/
/
/

مع اقتراب الساعات الأولى من منتصف ليلة الأول من تشرين الثاني عام 2018، توقف نبض قلب الفقيد الدكتور فاروق عبد الجليل برتو عن عمر قارب الحادي والتسعين. وبهذا الحدث الجلل فقد العراق أحد رموز التنوير والحداثة، شخصية مميزة من ذلك الجيل الباحث عن العدالة والرقي في بلاد الرافدين. ولد الفقيد وترعرع في البصرة الفيحاء عام 1928 في احضان والده الشخصية الديمقراطية والوطنية  والقاضي النزيه عبد الجليل حسن برتو الذي تدرج في سلم القضاء وتبوأ رئاسة مجلس الخدمة بعد ثورة تموز عام 1958 . أكمل الفقيد دراسته الثانوية في الأعداية المركزية في بغداد، وحصل على مجموع رفيع أهلَهُ للدراسة في كلية الطب في بغداد. ومع هبوب نسائم الديمقراطية والتنوير المعادية للفاشية والاستبداد التي عمت العالم في نهاية الثلاثينيات، بلغت نذرها العراق واجتذبت الشبيبة العراقية والفئات الوسطى والوسط المثقف علاوة على الأوساط الكادحة المحرومة والمهمشة في المجتمع. وشارك الشاب فاروق برتو في نشاط الحركات اليسارية العراقية، لينخرط في نهاية عام 1949 في عضوية الحزب الشيوعي العراقي. وفي أثناء تلقيه الدراسة في الكلية الطبية في بغداد، تفجرت وثبة الشعب العراقي في عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث الاسترقاقية التي عقدها صالح جبر ونوري السعيد مع الحكومة البريطانية. وقد ساهم الفقيد بنشاط في هذا الحراك الجماهيري التاريخي الذي أدى إلى سقوط المعاهدة وموقعيها من المسؤولين العراقيين. وفي خلال تلك الأيام العاصفة من تاريخ مآثر العراقيين، شارك الفقيد بنشاط في هذه الوثبة الشعبية المجيدة.

انتخب الفقيد في عدة دورات كعضو في لجنة اتحاد الطلبة في الكلية الطبية. واحتل مكانة بين طلبة الكلية لنشاطه الاجتماعي والوطني والطلابي. وانتخبه طلبة الكلية الطبية كممثلاً لهم في أول مؤتمر لاتحاد الطلبة العراقي العام "مؤتمر السباع" الذي عقد  في الحي العمالي من شارع الشيخ عمر في بغداد وبحراسة العمال  بعد أن رفضت الحكومة عقده في إحدى دور العرض السينمائية في بغداد وذلك في الرابع عشر من نيسان عام 1948. وما أن هدأت الأحوال في البلاد بعد الوثبة، حتى شن النظام حملة قمعية ضد المشاركين في الوثبة وفي النشاط الطلابي والنقابي، لتتوج بجريمة إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، فهد ورفاقه، في الساحات العامة في بغداد. وكان نصيب الفقيد فاروق برتو خلال تلك الحملة الفصل من الكلية وحرمانه من إكمال دراسته. وأضطرت عائلته إلى إرساله إلى سويسرا لإكمال دراسته. وبعد انهاء الدراسة، عاد إلى الوطن في عام 1952، ليسهم بنشاط في تحقيق معارفه ومهارته المهنية وفي النشاط المهني والاجتماعي والسياسي. فقد شارك في تأسيس حركة  السلم العراقية، حيث حضر أول مؤتمر عقد لها في صيف عام 1954 وبشكل سري. كما لعب الفقيد دوراً في النشاط المهني وبادر مع عدد من الأطباء الشيوعيين والديمقراطيين إلى السعي لتأسيس نقابة ذوي المهن الطبية التي أسست في تشرين الثاني عام 1952، وفازت القائمة الديمقراطية بانتخابات النقابة. كما ساهم الفقيد مع عدد من قادة الحركة الطلابية ومنهم الفقيد مهدي عبد الكريم في خوض معركة الانتخابات النيابية في حزيران عام 1954 لصالح قوى المعارضة، والتي فاز فيها مرشحو الجبهة الوطنية بـ 11 مقعداً في مجلس النواب، مما أثار رعب الحكام آنذاك وعلى رأسهم نوري السعيد، وجرى حل المجلس في الدقائق الأولى من عقد أولى جلساته.

بعد تعيينه طبيباً في وزارة الصحة العراقية، شارك الفقيد في مشروع صحي مهم لمكافحة التدرن في العراق، هذا المرض الذي كان يزهق أرواح العراقيين وخاصة الفقراء منهم. وقد كُتب لهذا المشروع النجاح بفضل نزاهة وتفاني جمهرة من الأطباء الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين، ومنهم الفقيد فاروق برتو والفقيد

الدكتور رفعت الشيباني والشهيد محمد باقر الجلبي والفقيد عبد الصمد نعمان والفقيد رحيم عجينة والفقيد الدكتور جعفر حبه والصيدلي ابراهيم جرجيس، حيث تم إيلاء اهتمام خاص في مكافحة التدرن بعد تأسيس مستشفى التويثة في بغداد ومستشفى الكرخ للأمراض الصدرية والاجراءات العلمية التي اتخذها العاملون في مديرية مكافحة التدرن العراقية وبدعم من منظمة الصحة العالمية.

أصاب الرعب والهلع حكام العهد الملكي وحماتهم في الخارج جراء تنامي الحركة الوطنية والديمقراطية والشيوعية العراقية في تلك السنوات، ونتيجة لذلك شنت السلطات الحاكمة حملة شرسة ضد قوى المعارضة من سجن وملاحقة وفصل من الوظائف، وكان نصيب الفقيد كما جرت العادة الفصل من وظيفته في نهاية عام 1954. وهكذا لجأ الفقيد إلى العمل في عيادة خاصة أو في مؤسسات صحية خارج

سيطرة الحكومة ودون علمها. وبعد فترة، قرر الفقيد السفر إلى بريطانيا لاكمال دراسته والتخصص في الأمراض الصدرية في آذار عام 1958. واستطاع خلال لقاء له مع المسؤولين بإلغاء المنع على سفره وحصل على جواز سفر جديد وتوجه إلى بريطانيا.

 بالرغم من حملات الإعدام والسجون والملاحقة والتعسف التي مارسها النظام ضد معارضيه بعد إعدام قادة الحزب الشيوعي، فقد حقق الشعب العراقي مأثرة باسلة أخرى في انتفاضة تشرين الثاني عام 1952. واستطاع الشعب وقواه السياسية الحية اسقاط الحكومة وبضع حكومات لاحقة، وكان جواب الحكم إعلان الأحكام العرفية في البلاد. إن هذا الحراك الشعبي كان يتكرر كل خمس سنوات واختتم بثورة الشعب على الحكم وإعلان الجمهورية العراقية في 14 تموز عام 1958. عندها قرر الفقيد والعديد من الطلبة الدارسين في الخارج العودة إلى البلاد، وجرى احتضانهم من قبل السلطة الجديدة، ومن ضمنهم الفقيد فاروق برتو الذي ألغي الحكم السابق بفصله من الوظيفة وعاد إلى ممارسة مهنته في وزارة الصحة العراقية. وساهم في وظيفته الجديدة مع زملائه في إعادة تنظيم وزارة الصحة وإيلاء أهمية أكبر للرعاية الصحية في القرى والأرياف وتوسيع علاقة وزارة الصحة العراقية مع المنظمات العالمية المعنية بالصحة. ولكن ما أن مرت أقل من سنة على ثورة تموز حتى أدار عبد الكريم قاسم ظهره للحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية وبدأت حملات الفصل والنقل للكثير من العاملين بإخلاص والذين حققوا انجازات بارزة في دوائر الدولة  ومن ضمنها وزارة الصحة، وشمل القرار أيضاً الفقيد فاروق برتو. وكان لهذه التطورات السلبية في البلاد أثر في أن يسعى الفقيد إلى تنمية معارفه وحصل على زمالة دراسية في لندن ( 1961-1962) من قبل منظمة الصحة العالمية. ورجع إلى العراق ليشهد تعمق الأزمات في البلاد وملامح الردة والرعب بادية للعيان، ولتنتهي بـ "عروس الثورات" في 8 شباط 1963، الردة الكارثية، التي شطبت وأجهضت كل ما حققته البلاد من منجزات في السنوات القليلة الماضية، ولتفتح من جديد أبواب المسالخ البشرية على مصراعيها وليعم العنف واللا قانون بأعلى مشاهده المريعة من تصفيات وقتل وسجن التي طالت الصغار كالكبار والشيوخ كالشباب والنساء على غرار الرجال. وبالطبع كان للفقيد نصيبه من هذه الكارثة الوطنية ليزج في السجن إلى جانب خيرة من ساهم في الانجازات التي تحققت في السنوات المعدودة. وعادت دائرة التخلف الى التحكم بمصائر الوطن.

وما أن طويت هذه الريح الصفراء في تشرين الأول من نفس العام، حتى تسنى للفقيد التحرر من الجُب وخرج منه ليرى حجم الدمار الذي حل بالبلد، والخسائر التي تعرض لها، بما فيها الهجرة الواسعة لخيرة العقول العراقية. وعاد الفقيد للتفكير بالهجرة وزيادة المعارف والحصول على فرصة أخرى للتخصص في صحة الأطفال عام 1965 في بريطانيا. عاد إلى العراق عام 1967، ليشهد بعد حين إندلاع "الثورة البيضاء"وعودة "فرسان 8 شباط" من جديد إلى الحكم. وكانت ذاكرته وحدسه لا يقبل الشك بأن العراق مقبل على كارثة جديدة رغم إدعاءات الحكم الرنانة. وقرر السعي من جديد إلى العمل في منظمة الصحة العالمية. وأدرك إن هذه الرحلة ستكون الأخيرة إلى وطن الآباء والأجداد، وكتب في سيرته الذاتية "، ذكريات عراقية عن الكفاح والاحباط – الإرادة والأمل"،عن هذا الحادث العبارات التالية:" وطني الذي شوّه وجهه الجميل رهط من الناس دفعهم حب السلطة والمال والحقد والانتقام فعاثوا فيه خراباً وفساداً وأوصدوا أمام شعبه أبواب الأمن والعدل والسعادة. وها أن حزين لفراق وطني وأهلي وأصدقائي، لست دارياً إن كنت سأعود إلى العيش على ترابه وتحت سمائه وبين أبنائه وبناته". بهذه الكلمات ودع الوطن الذي عشقه وسعى لسموه، ولكن مديرية الأمن العامة لم تكف عن ملاحقته وهو خارج  الوطن وأصدرت تعميماً سرياً بتاريخ 4/2/1971 بملاحقة 143شخصية أكاديمية ومهنية ومن ضمنهم الفقيد فاروق برتو.

إن محبيه إذ يودعون هذه الشخصية الوطنية إلى مثواها الأخير، يحتفظون دوماً بوجدانهم وذاكرتهم ما تميز به ال

فقيد من سمات انسانية وحب للوطن وأبنائه وبناته، هذه الشخصية التي قدمت وبتجرد ونكران ذات كل طاقته لرفعة هذا البلد العزيز، ورغم الآلام والمعاناة التي تحملها من قوى الشر والغدر، إلاّ أن ظل رابط الجأش والبسمة والأمل تعلو وجهه والإيمان بقدرة العراقيين على تجاوز المحن وبناء بلدهم. إن كل من عاشره، لم يسمع منه سوى أرق الكلمات، وهو الذي ترفع عن إيراد أي حرف أو كلمة من شأنها أن تسيء إلى الآخرين.

أيها الفقيد العزيز،سوف نفتقدك ولكن نتذكرك كل طيبتك وحسن معشرك وسماتك الإنسانية على الدوام. أرقد بسلام في مثواك الأخير، وللأحبة أنجال وأحفاد الفقيد، أحمد وجليل وحسن وزينب، وإلى شقيقه وشقيقته المهندس عماد عبد الجليل برتو والسيدة عوالي عبد الجليل برتو آيات من الصبر والسلوان.

1/11/2018 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل