من يتذكر الروح المطلقة لهيغل التي تطرقت اليها سابقا سيجد ان ماركس في (بؤس الفلسفة) يقول إن ما يفعله برودون بتحليله الاقتصادي يتمثل باستبداله الروح المطلقة لهيغل بالميل نحو المساواة، وان هذا بمثابة خطر كامن في أية محاولة لاستخدام منهج ديالكتيكي لا يولي اهتماما كافيا للواقع الملموس.

يقول هيغل إن منطقه - كيف يفكر في الأشياء والمقولات المجردة التي يستخدمها لمساعدته على التفكير - هو في حد ذاته «قوة لانهائية»، تحرك التاريخ؛ «لا يمكن لأي موضوع ان يقاومها». ثم يكتب ماركس واصفا الآثار المترتبة لتكرار برودون لأخطاء هيغل:

«لقد أدرك السيد برودون الاقتصادي جيدا أن الناس يصنعون الملابس، سواء من الكتان أو من الحرير، في إطار علاقات إنتاج محددة. لكن ما لم يفهمه هو أن هذه العلاقات الاجتماعية المحددة يصنعها الناس أيضا مثلما يصنعون الملابس وغيرها.

ان العلاقات الاجتماعية ترتبط ارتباطًا وثيقا بالقوى المنتجة. وعند اكتسابهم لقوى إنتاجية جديدة، يغير الناس نمط إنتاجهم؛ وعند تغيير نمط إنتاجهم، تغيير طريقة كسب عيشهم، يغيرون كل علاقاتهم الاجتماعية. تمنحك الطاحونة اليدوية مجتمعا يترأسه السيد الإقطاعي؛ وتمنحك الطاحونة البخارية، مجتمعا يترأسه الرأسمالي الصناعي. نفس الناس الذين يؤسسون علاقاتهم الاجتماعية وفقا لمستوى تطور إنتاجهم المادي، يؤسسون أيضا مبادئ وأفكارا ومقولات، وفقا لعلاقاتهم الاجتماعية، لكن هذه الأفكار، هذه المقولات، هي أبدية بقدر ما هي العلاقات التي تعبر عنها. إنها منتجات تاريخية وعابرة».

بكلمات أخرى، إذا كان هيغل قد اختصر التاريخ إلى مجموعة من المقولات المجردة التي تحركها الروح، فإن برودون يفعل الشيء نفسه مع المقولات الاقتصادية ثم ينعشها بمفهومه عن الميل نحو المساواة. لا هيغل ولا برودون اهتما بالقدر الكافي بالمحتوى الجوهري لتلك المقولات. وبدلا من استخدام هذه المقولات للمساعدة في تنظيم معطيات ملموسة ومادية من أجل تحليلها، نجدهما يخطئان في فهم الفرق بين المقولات والواقع الملموس.

الأسوأ من ذلك، وفقا لماركس، بدلا من الاعتراف بالطبيعة العابرة للمقولات الاقتصادية والأفكار التي تنشأ داخلها، يريد برودون تجميد هذه التطورات في مرحلة معينة - الإنتاج الماهر في ورش العمل الصغيرة - بدلاً من استيعاب الجوانب التحررية المحتملة للمؤسسة الصناعية الكبيرة والثورة البروليتارية.

لنتذكر كتاب (الأيديولوجيا الألمانية) وتأكيد ماركس على ضرورة تحقيق مستوى كافٍ من الإنتاجية والتكنولوجيا أولاً قبل أن تصبح الاشتراكية ممكنة، حتى نفهم الجوانب التحررية التي أشار اليها ماركس.

برودون ضد الإضرابات!

ان من المثير للدهشة ان نجد برودون الفوضوي يرى أن الإضرابات العمالية كانت عقيمة، بل وإنها تؤدي إلى نتائج عكسية، فقد كتب: «من المستحيل، وأنا أؤكد هنا، ان لا يحصل ارتفاع عام في الأسعار في أعقاب الإضرابات التي ينتج عنها زيادة في الأجور؛ هذا أمر مؤكد مثل اثنان واثنان يساوي أربعة».

يأتي موقف برودون هذا من اعتقاده بأن جميع المنتجات يجب أن تتبادل على قدم المساواة لأنها مصنوعة من عمل يفترض أن يمنحها قيمة متساوية. وبالتالي، فإن مجموعة واحدة من العمال الذين يحصلون على زيادة في أجورهم لا يمكن أن تأتي إلا على حساب مجموعة أخرى من العمال عن طريق التضخم.

رداً على ذلك يكتب ماركس: «نحن ننكر كل هذه التأكيدات، باستثناء أن اثنين واثنين يساوي أربعة». إذا كان برودون قد رأى في المقام الأول أن التبادل يحدث بين صغار المنتجين المستقلين (وليس الشركات الكبيرة) وبين العدو الرئيسي المتمثل بـ «الوسطاء»، نجد ان ماركس يؤكد على الانقسام بين الرأسماليين والعمال: «ان صعود وهبوط الأرباح والأجور يعبران فقط عن النسبة التي يشترك بها الرأسماليون والعمال في ناتج عمل يوم واحد، دون التأثير إطلاقا، في معظم الحالات، على سعر المنتج».

يدخل ماركس بعد ذلك في استعراض لتاريخ الإضرابات والتنظيم النقابي في إنكلترا، مشيرا إلى أن معظم الاقتصاديين يعارضون التنظيم النقابي لأنه يعوق الأرباح. والمثير للدهشة أن هذا الرأي شاركه العديد من الاشتراكيين الطوباويين الذين، كما يقول ماركس «يريدون للعمال أن يتركوا المجتمع القديم وشأنه، من اجل الدخول بمزيد من السهولة في المجتمع الجديد الذي أُعد لهم بقدر كبير من التبصر».

على النقيض من ذلك، يجادل ماركس بأن الإضرابات والتنظيمات النقابية هي حالة إيجابية فيكتب: «ان الصناعة الكبيرة تجمع في مكان واحد جمهورا من أفراد لا يعرفون بعضهم بعضا. والمنافسة تفرق مصالحهم. ولكن حماية الأجور، هذه المصلحة المشتركة حيال رب عملهم، توحدهم بفكرة مشتركة واحدة، هي فكرة المقاومة، فكرة التحالف». ويواصل ليقول «وفي هذا النضال الذي يعتبر حربا أهلية حقا وفعلا تتجمع وتتطور جميع العناصر الملازمة للمعركة المقبلة، وعند بلوغ هذه النقطة يكتسب التحالف طابعا سياسيا».

ربما كانت جيني ماركس محقة في أن عنوان كتاب ماركس كان مهينا، لكنه يقدم على الأقل موقفا مضادا واضحا لاستراتيجية ماركس السياسية مقابل استراتيجية برودون.

ان برودون يركز آماله في التحول الاجتماعي على طبقة متجانسة نسبيا من المنتجين المستقلين الذين يمكنهم بشكل سلمي إنشاء تعاونيات واتحادات ائتمانية كبديل للرأسمالية، في حين يشدد ماركس على نضالات الجماهير العظيمة من العمال ضد أرباب العمل من الرأسماليين.

لا يمكن أن يكون هناك حل فردي أو جزئي للاستغلال في ظل الرأسمالية. يجب على شغيلة اليد والفكر أنفسهم أن يطوروا وعيا ثوريا، وأن يقلبوا مجمل العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، وبالتالي الاستيلاء على وسائل الإنتاج بشكل جماعي كطبقة، أو أن الرأسمالية سوف تسخر من أي محاولات جزئية لإصلاحها.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل