/
/
/
/

منتصف سبعينات القرن الماضي هو زمن تهميش الشعر الشعبي العراقي المكتوب بالعامية بسبب الحصار الذي فرض عليه من قبل سلطة البعث بذريعة ـــ الحفاظ على سلامة اللغة العربية ـــ والحقيقة إن السلطة رأت ضرورة تجفيف هذا البحر الذي كان غالبية ملاحيه من اليسار ، ليستبدل الشعر الشعبي بقوّالين ساهموا لا بألسنتهم فقط في الصعود المطلق للدكتاتور نهاية السبعينات وحاجته للتأليه ورفد حروبه الداخلية والخارجية بالتمجيد!، شأنه في ذلك شأن الشعر المكتوب بالفصحى بعموده وتفعيلته والذي ألّه الدكتاتور حتى أحتدمت المنافسة بين تلك الأبواق وسط قهقهات الدكتاتور وجلاوزته مما يقال فيه ولربّـما صدق ما قيل فيه. مع صعود الدكتاتور المطلق في نهاية سبعينات القرن الماضي شهدت الساحة الأدبية العراقية هجرة غالبية مبدعي العراق وبمختلف صنوف الإبداع ومنها الشعر الشعبي حيث تمكن بعض مبدعي هذا الشعر من مغادرة جحيم البعث إلى سماء المنفى، وفي منافي المبدعين العراقيين التي شملت قارات الله جميعها كان للشعر الشعبي وهجه الخاص رغم ندرته ورغم إن الحرب الأهلية اللبنانية غيـّبت شــاعراً ، من أهم الأصوات في الشعر الشعبي العراقي ، أبو ســرحان ـــ ذياب كزار ـــ وذلك في عام 1982 ، أشتغلت أصوات مهمة على تطوير القصيدة الشعبية في المنفى أو تفاعلت مع متطلبات المنفى الذي ليس فيه من الوطن سوى المنفيين ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر عزيز السماوي الذي وافاه الأجل في منفاه البريطاني، والشاعر كامل الركابي  الذي بدا جهده جلياً في قصائده * ــــ مشــاهـدات ــــ ليمنح القصيدة فرصة التحليق رغم شدوها على ذات الإيقاعات الموسيقية المعتمدة في القصيدة الشعبية الحديثة وهنا تكمن المفارقة!.

* نهاية سبعينات القرن الماضي كانت فاصلة دامية بين الشعراء والقوّالين الذين مجدوا الدكتاتور وحروبه مما أضطر أصوات مهمة الى أن تلوذ بالصمت النبيل ولهذا ثمنه الشعري الباهض بالطبع بينما أستطاعت أصوات مهمة أخرى أن تنأى برؤوسها بعيداً عن القتل ومقتل القصيدة.... أين انتظرت القصيدة؟

- الاصوات قبل مجيء الدكتاتور كانت ذات ايقاع يساري وذات روح نابضة بهموم وعذابات الناس وكانت المهرجانات الشعرية في المحافظات ذات حضور كثيف والقصائد تمجد الحلم والبطولة وتحث على التغيير وتناكد الممنوعات وكانت النوادي الاجتماعية تقيم الاماسي الشعرية والادبية وتتطلع الى مساحات اكبر من حرية الفكر والرأي أما البارات وخاصة في أبي نواس فهي الملتقى المتوهج للشعر والشعراء كذلك غدا الشعر الشعبي ضيفا عزيزا في سفرات الطلبة والشباب وبالتالي غدا خطراً داهماً على المخطط السلطوي في تبعيث المجتمع وجبت محاربته فصدرت فتاوى التحريم والتجريم تحت مسميات مختلفة وأعذار خبيثة كتلك المقولة التافهة التي طبّل لها القوميون على أساس إن الشعر الشعبي يتعارض مع اللغة العربية التي هي لغة الأم متعامين عن إن حضارة العراق تبقى مشوهة دون تراثه وفلكلوره الشعبيين وعلى ضوء تلك الاعتبارات الفاسدة والأفتراءات البغيضة جرى إقصاء ماهو جميل ونبيل في الشعر والشعراء وأستدعاء بعضهم وترهيبهم وحتى قتلهم في أقبية الأمن العامة أو اغتيالهم في الشارع يوم شاع الصمت والخوف بعد مجيء الدكتاتور وأنزوى البعض أو هاجر أوصمت أو زاول كتابته سراً ,أطلقت قصائد المديح ذات المسدس الكاتم وجرت محاولات ارتهان كل الثقافة لنزوات الدكتاتور وسفاهات ابنائه...!  وجاءت الحروب... في البدء لم أنتظر سوى الخلاص فغادرت البلاد أسوة بالرافضين وأنا في العشرينات من عمري ولم أتخيل يومها إنني سأشيب في المنفى. القصيدة وقد خلعت عنها رداء الوطن ـــ الطفولة ظلت ساهرة تبحث عن تشكيل آخر للوطن-الحلم!

* هل حان وقت تقديم وجه القصيدة الشعبية المشرق للناس بعد أن أسقط القوّالون وأصوات كان يقال إنها مهمة! آخر قطرة حياء في حضرة الدكتاتور؟

- القصائد الجميلة ظلت حية في وجدان وذاكرة الناس ، لم تمت ولم تستطع الدكتاتورية رغم جلافتها تشويه خبايا ذاتها الأصيلة. لا أصوات مهمة في الشعر سوى الأصوات الرافضة، ولايستثنى منها -في اعتقادي- الأصوات التي ناهضت الدكتاتورية سراً أو التي انزوت صمتاً لأسبابها الخاصة. التغيرات الجديدة قد تفضي الى التعرّف على ملامح القصيدة الشعبية الحديثة

* المنفى الجزائري كان أولاً ثم جاءت تجربة القتال في صفوف الأنصار الشيوعيين في كردستان العراق في الثمانينات ثم مناف عربية وصولاً إلى المنفى الأوروبي ... كيف أثر ذلك في قصيدتك؟

- في المنفى الجزائري غربة بلاحدود، تسكع في الشوارع وفي المقاهي المكتظة بالمهاجرين ولا أنصار سوى قلة من أدباء الجزائر المرموقين كالطاهر وطار وفي الشرق الجزائري كنت والشاعر عزيز السماوي في مدينة ـــ سكيكدة الساحلية ـــ  نلتقي في المساءات ونسافر أحيانا إلى مدن الشرق ـــ بسكرة ذات النخيل وقسنطينة وعنابة ـــ حيث الأصدقاء ونحتسي النبيذ الأحمر ولاسواه! ولم أكن أعرف حينها أيّة نسبة للكحول في النبيذ هذه التي تستنطق الصخر وتزيل متاعب السفر! المنفى الجزائري رمل في العيون لم أطقه انا الثوري المتحمس للتغيير كيف أرتضي أن أعيش في غرفة حائطها رمل وليلها ريح، فارتحلت الى كردستان – موطن الأنصارـــ مع فتية مشحونين بالحماس والحلم وهناك تعلمت معنى الشجاعة الصبر والجوع وفقدان الأحبة وسفر خلود الشهداء. في الأنفال شاهدت مايشيب له الخدّج! في تركيا مع اللاجئين الأكراد في مخيم ماردين المنصوب في العراء كنا نتقاسم جرعات الموت والحياة ... ســـرّاً هربنا من المخيم عبر دجلة الى الشام حيث اشتعل الرمادي بالاخضر لأتـعـرف من جديد على الشكل المدني للناس!! ... وبدأت رحلة اخرى للمنفى حيث عدت بعد سنين قلائل إلى دهوك المحررة بالانتفاضة ومن هناك إلى طرابزون في تركيا وفي عبّارة روســيـة مع قنينة فودكا لم أصح من سكرتها إلا عند أعتاب سوتشي حيث أفقت على صوت النادهين وقلت لنفسي: سفينة مهترئة قديمة تعبر البحر الأسود ولاتغرق .. ســفـيـنـة مهترئـة....!؟ وهناك في روسيا اشترى وباع بنا المهربون وعبر بحر البلطيق في رحلة مخيفة عبر سفينة شحن للخراف والبهائم وصلنا جزيرة السويد حيث الطبيعة الساحرة والملاذ الآمن ومنذ ذلك اليوم وانا مقيم في جنة صامتة لاتنطق! أتكون كل هذه الرحلات والمشاهدات قد أثّرت في مخاضات القصائد... لاأدري؟ إنني أتصورالمنفى بيتاً ذا طابقين في الدور الأول تتركز صورة الوطن والحنين إليه والذكريات وفي الدور الثاني تتركز صورة العالم وصيرورة التغييرــــ تجارب متنوعة واشكال مبتكرة- وانت أيها الشاعر المنفي لك حق اختيار السكن ولك حق أن تبيت ليلة هنا وليلة هناك! تجربة الانصار في حياتي الروحية ثرية جداً فهي رسخت في ذاتي فكرة إنني لم أزل أقاوم ولم أســتســـلم للطغاة . ولانني كنت أعمل في الإعلام والمسؤول المباشر عن مكتبة الأنصــار وهي غنية فقد توفرت لي فرصة لم تتكرر إلى اليوم في التعرف على التجارب الشعرية والأدبية المحلية والعربية والعالمية . لقد كتبت أغلب قصائدي في ذلك الوادي الجميل ـــ مراني ـــ في كردستان ومنها قصيدة مشاهدات .

* في قصيدتك ـــ مشاهدات ـــ تواصل التجريب في القصيدة الشعبية العراقية.. إلى أين أنت ذاهب؟

- لم أزل أواصل التجريب في شكل الكتابة لا أحب الاسترسال في القصيدة وكأنني أهذي رغم إن للهذيان قيمة لا أقصدها والنص الشعري الذي أحاوله مشحون بطاقة تجربتي الفردية والتجارب التي عمّقت في ذاتي أفق التبًّصر ومنحتني حرية الفضاء وجناح الطير .  تخيَل معي إن تجاربنا كالدورق الكبير المستخدم في الاختبارات الكيمائية وعصارة أرواحنا ومعاناتنا هي الخميرالسائل الذي يملأ حدّ العنق جوف هذا الدورق والحياة هي عامل التسخين والقطرات الصافية - الروح المتأتية من التكثيف ـــ تكثيف بخار العصارة ـــ هي القصائد ! فما أبهى الدورة وعذاب الدورق! أعترف لك انني لست قادراً على صياغة نص قصصي قصير ضمن أساليب كتابة القصة القصيرة فماذا أنا فاعل؟ محاولتي في الكتابة ابتداع شــكل شــعـري يـســتوعب النص القصصي وإذا فـشـلت سأهـمس لنفسي: يكفي شرف المحاولة!

* زرت العراق العام 2004، أليس هذا سؤالاً ؟

- لقد كنت أحاول إيهام نفسي بإن هذا السؤال يمكن الإجابه عنه بنعم أولا... لم أستطع فهو يختزن في بساطته الظاهرة كل تعقيدات عذاباتنا وأوجاعنا في الوطن والمنفى على طريقة الانصار وحباً بهم تسللت الى الوطن عبر نهر في أقصى الشمال نحو الجنوب مع صديقي العزيز أبو يسار.كانت اللقاءات حميمة وحارة مع ما تبقى من الأهل والأصدقاء. لم يكن هو الوطن الذي أختزنته في الذاكرة طوال سنين المنفى رأيته خرباً,مهدماً,مهشماً, تالفا! مدينتنا-البصرة-لم تكن سوى خربة كبيرة..! ياالله حتى بيتنا الذي كان في زاوية من الشــارع يتوسط اليوم بيوت الحارة ..!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الركابي في سطور:

  • 1954 عام الولادة في ظهيرة صيف الناصرية قرب التنور
  • نما وعاش في البصرة حيث درس الابتدائية في محلة الساعي (اشهر أحياء البصرة الفقيرة حيث تضيء صرائفها الفوانيس والشموع)
  • اكمل المتوسطة في ثانوية الجمهورية وانضم في تلك الفترة الى تنظيم طلابي سري هو اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية .
  • 1972 انتقل الى ثانوية العشار حيث تعرف على صديقه المرحوم مرتضى غالي الذي قام بإيصال قصديته (اريدك) الى اخيه الفنان طالب غالي حيث قام بتلحينها ومن ثم غناها الفنان فؤاد سالم .
  • 1973-1975 تخرج من معهد التكنولجيا في البصرة وبعد أداءه الخدمة الإلزامية في الجيش العراقي ، عمل موظفا في المقاولات الانشائية في الزبير وابي الخصيب والقرنة.
  • طبع ديوانه الاول (الكمرة وسواليف النهر) بتعضيد وتوزيع من اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية .
  • 1978 غادر العراق الى الجزائر حيث عمل مدرسا في متوسطة مهنية في مدينة عزابة-سكيكدة
  • 1983 التحق بقوات الانصار وعمل في إعلام الفوج الاول مع الشهيد الفنان أبو آيار والشاعر عبد القادر البصري ـــ أبو طالب ـــ والكاتب يوسف ابو الفوز .
  • 1986 طبع مجموعة ثانية وهي قصيدة طويلة ــــ سورات الدم والنارـــ كتبها عن الأنصار، شهداء معركة كانيكا في كردســتان العراق .
  • 1988 وعلى اثر هجوم قوات السلطة على منطقة كردستان (الانفال) غادر مع الانصار الى تركيا وعاش في مخيمات اللاجئين في ماردين التي غادرها سراً عبر الحدود الى الشام حيث عمل في الصحافة.
  • لحن وغنى كلماته الفنان فؤاد سالم، حميد البصري ،طالب غالي، جعفر حسن ،أبو شمس كما غنت له الفنانة الشابة بيدر البصري بعضاً من قصائده الحديثة.
  • نشر في الصحف والمجلات العراقية وشارك في الكثير من الامسيات الأدبية والمهرجانات الشعرية ومواقع الانترنيت

• مقيم في السويد

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل