/
/
/

رحل عنا المناضل الكبير ابو قاعدة في 17 – 9 – 2018 في السويد
وبمناسبة اربعينيىة رحيله ، نتذكر بعض محطات نضاله التي كنت على تماس معها، في صفوف الحزب الشيوعي العراقي .
تعرفت على الرفيق كاظم فرهود سنة 1955 ،عندما هرب من سجن الكوت مع عدد من الشيوعيين المناضلين الشجعان . وقد استطاع ابو قاعدة مشيا على الاقدام من مدينة الكوت مخترقا عشرات القري بين ريفي الكوت والحلة المتجاورين الى ان وصل الى ضواحي مدينة الحلة ، وقد ساعده على نجاح مهمته والنجاة من الوقوع بأيدي الاجهزة القمعية ، كونه ابن ريف مدينة الديوانية ،حيث ولد في ناحية السنية احدى نواحي مدينة الديوانية وهو الذي يحسن التحدث باللهجة الشعبية الريفية ، كما ان هيئته وتنكره تشير الى انه ابن الريف العراقي ، وهو يجيد ويبدع في اختيار الاحاديث الشعبية الريفية المناسبة ، مما جعله بمنجى من اية مفاجأة للوقوع بيد العدو، وهكذا استطاع الوصول الى الحلة ومن ثم الى مدينة النجف ، وهناك اتصل بالمنظمة الحزبية ، واصبح في مأمن حزبي . وفي لقاء مع مسؤول محلية النجف الرفيق الراحل حسين سلطان طلب مني معالجة احد الرفاق المرضى المختفين ، واردف بالقول ان قدميه متورمتان ، فاتصلت بالرفيق الدكتور خليل جميل واوضحت له ضرورة معالجة الرفيق المريض وهو مختف ، واتفقنا على مكان معالجة الرفيق المريض، وعند الكشف عليه سأله الدكتور كيف صارت قدماك متورمتين ، فقال له من المشي في الريف لعدة ايام وعندئذ ادركنا بأنه احد السجناء الهاربين من سجن الكوت حيث اعلنت السلطات الرسمية هروب عدد من السجناء الشيوعيين، وعند استرجاع عافيته طلب ورقا خفيفا وقلم حبر ذا رأس رفيع وكتب ما يريد لساعات، ثم وظّب الرسالة بالطريقة المعروفة على شكل ( جكليته صغيرة ) وطلب ارسالها الى مسؤول  اللجنة المحلية.

كان الرفيق ابو قاعدة احد قادة منظمة راية الشغيلة ، وبعد شفائه غادرنا الى بغداد واصبح عضوا في مركزها القيادي وكذلك احد اعضاء الطرف المفاوض مع الحزب الشيوعي. واستمرت المفاوضات عدة اشهر، وكانت نتيجة المفاوضات المركزية ان حلت منظمة راية الشغيلة تنظيماتها والتحقت بالحزب الشيوعي، وتوحدت صفوف ومنظمات الحزب على اساس راسخ.


الرفيق الراحل كاظم فرهود يتصف بصفات القادة الشعبيين، وفي المجال الحزبي انه يجيد التنكر اثناء واجباته الحزبية ويتنقل بين بغداد والموصل والفرات الاوسط ومدن اخرى ويتنقل دون ان تلاحظ عليه معاناة تجواله ، وهو كتوم للأسرار الحزبية ،ومن صفاته انه متحدث جيد يجذب السامع بما يتحدث به ، ويسند اقواله بالامثلة الشعبية الرصينة ، وعندما يتحدث مع الاخرين فانه انسان شعبي غزير المعلومات والثقافة الشعبية.

 بعد ثورة 14/ تموز / 1958، كان الرفيق ابو قاعدة رئيس الجمعيات الفلاحية، وبعد تراجع عبد الكريم قاسم ، وانتكاسة الوضع السياسي ،  وحل الجمعيات الفلاحية المنتخبة ، واستبدالها بجمعيات فلاحية هزيلة مزيفة ، وجعل عراك الزكم رئيسا للجمعيات الفلاحية البديلة. في هذا الظرف السياسي المعقد انتقل عمل الرفيق كاظم فرهود الي العمل الحزبي في الفرات الاوسط فكان عضوا في مكتب المنطقة ومسؤول هيئة التوجيه الفلاحي، وكان يتجول بين منظمات الحزب وخاصة المناطق الريفية، في مدينة النجف كنا نهيئ له الاماكن لاجتماعات الكوادر الفلاحية وغيرها ، ولا يمر اسبوع بدون اجتماع للكوادر الفلاحية التي يقودها الرفيق كاظم فرهود .


وفي تلك الفترة اشتدت الملاحقات واعتقال الشيوعيين ومؤيديهم وساد جو من خنق الحريات الديمقراطية ، وغلق النقابات والمنظمات الديمقراطية وانعكس ذلك على ابناء الشعب ايضا ، واصبح الوضع السياسي مكفهرا وينذربالخطر . وفي احد الاجتماعات لمكتب منطقة الفرات الاوسط لدراسة الوضع السياسي ، ( وكان مكتب المنطقة مؤلف من حسين سلطان مسؤولا وعضوية ،كاظم فرهود ،وحسن عوينه ،وانيس عباس ناجي ، وصاحب الحكيم ) ، طرح كاظم فرهود مقترحا باستلام السلطة من عبد الكريم قاسم ، وشرح كيفية استلام السلطة ، وقد أيد مكتب المنطقة تلك الخطة التي قدمها كاظم فرهود، درس المكتب السياسي هذا المقترح ، وارسل الجواب ويحتوي : بالانتقاد لمسؤول المنطقة حسين سلطان لعدم رده على المقترح ، كما ان المكتب السياسي لم يوافق على المقترح ، وشرح خطأ تلك الافكار، وطلب عرض خطة مشروع المقترح على اول اجتماع للمنطقة وكذلك جواب المكتب السياسي ولم تؤيد منطقة الفرات الاوسط مشروع المقترح باستلام السلطة من عبد الكريم قاسم ، وقررت رفض المشروع وتأييد رأي المكتب السياسي.

ومن ذكريات الرفيق كاظم فرهود في مدينة النجف، حيث استأجر بيتا في منطقة الجديدة، وادعى انه اقطاعي واقام علاقات مع الجيران هو وعائلته ، وعندما تطلب انتقاله الى بيت آخر للضرورات الحزبية ،اودع بعض حاجياته عند الجيران ، وبالمصادفة كانت هذه العائلة من الشيوعيين وهي ام الرفيق الراحل شهيد ابو شبع ، وبعد مرور الايام ،عاد الرفيق ايو قاعدة واستأجر بيتا في نفس المنطقة السابقة بصفة انسان عادي من العمال او الكسبة، وبالمصادفة ايضا اكتشفت الرفيقة ام شهيد ابو شبع التي عندها الحاجيات المودعة ، بأنه احد قادة الحزب الشيوعي في النجف وعرفت الادعاء السابق بكون المستأجر اقطاعي هو ادعاء للتغطية ، وبقيت تناديهم باللقب الاقطاعي الى ان غادروا المنطقة ، واصبحت هذه المسألة نكتة العمل السري.
وبعد انقلاب 17 / تموز /1968 الذي قام به حزب البعث بالمشاركة مع بعض ضباط الجيش ، وبعد فسحة من التنفيس السياسي المقصود كاطلاق سراح السجناء الشيوعيين من السجون وغير ذلك ، وفي تلك الفترة قد مضى بعض الزمن على انشقاق القيادة المركزية ، وفي هذا الوقت التقيت الرفيق ابو قاعدة وسألته عن الانشقاق واسبابه ودوافعه ، وكان من رأيه ان ما اقدمت عليه القيادة المركزية من عمل انشقاقات فيه ضرر كبير للشيوعيين، وكان قد طلب اعفاءه من قيادة ومسؤولية اللجنة الحزبية في سجن نقرة السلمان عندما حدث الانشقاق، وهذا الموقف معروف لدى الكثير من الشيوعيين ، وبهذا الموقف جسد ادراكه العميق لضرر وخطورة الانشقاق.

 وبعد الاحتلال الامريكي لبلدنا في سنة 2003، كان رأيه متطابقاً مع موقف الحزب برفض الاحتلال الامريكي.


ستبقى ذكراه الطيبة عالقة بأذهاننا ، وسيرته النضالية الشجاعة يقتدى بها ، فوداعا ايها المناضل الكبير.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل