/
/

يبدو ان ليس هناك من ينصف البصرة، المحافظة الكريمة التي اغدقت من خيراتها الوفيرة الكثير لغير أبنائها من العراقيين، وتحملت اعباء معيشة عامة العراقيين، بكل اجناسهم وقومياتهم ومناطقهم، فيما قصرت مع أبنائها.. وما اكثر من هجروها منهم. 

لم يتفهم الحكام، على مر التاريخ، عطاء البصرة وطيبة أهلها. فكنت تجدهم يوغلون في ظلمها، وفي نهب خيراتها، وسرقة مواردها، وتبديد ثرواتها. وكم كانت كبيرة حصة البصرة من النكبات، حتى تفوقت بها على غيرها من مدن العراق، والسبب يكمن في الحروب والحصار وصراعات الفاسدين على  نهب خيرات البلد.

وعجيبة هي مفارقة تزايد الفقر واتساع نطاقه مع ازديادة صادرات النفط، والتي أصبحت ملازمة للبصرة لا فكاك لها منها. كذلك نزف ابنائها الدم الغزير كلما طالبوا بحقهم في العيش الكريم!؟  

ولم ينصف البصرة النظام الجديد بعد ٢٠٠٣، بل ان معاناة مواطنيها اشتدت في ظله باضطراد، واخذ مستوى الفقر يرتفع مع تصدير كل برميل نفط جديد. لم تسهر عين أي مسؤول على حاجاتها، ولم يرف جفن احد من الحكام عليها، ولم ينصفها احد ممن اداروا مواردها. والاشد غرابة هو ان المتصدين من ابنائها لمواقع المسؤولية ومراكز القرار، عادة ما يديرون ظهورهم لها، ولقد تعاقب الحكم عليها ارباب سرقة وعقوق. 

تصورنا ان دم الشهيد منتظر الحلفي سيكون آخر دم ينزف من اجل الحق في مياه شرب صالحة، وفرصة عمل، وطاقة كهربائية دائمة، في مدينة يضيء نفطُها عواصم العالم! لكن من اين للمتنفذين عندنا احترام الانسان وتأمين حياة له كريمة وآمنة؟

لم يتوقف نزف شباب البصرة، وهذه المرة ليس بفعل الحروب الخاسرة التي جعلت من شبابنا حطبا لها، وليس بسبب الصراع الطائفي وخفاياه، انما هذه المرة لسعي هؤلاء الشباب الى حياة حرة تليق بانسان القرن الحادي والعشرين.

ويتضح ان الاحتجاجات لا تتوقف ما دامت السلطات غير مكترثة للمطالب المشروعة بالغة الصدق، ولم تنفذ شيئا من الوعود التي تطلقها في الفضاء دون اتخاذ إجراءات عملية ملموسة،  اجراءات لابد منها للاستجابة صدقا الى مطالب المتظاهرين بتحسين ظروفهم المعيشية، وحل أزمة الكهرباء والبطالة ومحاربة الفساد. لهذا يبدو ان الاحتجاجات ستتحول إلى اعتصامات شعبية مفتوحة في جميع مدن محافظة البصرة، لا سيما وان هناك تهاونا كبيرا مع قضايا القتل التي يتعرض لها المحتجون السلميون.

لا سبيل لإنهاء الاحتجاجات سوى الاستجابة للمطالب المشروعة والملحة، غير القابلة للمماطلة والتسويف والتأجيل. ولا جدال في ان أساليب الترغيب والترهيب لم تعد قادرة على اسكات مطالبة المواطنين بحقوقهم، كما ان محاولات تحزيب الاحتجاجات سرعان ما ينكشف خداعها، ويزداد الحذر من محاولات التخريب مدفوعة الثمن، الموجهة من القوى التي لا تهمها مصلحة الشعب واستقرار الأوضاع.

ان دم الانسان هو الاغلى في كل الأحوال وفي كل الظروف، ومن هنا ضرورة الحرص على منع سفك الدم العراقي، سواء كان دم المشاركين في حركة الاحتجاج الشعبية او دم القوات الأمنية.

انه واجب لا مهرب منه.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل