/
/
/
/

بتاريخ 16/11/2018، وبإشراف سكرتير اللجنة المركزية الرفيق رائد فهمي (ابو رواء)، وحضور العديد من رفاق قيادة الحزب، ومشاركة ما يقارب السبعين رفيقا ورفيقة، التأمت أعمال الفعالية الفكرية المركزية التاسعة والتي عقدت ببغداد تحت عنوان:

التحالفات الإطار النظري و الممارسة العملية

افتتحت جلسات الفعالية بكلمة قصيرة للرفيق د. صالح ياسر، الذي رحب باسم لجنة العمل الفكري المركزية (لعف)، بالرفيق (ابو رواء) وببقية الرفاق من قيادة الحزب وبالمشاركين والمشاركات في أعمال الفعالية من الرفاق والرفيقات متطلعا الى ان تساهم مشاركتهم في اضفاء الحيوية والجديّة على اعمالها، والخروج بخلاصات ودروس تساهم في تحسين فهمنا لظاهرة معقدة ومركبة هي موضوع فعاليتنا.
واضاف: ان هذه الفعالية تنعقد والبلاد تمر في ظروف غاية في التعقيد وفي ذروة حادة من ذرى الاستقطاب السياسي، تطلبا للسلطة والثروة والنفوذ، ويتخذ هذا الصراع مسارا تصعيديا جامحا هدد ويهدد بأفدح العواقب على بلادنا ومجتمعنا. وعلى غرار فعالياتنا الثمان السابقة، نريد لفعاليتنا التاسعة هذه أن تكون أيضا محطة جديدة و مِنبرا لحوار رفاقي مسؤول يعكس تنوعنا الثري في اطار وحدة منهجنا المادي بجدليته وتاريخيته، من أجل ان نفهم ونستوعب اشكالية التحالفات، نظريا وعلى صعيد الممارسة والاشكال الملموسة لها والتي يقدم عليها الحزب في اللحظة التاريخية الملموسة وتعميم خلاصاتها الملموسة لتكون مساهمة من طرف حزبنا في اثراء الفكر النظرى لحركتنا.
طبعا ونحن نناقش هذا الموضوع الاشكالي (التحالفات) وبالانتقال من المجرد الى الملموس، أي الى التحالف مع قوى متعددة المرجعيات السياسية والفكرية ضمن "سائرون"، علينا مواجهة عدة اسئلة طرحتها ورقة عمل الفعالية الفكرية المركزية التاسعة. و غاية ما نريد الاشارة إليه هنا هو ضرورة الفهم النظري الصحيح لما يعنيه التحالف، وايضا الانطلاق من تحليل ملموس للواقع الملموس وحقائقه واشتراطاته وليس بناء على رغبات ذاتية.
ان الاسئلة التي طرحتها ورقة العمل هي اسئلة كاوية، تقف بمنزلة الهجاء من أي كسل فكري، وليس اثارتها سوى دعوة لتعميق النقاش حول محاور الفعالية والدخول في عمق القضايا وليس التخندق عند مظاهرها او تجلياتها الخارجية. إنها اسئلة ترمي قفاز التحدي بوجه الفكر النظري والممارسة السياسية لحزبنا وبوجه المشتغلين على الجبهة الفكرية وما يميزها من معارك ساخنة.
وأخيرا، و كما في السنوات السابقة، تنعقد فعاليتنا و تمر على البشرية في هذا العام، 2018، الذكرى 101 لقيام ثورة أكتوبر العظمى في روسيا القيصرية، تلك الثورة التي غيّرت مجرى التأريخ العالمي. ورغم اللحظات المشوبة بمشاعر مختلطة بين حلم مؤجل وأمل آت إلا أن مجرد استذكار هذا الحدث بعد مئة عام وعام من وقوعه، والذي غيّر العالم لأكثر من سبعين عاما إنما يعني أن هذه الثورة ومبادئها الكبرى في: السلم والخبز والأرض لم تتسربل بالنسيان، فما زال بيرق النضال ضد الاستغلال والظلم والعسف يرفرف، رغم كل الضجيج بـ "نهاية التاريخ" و "نهاية الإيديولوجيا"، ذلك ان التاريخ لن يقبل ان يكون شاهد زور.
وبعد ذلك قدم الرفيق (ابو رواء) مطالعة فكرية/سياسية أثنى فيها في البداية على اهمية مواصلة تقليد عقد مثل هذه الفعاليات سنويا، مهنئا بانعقاد الفعالية بعد تحضيرات جادة استمرت لعدة شهور وبالاستفادة من تجربة ودروس الفعاليات الثمان السابقة. واضاف: ان هذه الفعالية تكتسب اهمية كبيرة، حيث البلد يمر بازمة عميقة، والفاعلون فيها كثيرون داخليا وخارجيا . فقد شهد واقع البلد تفككا واستقطابات حادة نتيجة الحروب والحصار وتبني النظام الدكتاتوري لـ "الحملة الايمانية"، ومحاربة القوى الديمقراطية ومحاولات تصفيتها، وتراجع دور "الطبقة الوسطى" وزيادة اعداد الفئات الاجتماعية المهمشة، هذا بالاضافة الى طريقة التغيير التي تمت من خلال خيار الحرب والاحتلال وما تركته من آثار وتداعيات. في خضم هذه الاوضاع كان على الحزب الشيوعي ان ينطلق من التحليل الملموس للواقع الملموس، ويحدد طبيعة المرحلة ويرسم تحالفاته من اجل ان يحقق هذه الغايات والاهداف.
ومن المفيد الاشارة هنا الى انه ونتيجة جملة عوامل وسيرورات، ثمة اشكالية في العراق تتمثل في عدم تبلور قوى سياسية تمثل فئات وطبقات اجتماعية لكي تعبر عنها وعن طموحاتها واهدافها. فالطبقات التي تبلورت في ظل النظام السابق تفككت وبعضها غادرت البلاد. وبالمقابل ظهرت قوى وفئات وشرائح اجتماعية جديدة لم يتم تكامل تبلورها الطبقي بسبب الانزياحات والسيولة الطبقية المستمرة.
ونظرا للسيرورات المجتمعية وتفاعلاتها في المرحلة الانتقالية والمفتوحة التي شهدتها البلاد منذ 2003 فقد بدأنا الآن وبعد 15 عاما من هذا التاريخ نشهد تمايزا طبقيا بدأت معالمه تتبلور بشيء من الوضوح وظهرت بعض القوى السياسية التي تمثلها.
وواصل الرفيق (أبو رواء) حديثه مبينا انه جرت العادة ان مؤتمرات حزبنا تحدد الاهداف الستراتيجية والتكتيكية للمرحلة التي تمر بها البلاد والمهام والشعارات الخاصة بالحزب خلال هذه المرحلة او تلك. وعلى هذا الاساس فقد بلور المؤتمر العاشر لحزبنا (كانون الاول 2016) شعاره العتيد: "التغيير .. دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وعدالة اجتماعية ". وفي رأينا ان شكل الدولة المدنية قد يغطي مساحة واسعة من القوى بينها فئات برجوازية مختلفة لها مصلحة في هذا الشكل. ومن هنا يمكن تحديد من هي القوى السياسية التي لها مصلحة في هذا النمط من الدولة. اما العدالة الاجتماعية فتعني المساواة وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للموارد، و الضمان الاجتماعي... الخ.
من هذه اللوحة الطبقية/الاجتماعية، يجب ان ينطلق التحليل وفهم التحالف الذي عقدناه ضمن "سائرون". فالتحالفات يجب ان لا تكون نتيجة نزعات رغبوية او ذاتوية بل استنادا الى تحديد طبيعة المرحلة وتناسبات القوى السائدة، لذا لا توجد وصفة جاهزة بل لكل مرحلة شروطها وقواها وتناقضاتها الفعلية. عندما نتحالف مع قوى يجب ان نتعامل معها كما هي وليس تفصيلها على مقاساتنا. نحن نطمح ان تتطور التحالفات التي نعقدها وان تنجز اهدافها ولكن التحالفات، كما تشير التجارب، عملية صراعية. فقد تتقدم خطوات للامام وقد تتراجع، وقد تقطع الاطراف المتحالفة اشواطا وتذهب بعيدا في تحقيق الاهداف، او قد تتباطأ العملية كلها او تتقهقر نتيجة ظهور التناقضات وعدم حلها في الوقت المناسب. لذا فان المهم في التحالف هو كيفية ادارته وكيفية التغلب على التناقضات التي تظهر بين قواه اثناء مجرى العمل. انها – أي التحالفات - بحاجة الى ادارة سليمة كي لاننزلق الى الانتهازية او التأثير على الهوية الطبقية.
واذا انتقلنا الى الملموس فان المساحة التي يتحرك عليها الشيوعيون والديمقرطيون محدودة، واذا بقينا وحدنا سيكون تحركنا محدودا. وحتى في حالة الانسلاخات التي تحدث داخل القوى المتنفذة، يجب ان تتم الاستفادة منها بشكل صحيح. بعكس ذلك يمكن ان تستفيد منها قوى متطرفة ذات ميول استبدادية وليست بالضرورة ان تستفيد منها قوى ديمقراطية. الواقع الاجتماعي من الغنى بحيث لا يمكن تحديد معرفة دقيقة به الى أبعد مرحلة، وكلما يكون الحزب متغلغلا في المجتمع كلما كان رسم السياسة افضل. واذا اعتبرنا هذه المرحلة مرحلة الدولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فإننا نتطلع الى تحقيق هذا الهدف كي يساعدنا في تحقيق اهداف أبعد بما فيها الهدف الستراتيجي. وفي رسمنا لسياستنا التحالفية نسترشد بما اكد (لينين) عند بناء التحالف وهي: ان يكون طوعيا من جهة، وان لا يشل عمل الحزب من جهة ثانية، وان يدار على وفق قاعدة تضامن/كفاح او تحالف/نقد من جهة ثالثة ، وينبغي ان يخدم اهدافنا الابعد من جهة رابعة.
اذا استندنا الى القواعد اعلاه فان التحالف مع القوى المدنية لا يثير اشكاليات. القضايا تثار على تحالفنا مع التيار الصدري، الذي يمثل قوى وشرائح من المهمشين. والحركة الصدرية حركة اسلامية من جهة، ولها بعد مجتمعي كما أنها نشأت داخل العراق وترسخ تأثيرها خلال هذه السنوات من جهة ثانية.
وفي هذه المرحلة فان ما نهتدي به هو البعد الاجتماعي للحركات التي نتحالف معها وليس بالضرورة ان تتفق مع البعد السياسي الديمقراطي والمضمون الاجتماعي لبقية القوى السياسية، دون ان يعني ذلك اهمالنا للبُعد الاخير.
كما معروف فانه ونتيجة الحروب والحصار ظهرت فئات وشرائح اجتماعية جديدة من المهمشين واصبحت قاعدة لاحزاب الاسلام السياسي. لذا علينا ان نتذكر ان اختراقنا لهذه الفئات والشرائح المهمشة عملية صعبة، فالقوى التي نتحرك عليها معظمها من الفئات والشرائح الوسطى، وعندما انتقل التيار الصدري نحو القوى المدنية، اعتبرنا ان هذا الانتقال عبارة عن نوع من الانفتاح يجب أخذه بنظر الاعتبار والتعامل معه ايجابيا.
الآن، وبعد ان تم التحالف ضمن "سائرون" فان السؤال المطروح هو كيف نستثمر هذا التحالف بالوصول بالبلاد الى حالة افضل؟
التحالف الذي عقدناه ليس تحالفا ايديولوجيا بل سياسي. فالاطراف الموجودة ضمن هذا التحالف تنتمي لمرجعيات فكرية وطبقية واجتماعية مختلفة ولكن ما يجمعها هو وجود جملة من المشتركات الخاصة بالمرحلة التاريخية لتحقيق اهداف ملموسة.
طبعا نحن نفهم طبيعة التحالف مع الصدريين، وتعقيداته وما اثاره من اشكاليات، ولكن بالمقابل نرى ان هذا التحالف فتح لنا كثيرا من الفضاءات للعمل ورفع عنا الكثير من القيود في النشاط داخل هذه الاوساط. اننا ننظر الى هذا التحالف باعتباره سيرورة معقدة وليست بسيطة، ويمكن ان يتطور صعودا - وهو ما نتمناه - ولكن هذا لا يعني انه عملية بسيطة بلا انعطافات، فلا توجد ضمانات مطلقة في العمل السياسي والتحالفي على وجه الخصوص، ولكن قوة الحزب وعمقه الجماهيري وقدرته على المناورة في الوقت المناسب هي التي تحدد ايضا مسارات التحالف لانه بالأخير توازن قوى، وهذا التوازن ابن لحظته، أي أنه متحرك وليس ثابتا.
ملخص القول، ان هذا التحالف يثير اسئلة من جهة، ولكنه يطرح امكانيات وفرص من جهة اخرى. فجزء من تحالفنا مع التيار الصدري له بعد اجتماعي، قد تتسع امكانيات هذا التحالف، وقد يساهم في تغيير في الهيكلية الاقتصادية وتوزيع الثروة. فهم متفقون معنا في رفض الاقتصاد الريعي، والخروج من نهج المحاصصة، و تعزيز الهوية الوطنية والوحدة الوطنية وتحقيق جملة من الاصلاحات.. الخ.
وشدد الرفيق (أبو رواء) على انه ولأجل ان نضمن دورنا في التحالف ونعزز توجهاته فان الأمر يعتمد على عدة عوامل من بينها الرهان على تقوية دورنا وصلاتنا بمختلف الفئات والشرائح المجتمعية وممثليها السياسيين، وهنا نؤكد على ضرورة تعزيز دور القوى الديمقراطية والمدنية.
وبروح الحماسة والهمة العالية، وبعد الانتهاء من المناقشات والحوارات المتنوعة ضمن الورش المختلفة وكذلك في الجلسة العامة أيضا، انهت الفعالية الفكرية المركزية التاسعة أعمالها على أنغام نشيد الحزب: سنمضي ... سنمضي الى ما نريد.... وطن حر وشعب سعيد! الذي انشده الجميع مؤكدين على بذل الجهود لتوظيف ما توصلت اليه الفعالية من نتائج وخلاصات من أجل تعزيز دور حزبنا وتنشيط العمل الفكري في عموم منظماتنا وترقيته ليكون بمستوى التحديات المتجددة دوما.
-
انتهى

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل