/
/

شاع تداول مسمى الدولة المدنية اثناء ثورات ما اطلق عليه الربيع العربي، وجرى تداوله في العراق بعد اخفاق الاحزاب الدينية في بناء دولة المواطنة وجنوح هذه الاحزاب نحو الطائفية، وقد تم التطرق اليه بشكل خجول اثناء الستينات والسبعينات جراء انتشار انظمة الحكم العسكرية، وقيام العسكر بتشكيل الحكومات في كل من العراق ومصر وسوريا وليبيا واليمن وبعض دول امريكا اللاتينية ثم انتقال عدواها الى تركيا.، غير ان مفهوم الدولة المدنية على ما يبدو عند رجال الدين هو ان مثل هذه الدولة تقوم على معاداة الدين او اقل تقدير انها لا تضمن قوانينها الاصول الشرعية. كما وانهم يدركون تماما ان مفهومها جاء على اثر سيطر ة الكنيسة ورجالها على مقدرات الشعوب الاوربية في العصور الوسطى، حتى قيام مارتن لوثر بحركة الاصلاح الديني للتحرر من سلطة الكنيسة وما يتبعها من ظلم بسبب صكوك الغفران. وقبل الدخول في استعراض الجذور التاريخية لهذه الفكرة نود ان نقول، ان الدولة المدنية، تعني التنظيم القانوني الذي يتميز بالاستقلال عن العناوين الجزئية او الثانوية التي تختزل المواطنة في انتماء قومي او ديني او طائفي، والتي لا تقبل بالقوة العسكرية وانظمتها عنوانا لها بدل الدستور، بتعبير ادق، انها تعني الدولة التي تبتعد في سلوكها الوظيفي عن العناوين الثانوية وتعمل على مشاركة الجميع(شعب واحد) ودستور مدني واحد يأخذ بالتداول السلمي للسلطة، ولما كان مفهوم الدولة المدنية يعلو فوق كل الجزئيات، فانه يعني بالمقابل ان الحرية متاحة بالكامل لكل هذه الجزئيات التي يتكون منها اي مجتمع، بغض النظر عن مسألة الاغلبية، او الاقلية، ويتيح هذا المدخل حرية الدين وممارسة شعائره وطقوسه، وحرية الفكر وممارسة ابداعاته وكل ذلك مفصل بقوانين تحكم الجميع، لذا فان الدولة المدنية تقترب قليلا  من العلمانية، ذلك المفهوم القائم على الدفع بالاعتراف بالدولة المحايدة ازاء الاديان في مسألة ممارسة السلطة، مع ضمان الحرية المطلقة لجميع الاديان، بما لا يتعارض مع قانون وحدة الامة، فالدولة المدنية علمانية السلوك حيادية في الدين تسمح بحرية الكل ولصالح الكل.

النشأة والتطور

يمكن القول ان مفهوم الدولة المدنية لم يكن من مفردات علم السياسة(كمفهوم مجرد) لكن هذا الشكل من النظم السياسية تم الاخذ به بعد صراع طويل مع السلطة الالهية للملوك وجنوح الانسان وميله للسلطة الزمنية، ففي العصر الوسيط بدأت السلطات الزمنية الاقطاعية المشاركة للكنيسة سلطتها على الناس تتنافس مع السلطات الدينية للكنيسة صانعة بذلك تاريخا جديدا للانسانية، وكما يقول مارسيل غوشيه في كتابه نشأة الديمقراطية ص44، لابد من اعادة وضع الانتقال الى التاريخ في داخل عملية الخروج من الدين، ويقول المفكر يوسف محسن في تعقيبه على افكار مارسيل غوشيه في مسألة الدين والديمقراطية، ان هذا المفهوم لا يناهض الدين من حيث الجوهر، وانما يعادي المطامح الدينوية للنخب الدينية ويحدد للمؤمنين الاحتفاظ بايمانهم الشخصي بالاخلاص للعالم الاخر، فبالنتيجة يمكن القول ان الفسحة التي يمنحها الانسان لنفسه في عالم الدنيا المدنية هي فسحة مجازة استثنائيا ما دامت لا تخرج عن مفاهيم الدين الاساسية بعيدا عن سلطته اللاهوتية في تفسير معاني الدين خارج الكتب السماوية،

يقول الدكتور عبد القادر يوسف في كتابه العصور الوسطى الاوربية،ص 150، ان الحقوق الطبيعية الممنوحة من قبل السلطات الزمنية الاقطاعية الى الموظف الديني ادى الى امتزاج الجوانب الدينية للمؤسسات الكنسية بمواقف الاقطاع الدنيوية، ويستطرد بأن الكنيسة الرومانية بدأت تفقد هيبتها في المجالين الزمني والروحاني منذ العقد الاخير من القرن الثالث عشر ولعل من بين الاسباب الهامة التي سبقت ذلك، تزايد الاتجاهات الدينوية بين مجتمعات اوربا الغربية، فالاتجاهات الاقتصادية والثقافية لمدن اوربا امست تتعارض بشكل رئيسي مع ما تأمر به الكنيسة، وان نمو فكرة الدولة المدنية ومداها الحديث جاء بعد قيام الثورة في انكلترا عام 1688، حيث تم تقييد السلطة الالهية للملك، (المدعومة من قبل الكنيسة) لصالح توسيع سلطات البرلمان، وتحولت مفاهيم سلطة الملك المستمدة من الاله الى سلطة البرلمان الزمنية، ولعل فكرتها الحديثة جاءت بعد مقررات مؤتمر فيينا عام 1815، حيث تم الدفع بالاعتراف بالسيادة القومية للدول، مبعدة بذلك سلطة الكنيسة البابوية الكاثوليكية.

لقد كان لنمو فكرة تشكيل الدولة الحديثة وفق مبادئ كل من الثورة في انكلترا والثورة الفرنسية واعلان الحقوق المدنية بعد الثورة الامريكية، ان انضج مفعول قيام السلطات المدنية على حساب سلطات الكنائس، وكان لنمو الصناعة بعد قيام الثورة الصناعية وتحول المانفكتورات الى مصانع، ان نمت الحركات العمالية  وساهمت بتعزيز دور القوانين المدنية الحامية لحقوق اؤلئك العمال، وبعدها تم الانتقال تدريجيا الى مسألة التمييز بين حق الدين وحق الحياة، كما وان الصراع بين العمال واصحاب المصانع في القرن التاسع عشر وقيام الحركات الجارتية عام 1848، حال دون الاحتكام الى القوانين الدينية الكنسية، بل تمت المطالبة بقوانين مدنية تفصل في النزاعات القائمة على. الحقوق المدنية، كحق تحديد ساعات العمل وحق تحديد الاجور وحق تحسين ظروف العمل او حق التأمين الصحي للعمال، وهذه العوامل وعوامل اخرى ساعدت على  الانتقال الى الدولة المدنية، حيث تحول العالم تدريجيا نحو تشكيل البرلمانات المنتخبة والحكومات المدنية.

ان تحول الصراع بين الانسان والانسان من اجل لقمة العيش لا من اجل مبادئ وقييم دينية، ادخل الدول بمفهومها الحديث حلبة الصراع مع الجزئيات ليتمخض عنها دولا قوية تحكمها قوانين لا تفرق ببن الطوائف والقوميات، بل تم تأسيس دول حديثة، تحل كل هذه المشاكل، مقامة على اساس الفدرالية، مثل الاتحاد السويسري او الاتحاد النمساوي، وهكذا بدات الدول تغادر السطوة الدينية الى رحاب الدولة المدنية، وكان لتجربة انحلال الدولة العثمانية لتقوم بدلها دولة مدنية علمانية على يد مصطفى كمال اتاتورك بداية القرن العشرين دور مهم في ذلك.

اسس الدولة المدنية

تمارس الدولة بموجب الدساتير صلاحيات تصريف شؤون الناس المدنية، منها توفير الخدمات، خلق فرص عمل، الاهتمام بالصحة والتعليم والامن، وغيرها من واجبات هذه الدول وعلى اساس مدني يتساوى فيه الجميع امام القانون وللدولة المدنية اسس واضحة، الا وهي،

1- انها تمثل ارادة الكل الاجتماعي.

2-انها دولة قانون ومؤسسات،

3-تقوم على نظام مدني، لا ديني ولا عسكري، يحترم الاديان ويأخذ بالشرائع الدينية التي تتناسب وروح العصر بما لا يتعارض مع جوهر هذه الاديان وتعاليمها السمحة.

4-المواطنة اساس الحقوق والواجبات.

5-الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

6- العدالة الاجتماعية، في توزيع الثروات.

7- المساواة امام القانون.

8-الكفاءة هي المعيار في تقلد الوظائف سواء اكانت بالانتخاب او التعيين.

بغض النظر عن الاختلاف في ادراك المفهوم الديني للدولة المدنية، او قبول رجال الدين بها، فان انجع عملية لهذا الادراك تقوم على التوصيف الوظائفي لها، (كونها وظائف حياة) وأن يؤخذ هذا اساسا لتكوين الرؤيا الوطنية المشتركة، فالدولة تعتمد في عملها اليومي على وظائف دنيوية موصوفة بقوانين ولوائح وتعليمات، تتطلب الخبرة والكفاءة لتنفيذها بنزاهة. وهذه الميزات الانسانية تراها متوافرة عند الكثير وفي كل جزء من اجزاء اي مجتمع، وان هذه الكفاءة ناتجة عن عاملين اساسيين.

الاول : العامل الذاتي وهو العامل المنحدر من كفاءة الانسان الذاتية وقدرته على الاستيعاب، والعمل والابداع.

الثاني: العامل الموضوعي  وهو العامل الذي يسهم فيه المجتمع والدولة المدنية والقائم على خلق فرص التنمية البشرية، عن طريق الدين بالارشاد والتوجيه وعن طريق الدولة في التربية والتعليم وتطوير المهارات وتنميتها باتجاه الانتاج وحب الوطن.

ان تجربة الدولة المدنية في كل بلدان العالم اثمرت عن قيام دول متقدمة تؤمن بحرية الاديان وتعمل على سن القوانين التي تضمن هذه الحريات، ففي ماليزبا الدولة الاسلامية مثلا تجد الى جانب الجامع كنيسة مسيحية مفتوحة، وهناك معبد بوذي يوقد الشموع طيلة النهار، وقد كنت سائرا في سنغافورة مع صديق لي ورأينا بناية يقف امامها جمع من الرجال بدشاديش سوداء، فاقتربنا منهم واذا بهم عراقيون امام حسينية يحيون ذكرى وفاة الامام موسى الكاظم عليه السلام والاعلام السوداء مرفوعة حزنا على الامام دون اي تدخل من قبل احد او سلطة، علما ان سنغافورة ذات اغلبية صينية تتخذ من البوذية دينا لها.

ان الاخذ بالدولة المدنية يعني الاخذ بالرأي والمعتقد الاخر، واحترام هذا الرأي عن طريق التشريع، والتنفيذ الحيادي للحرية المقيدة.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل