/
/
/
/

أستدعى تعليق مسؤول الامن الوطني العراقي فالح الفياض في ندوة اقيمت اخيرا في دهوك من أن المتظاهرين الشباب لا يحسنون التعبير عن أنفسهم، استدعى تاريخا طويلا من الاستعلاء الثقافي والسياسي على المعنيين الاساسيين والاصليين في كل الثورات: الطبقة المظلومة التي تقوم الثورات من اجلها ثم تتعالى عليها وتسحقها بعجلات السلطة واطماعها بعد ان تتولاها.
الموضوع الذي لخصته الفيلسوفة الهندية كايتري سبيفاك في مقالها الاشهر: "هل يستطيع المستلَب أن يتكلم"؟! وعلى الرغم من أن سبيفاك اخذت المرأة الهندية في فترة الاستعمار البريطاني تعد انموذجا بوصفها الحلقة الادنى في الترتيب الاجتماعي والاقتصادي وتقع عليها كل حلقات الظلم مجتمعة، الا أن الادبيات الاكاديمية دأبت على عدّ مقالة سبيفاك مرجعا في الدراسات المعنية بكل اشكال الاستلاب ،خاصة السياسي.
نعود الى التظاهرات التشرينية وتوصيف المسؤول العراقي بأن القائمين بها لا يحسنون التعبير عن قضيتهم. لعلنا نتفق جميعا على أن رسالة المتظاهرين ومطالبهم واضحة وضوح الشمس، لخّصوها بعبارة "نريد وطنا" وافاضوا في شرحها أيضا وعبروا عنها بالشعارات والاهازيج والاغاني والكتابات والقصائد والرسومات والتعليقات والتدوينات في وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن ليس هذا هو الموضوع. لابد أن الفياض بحكم موقعه يعرف ما يريده المتظاهرون جيدا وأكثر منا جميعا.
ولكنني اتفق معه في أن الكثير من الشباب المتظاهر لا يحسن التعبير عن قضيته بالبلاغة التقليدية التي الفناها وتعوّدنا عليها في الخطاب السياسي المألوف، لسبب واضح ومتوقع وبديهي جدا: أنه جيل مختلف، نوع آخر من الثوار لم يألفه العالم من قبل سواء في الثورات القومية او الاجتماعية او ثورات التحرر الوطني ضد الاستعمار قديمه وحديثه. السيناريو هنا مختلف. لا منظَرين فلاسفة ولا نظريات ثورية ولا مثقفين ثوريين يبثونها ويبشرون بها في المقاهي والحلقات ولا كتب ولا منشورات سرّية تحرقها الامهات بعد هرب الابطال من ملاحقات رجال الامن السري ولا تنظيمات تحت الارض ولا ندوات تثقيفية ... الخ من نماذج النضال السري والعلني التي قرأنا عنها في الروايات وشاهدناها في الافلام وعاشها الكثيرون من الاجيال السابقة.
هؤلاء الثوار شباب تربوا وتثقفوا على ما يشاهدونه على الفضائيات وما يقرؤونه ويتداولونه في وسائل التواصل الاجتماعي، وما يعيشونه - وهذا هو الاهم - من ظروف اقتصادية واجتماعية منحرفة ومتناقضة. لعلنا نتفق على أن الحقيقة هي اول ضحايا عصر المعلومات. وهو أكبر تناقض ثقافي في القرن الحادي والعشرين. اذ يمكنك من خلال تقنية المعلومات ان تقدم عالما افتراضيا مختلفا تماما عما هو موجود على الارض. كأن تتحدث عن الديمقراطية في زنزانة انفرادية مثلا (ليس في الامر اية صورة استعارية بالمناسبة) هؤلاء الشباب لم يشهدوا الحروب التي عشناها، ولا يعرفون شيئا عن الزمن الجميل الذي نتغنى به... قصائدنا واغانينا وكتبنا الراقية لا شأن لهم بها ولا يفهمونها اصلا. ليست الايديولوجيات ولا تبنّي القضايا الكبرى من مكونات هويتهم الشخصية. لا يعرفون عن الثورات والانقلابات والبعث وصدام الا ما يقوله اباؤهم وهو متناقض تماما. قضية فلسطين لا تعني لهم شيئا، ولا حتى غزو العراق واحتلاله ظلما، ازاء ما يعيشونه من معاناة وتناقضات يومية يتجرعونها سمّا زعافا مع كل لقمة. فإذا اضفنا الى ذلك كله أن العراق على وجه الخصوص لا يعيش ظرفا طبيعيا منذ عقود أمكننا ان نتخيل لماذا غدا هؤلاء الشباب ثوّارا غير تقليديين.
هؤلاء الشباب في الغالب ينتمون الى طبقة مظلومة ومحرومة ومهمشة ومنسيّة الا في الخطب الدينية، برغم أن الجميع يدّعي تمثيلها والدفاع عنها. يعيشون ظروفا تسحق انسانيتهم وتهين رجولتهم الفتيّة وتصفعهم بعجزهم عن توفير العيش الكريم لأنفسهم ولذويهم. ولقد شاهدتهم بأم عيني وصورتهم بكاميرتي يعيشون في المزابل حرفيا وليس استعاريا، وخاصة في المحافظات الجنوبية وكل المحافظات في الواقع بدرجات مختلفة. يشاهدون اقرانهم في بلدان العالم وفي بلدهم عند الطبقة المرفهة من ابناء المسؤولين أو المنعمين، وهم يتباهون بنوع الموبايل الذي يحمله وماركة القميص او الحذاء الذي يضعه و(دفاتر وشدّات) الورق الاخضر... الخ.
والادهى من كل ذلك يستمعون الى الخطاب السياسي، الديني خاصة، يتبجح بالدفاع عنهم وتمثيل قضيتهم. الخطاب الديني يتناقض مع كل ممارسات من يمثلهم جملة وتفصيلا، ومع ذلك يصغون ويمتثلون ويصبرون ويصابرون دون أن يبزغ في الافق بصيص أمل. لقد سئموا من اكاذيب السلطة ومن فضائحها ومن عجزها وتلكؤها وهم يعرفون أنهم يعيشون في اغنى بلد في العالم بثرواته.
لا يحتاجون الى القراءة او البحث لمعرفة درجة الفساد الاداري والمالي التي وصلت اليها الدولة، لأنهم ببساطة يعيشونها في تفاصيل حياتهم اليومية في المدرسة ومحل العمل والشارع ... في الرشاوى والخاوات والابتزاز والمعاملات في دوائر الدولة، في اخبار الخطف والاغتيال والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري. اتذكر أنني رأيت في الناصرية بعد سنتين من الاحتلال سيدة مسنّة تحمل ثلاثة ملفات وهي تغادر دائرة التعيين باكية تمسح دموعها بعباءتها. كان منظرها ملفتا بين عشرات الشباب المتجمعين بحثا عن وظيفة. قالت انها جاءت بحثا عن وظائف لبناتها الثلاث المتخرجات في كلية التربية في اختصاصات مختلفة ولكنهم طلبوا منها ان تنتمي بناتها الى الحزب الفلاني اذا اردن الحصول على وظيفة. ولم تكن تمانع ان تنتمي بناتها الى الحزب اياه، غير أنهم (كلهم سرسرية خالة وين اجيبين البنيات يمهم)
وأما الشباب الاوفر حظا نسبيا ممن حصلوا على التعليم الجامعي وتخرجوا وباتوا يبحثون عن فرصة عمل فحدث ولا حرج. لابد من أن يكون من طائفة او عشيرة او منطقة مسؤول ما ، او رجل دين ما ... أو أن يمتلك (كم شدّة دولار) ليحصل على وظيفة او عقد عمل او فرصة استثمار مهما كانت بسيطة .. وأظن أن الحديث عن غياب الخدمات الى درجة مهينة للكرامة الانسانية بات من نافل القول..
الايديولوجيات والشعارات الكبيرة لا تعنيهم الا بقدر تأثيرها على حياتهم (وهي حالة عالمية لا تقتصر على العراق فقط ولكن هذا موضوع آخر) ... ومن هنا لم تعد المتاجرة بثورة الحسين تخدعهم .. ومن هنا شعار ايران برّة برّة ... ومن هنا نريد وطناّ ... فالوطن بالنسبة لهم عيش كريم لا خوف فيه ولا ابتزاز ولا جوع ولا اماني موؤودة... وطن يمنحهم مثلما يأخذ منهم ... وطن لا تُفرض فيه الطائفية عليهم فرضا ...
لقد ثاروا بمحض احساسهم بالظلم والمهانة، فلا تلوموهم اذا انتفخت عروقهم غضبا دون أن يجدوا لغة تترجمه في كلمات... الكلمات لا تعنيهم ، فلا تعيّروهم بها. احتفظوا بها لأنفسكم.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل