والفقر وشظف العيش
والشيوعيون شاركوا ويشاركون في الانتفاضة باشكال مختلفة، فهم داعمون ومساندون للانتفاضة، وتوجوا ذلك بالاسناد السياسي، كما عبرت عنه استقالات ممثليهم في مجلس النواب ومجالس المحافظات، تضامنا مع الانتفاضة واحتجاجا على قمع الحكومة المستقيلة.
والشيوعييون المنظمون واصدقاؤهم، ساهموا ويساهمون بفاعلية في جميع اشكال الحراك الاحتجاجي سواء في الساحات الرئيسية، او في الفعاليات الاحتجاجية والمطلبية التي تحدث في المحافظات، وانا أؤكد بان الشيوعيين حاضرون في جميع الحركات الاحتجاجية التي جرت في المحافظات.
الى جانب ذلك، فان الشيوعيين لعبوا دورا اساسيا في ظل تفشي وباء كورونا، وهو ما حال دون تحقيق تجمعات احتجاجية، اذ ساهموا في توفير المساعدات الممكنة وفي التوعية والتثقيف وتقديم الدعم سواء للمصابين او للعوائل محدودة الدخل التي أضرتها اجراءات الحظر.
الان، والى جانب هذا العمل النضالي، هم أيضا يعملون على توحيد صفوف المحتجين ومن اجل بلورة المشتركات على صعيد الرؤى والاهداف والمطالب واشكال العمل المختلفة، وهم دائما لهم دور ايجابي وفعال في هذا الاتجاه. ويعملون ايضاً، على رفع اليقظة ازاء محاولات النيل من الانتفاضة.
والشيوعيون يدركون انه لا يمكن تحقيق التغيير التام، مالم يحدث تغيير في موازين القوى في البلاد. وهذا الحراك الاحتجاجي والشعبي ، والذي في مقدمته الانتفاضة الباسلة ، كفيل بلعب دور كبير، وقد لعب هذا الدور فعلا، ولا يزال بامكانة لعب دور متنام كبير في تغيير موازين القوى الحالية، وذلك على صعيد التغييرات المؤسسية المتمثلة بمجلس النواب وعلى الصعيد السياسي أيضا.
وسيستمر الشيوعيين على هذا النهج في إداء دورهم الفاعل وهم يعملون على ان تستمر الانتفاضة بالأشكال السلمية. وفِي هذا السياق يشددون على مسؤولية الحكومة الدستورية في توفير الحماية للتظاهرات السلمية واحترام حق حرية التعبير.
ويعمل الشيوعون على تحقيق تفاعل مع كل صيغة تنظيمية توحيدية ممكن ان تنشأ عبر التنسيق. ان توسيع القاعدة الاجتماعية والمساحة الاحتجاجية هما عنصران مهمان، خاصة وان غالبية الشعب العراقي متضرر من نهج المحاصصة الطائفية والاثنية ومنظومات الفساد، وبالتالي فان عمليات اشراك اكبر قطاعات ممكنة في عملية التغيير بأشكال مختلفة، امر مطلوب.
والشيوعييون أيضا يتفاعلون مع اية خطوة ايجابية تصدر من السلطات، وهذا يعني اننا ليس لدينا موقف رفض مطلق اتجاه اي خطوة تصب في عملية التغيير وتقربه .
ولكننا ندرك تماما أنه بغياب ارادة حازمة وثبات وإصرار، مع تواجد قوى اخرى تكبح هذا الحراك ، فأنه من الصعب حتى تحقيق المنهاج الحكومي، خاصة وان القوى الكابحة والمعرقلة تملك ما تملك من نفوذ وأموال وإعلام .
ان الرهان على تعزيز الحراك الاحتجاجي الشعبي وتطويره وتنميته، بحيث يكون عنصرا ضاغطا يفرض اجندة التغيير على الساحة السياسية، ويعمل على تحقيق التغيرات المطلوبة على الاصعدة المؤسسية والتشريعات وعلى مختلف الاصعدة الاصلاحية في بناء الدولة، ان هذا هو المعول عليه في تحقيق عملية التغيير.
ونحن اليوم نعمل في هذا الاتجاه ونحاول توسيع دائرة المشتركات وايجاد اوسع اصطفاف في هذا الشأن.
في المطاف الأخير، فأن البلاد بحاجة إلى دولة ذات مواصفات مدنية، خاصة وان جميع الاهداف التي تذكر تتحدث عن مضامين الدولة المدنية من عدالة اجتماعية ومحاربة فساد ودولة قانون وضمان للحريات، وجميع هذه العناوين هي مكونات لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية.
والدستور العراقي، على الرغم مما يسجل عليه من مآخذ وثغرات، يحوي الكثير من الابواب والمواد التي تذهب باتجاه الدولة المدنية.
اذن الدستور العراقي بشكله الحالي قادر ان يستوعب قيام الدولة المدنية الديمقراطية. وحتى الارادة الشعبية وما عبرت عنه خلال الاحتجاجات، ومنها الشعار الذي رفعه المتظاهرون (نريد وطن)، لا تعني الا نبذا للطائفية السياسية والمناطقية والعسكرة والعناوين الفرعية .
المنتفضون طالبوا بمجتمع يؤمن العدالة الاجتماعية وتكافوء الفرص ومبدأ المواطنة. هذه هي العناوين التي خرج بها الشعب العراقي، فجميعهم رفعوا وبعفويتهم مطالب الدولة المدنية الديمقراطية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل