في 23 تشرين الأول الماضي أعلنت ساره فاغنكشت الرئيسة المشاركة السابقة لكتلة حزب اليسار الألماني، وإحدى أبرز الشخصيات في تاريخ الحزب القصير، مع 9 نواب آخرين، بينهم الرئيسة المشاركة للكتلة أميرة محمد علي، الاستقالة من الحزب والإعلان عن تأسيس جمعية باسم "تحالف سارا فاغنكنشت" كمقدمة لتأسيس حزب جديد في كانون الثاني المقبل. ورغم أن الحدث قد حظي باهتمام إعلامي كبير في المانيا وأوربا والكثير من بلدان العالم، إلا أن الحدث كان منتظرا ولم يفاجئ أحد. وهو نتيجة لوصول الصراع الضار بين الحزب وجناح النائبة المستقيلة، والذي ارتبط بحالة التراجع الانتخابي الذي يعيشه الحزب منذ الانتخابات الأوربية في عام 2019، وعدم قدرة الحزب على مناقشة أسباب التراجع بروح نقدية جامعة، وكذلك النقاش الدائم وتعدد الاجتهادات الفكرية في حزب يقوم على التعددية الفكرية والتنظيمية، وغياب الشخصيات الكاريزمية التي كانت وراء نجاح مشروع الحزب في العشر سنوات الأولى التي تلت التأسيس.

واعتبرت قيادة الحزب في وثيقة اصدرتها ان الانشقاق يمثل هجوما على الحزب اليساري الوحيد الممثل في البرلمان، وأنه يستهدف مجموع اليسار المجتمعي. وقالت ان المنشقين ابتعدوا عن ثوابت اليسار عموما وبرنامج مؤتمر الحزب الأخير، وحاولوا فرض مسار جديد من خلال التركيز على القيم المحافظة، والتوجه نحو سياسة اقتصادية وفق مقاسات الليبرالية، والدعوة لتأجيل حماية المناخ وإعادة الهيكلة الضرورية الآن إلى مستقبل بعيد، والمطالبة بإلغاء كامل الدعم الاجتماعي لطالبي اللجوء المرفوضين. وأكدت الوثيقة على الالتزام بمقررات مؤتمر الحزب والحاجة إلى نظام اقتصادي واجتماعي مختلف: الاشتراكية المتلازمة مع الديمقراطية. ودعت الى التضامن المشترك لمواجهة الخصم السياسي المتمثل بالحكومة الحالية واليمين.

ساره فاغنكنشت في سطور

ولدت في مدينة "ينا" في المانيا الديمقراطية السابقة، لأب إيراني وأم المانية.  حصلت على الماجستير عن اطروحاتها "ماركس الشاب وهيكل" من أكاديمية "غورنكن الهولندية. والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كمنتس التكنلوجية. كانت إحدى أبرز الوجوه الشيوعية الشابة، في عام نهاية التجربة الاشتراكية 1989، وأصبحت المتحدثة باسم المنبر الشيوعي أحد مكونات حزب الاشتراكية الديمقراطية الذي خلف الحزب الحاكم في المانيا الديمقراطية السابقة. ذاعت شهرتها وفي بداية مشوارها شبهها البعض بـروزا لوكسمبورغ. كانت عضوا في قيادة الحزب، وبعد تأسيس حزب اليسار أصبحت عضوا في البرلمان الألماني الاتحادي، ولدورة واحدة عضوا في البرلمان الاوربي، ثم عادت لتصبح الرئيسة المشاركة لكتلة الحزب في البرلمان الألماني.  ولطرحها رؤى لا تتفق مع قرارات مؤتمرات الحزب، انسحبت من قيادة الكتلة البرلمانية. وأسست حركة "نهوض" كحركة جامعة لناشطين من حزب اليسار والخضر والحزب الديمقراطي الاجتماعي ومستقلين، لكن المشروع انتهى إلى الفشل. لها العديد من الكتب التي حققت نجاحا تجاريا كبيرا وأثارت جدلا في أوساط اليسار. وتعد من أبرز الشخصيات السياسية المفضلة لدى المؤسسات الإعلامية لامتلاكها قدرات متميزة، وعدم التردد في طرح ما تراه صحيحا، حتى وأن تعارض مع السائد داخل الحزب وخارجه.  وخلال مسيرتها عاشت تحولات فكرية وسياسية، مثل مشروع الحزب المرتقب آخرها. اجتماعيا متزوجة من الزعيم السابق للحزب الديمقراطي الاجتماعي، ولاحقا الرئيس المشارك لحزب اليسار بعد التأسيس، والشخصية السياسية الألمانية المثيرة للجدل اوسكار لوفانتين، الذي سبقها في الاستقالة من عضوية حزب اليسار بسنوات.

نظرة تاريخية موجزة

تعود جذور حزب اليسار الألماني إلى تفكك النظام الاشتراكي في المانيا الديمقراطية. في كانون الأول 1989 عقد مؤتمر استثنائي للحزب الاشتراكي الألماني الموحد، الذي قاد التجربة الاشتراكية (1949 – 1989). وكان على المؤتمر أن يختار بين الموافقة على حل الحزب الاشتراكي الموحد أو التوجه لتجديد الحزب كليا، وقد اختار المندوبون طريق التجديد، أعلنوا ابتعادهم الواضح عن التقاليد الستالينية التي كانت سائدة في الحزب واعتذروا لشعب ألمانيا الديمقراطية عن الأخطاء التي ارتكبتها القيادة السابقة، واعتمدوا الاشتراكية الديمقراطية، أي الاشتراكية المتلازمة مع الديمقراطية. وعبروا عن ذلك بتغيير اسم الحزب إلى: "الحزب الاشتراكي الالماني الموحد - حزب الاشتراكية الديمقراطية"، وفي فترة لاحقة أصبح اسم الحزب" حزب الاشتراكية الديمقراطية" فقط. وبدأ يعمل على الانتشار في غرب المانيا بعد توحيد الالمانيتين، لكن المتحقق في هذا المجال ظل محدودا. تلت ذلك سلسلة من النجاحات الانتخابية، وخصوصا في شرق المانيا، اذ عد الحزب المدافع الحقيقي عن سكان المانيا الديمقراطية السابقة.

في عام 1998 عاد الحزب الديمقراطي الاجتماعي، بزعامة اوسكار لوفانتين، الذي يعد أبرز وجوه الجناح اليساري في الحزب، إلى سدة الحكم في المانيا الاتحادية. وأصبح "كيهرد شرودر" مستشارا جديدا بالتحالف مع حزب الخضر. لم يلتزم شرودر ببرنامج حزبه، وتبنى نهجا ليبراليا جديدا يقوم على هدم المكتسبات الاجتماعية، وإطلاق حرية الأسواق المالية. أدى ذلك إلى تفجير صراع بين زعيم الحزب ووزير المالية في الحكومة الجديدة والمستشار، وبما أن الدستور يعطي صلاحية وضع السياسة للمستشار فقد استقال اوسكار لافونتين من زعامة الحزب الحاكم، ومن منصبه الوزاري.  وكان ذلك بداية لانشقاق في الحزب الحاكم تأسست على أساسه "المبادرة من أجل العمل والعدالة الاجتماعية" في غرب المانيا.

منذ عام 2005 بدأ تعاون ملموس بين المبادرة، وحزب الاشتراكية الديمقراطية، اللذين دخلا الانتخابات العامة تحت شعار: "من أجل فكر اشتراكي جديد". ومنذ ذلك الحين بدأت جهود عملية ملموسة بين الجانبين استمرت قرابة العامين وتوجت بمؤتمر تأسيس حزب اليسار الألماني في مؤتمر توحيدي عقد في 16 حزيران 2007، بمشاركة أكثر من 800 مندوب وبحضور 150 وفدا يمثلون أحزابا شيوعية واشتراكية ويسارية من مختلف بلدان العالم، بضمنها الحزب الشيوعي العراقي.

اعتمد حزب اليسار التعددية الفكرية والتنظيمية، وفق المادة السابعة في نظامه الداخلي، التي نصت على وحدة الحزب أيضا.

في السنوات التي أعقبت المؤتمر حقق الحزب نجاحات استثنائية، وأصبح قوة اليسار الأولى في المانيا داخل البرلمان وخارجه. ولعب الحزب دورا رئيسيا في تأسيس واستمرار حزب اليسار الأوربي.

رؤية المنشقين

في بداية المؤتمر الصحفي تم الحديث على ضرورة طرح بديل جديد للناخبين الذين فقدوا الثقة بالدولة وبالأحزاب السياسية السائدة، بما في ذلك حزب اليسار، مما يدفع أوساطا منهم إلى التصويت لصالح حزب "البديل من أجل المانيا" اليميني المتطرف، وبالتالي فان الحزب الجديد يهدف، وفق مؤسسيه إلى إيقاف صعود اليمين المتطرف: "وإلا فإننا ربما لن نتعرف على بلدنا خلال عشر سنوات". وحرص المتحدثون أيضا إلى الإشارة إلى صعوبة اتخاذ قرار مغادرة حزب اليسار على الصعيد الشخصي لسنوات طويلة من العمل المشترك والصداقات التي نشأت مع رفاق الدرب. ولم تفت المتحدثين أيضا محاولة مغازلة أعضاء حزب اليسار والأحزاب الأخرى للانضمام إلى حزبهم الجديد. وأنهم بذلوا جهودا استثنائية طيلة هذه السنوات لتجنب الذهاب إلى خيار تأسيس حزب جديد، الذي يعتبرونه صحيحا وضروريا.

وتشير وثيقة إعلان التأسيس إلى ان الموضوعات الأساسية يتم عرضها بشكل مكثف، ولا تشكل برنامجا يمكن مناقشة تفاصيله. ويبدو المعلن غامض ووسطي ويتضمن عناوين أساسية هي: "اقتصاد عقلاني"، و"العدالة الاجتماعية"، و"السلام والدبلوماسية والانفراج"، وثقافة جديدة تتمثل في "حرية التعبير".

وفيما يلي عرض موجز لمحاور إعلان التأسيس:

 السياسة الاقتصادية

منذ أكثر من عشر سنوات، تبنت فاغنكنشت سياسة اقتصادية تتلخص في العودة إلى الرأسمالية "المنظمة" التي كانت سائدة في بداية قيام ألمانيا الغربية. وهي مبنية على "الليبرالية الاجتماعية" التي تبناها وزير الاقتصاد والمستشار الألماني الأسبق والقيادي الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ لودفيغ إيرهارت، أو ما يعرف بسياسة "الرخاء للجميع"

وتشكل هذه الفكرة جوهر ما يتصوره الحزب الجديد باعتباره "سياسة اقتصادية معقولة". تقوم على تعزيز الصناعة و"الشركات المتوسطة الحجم"، وانتهاج سياسة خارجية تعمل على تأمين تسويق المنتجات الالمانية. وهكذا يقدم الحزب نفسه باعتباره لسان حال هؤلاء الرأسماليين الألمان الذين يرون أن السياسة الخارجية الموجهة نحو الولايات المتحدة في الحرب الباردة الجديدة تمثل تهديدًا لأرباحهم والذين يريدون أن تكون ألمانيا جهة فاعلة إمبريالية أكثر "استقلالية" تتعامل مع جميع القوى الأخرى. ويعتمد فقط على الأرباح المراد تحقيقها، بغض النظر عن الاعتبارات أو "القيم" الجيوسياسية.

في المؤتمر الصحفي، دعا رجل الأعمال والمليونير في مجال تكنولوجيا المعلومات سويكات، والعضو الاستثنائي في فريق التأسيس، إلى فرض ضرائب أعلى على أقرانه، وبدا وكأنه الرأسمالي المثالي الذي يدعو إلى زيادة طفيفة في الضرائب الضريبية من أجل الحفاظ على وضعه الاجتماعي ووجود إطار فعال لزيادة الثروة.

 عدالة اجتماعية من الأعلى

هنا يكاد المنشقون يقتربون من سياسة حزبهم الأم، في رفع الأجور والمعاشات التقاعدية، وحد أدني للأجور، لكنهم لا يشيرون إلى النضالات العمالية، وإلى تعزيز دور النقابات وتكتفي الوثيقة بالإشارة إلى:

"لابد من تعزيز الاتفاقيات الجماعية مرة أخرى؛ وأفضل طريقة للقيام بذلك تتلخص في جعل الاتفاقيات الجماعية ملزمة عموماً. ومع ذلك، يجب أن تكون جميع الشركات، بما في ذلك الشركات الصغيرة، قادرة على دفع الأجور المتفق عليها بشكل جماعي".  بمعنى آخر عدالة اجتماعية من الأعلى، او ما يطلق عليه "رأسمالية اجتماعية"، او رأسمالية سلمية. ويبدو أن الحزب الجديد من أبناء الحرب الباردة الجديدة، فالوثيقة تشكو من كون، "تشكيل الكتلة الجيوسياسية يعرض أسواق المبيعات المهمة للخطر".  

الهجرة واللجوء

لقد كان الموقف من ملف الهجرة واللجوء واحدا من أهم ملفات الصراع بين المنشقين وحزبهم السابق.  لم يتم التركيز على هذا الملف في المؤتمر الصحفي، الذي يقترب فيها فريق التأسيس من مواقف حزب "البديل من أجل المانيا" اليميني المتطرف، دون أن يتبنى خطابه العنصري، عبر موضوعة "مكافحة الهجرة غير المنظمة". ويعود ذلك لأن الحكومة الألمانية الحالية، تبنت سياسات معادية لطالبي اللجوء، أكثر بكثير مما كان يتوقع الداعون لها، وبالتالي فلا ضرورة للتركيز عليها في هذه اللحظة. ومن الجدير بالذكر أن المنشقين يقتربون من سياسة التضيق على اللاجئين، كما هي اليوم في الدنمارك، السويد، وهولندا.

 وبدلاً من التركيز على ملف الهجرة، كان هناك الكثير من الحديث عن "حرية التعبير" و"التبادل المحدود" للآراء، في إشارة إلى "التضيق" على الرافضين لإجراءات الوقاية من وباء كورونا، وهؤلاء في العادة ينحدرون من أوساط محافظة. ومن جهة أخرى الذين يختلفون مع الأكثرية السياسية والمجتمعية بشأن الحرب الجارية في أوكرانيا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مشروع الحزب الجديد يقوم على برغماتية غير مقيدة في كسب الناخبين. 

 المناخ

تقترب سياسة الحزب الجديد بشأن المناخ من سياسة الحزب الليبرالي الحر: حين تشير الوثيقة إلى ان البلاد تضررت بسبب "النشاط البيئي الأعمى والعشوائي الذي يجعل حياة الناس أكثر تكلفة ولكنه في الواقع لا يفيد المناخ على الإطلاق". وبدلاً من ذلك، هناك حاجة الآن إلى سياسة اقتصادية جديدة ومعقولة. وفي ضوء الكوارث المناخية العديدة، أي المطالبة بإبقاء الأمور على حالها، إلى حين الحصول على "تقنيات جديدة"، أو التمكن من اختراعها. وهنا تلعب السياسة الانتخابية مرة أخرى دورها في وضع فرص العمل في مواجهة خطط مكافحة التدهور المناخي.

رؤية حزب اليسار

أصدرت قيادة الحزب، مدعومة من جميع مسؤولي الولايات الفيدرالية في الحزب، في نفس اليوم وثيقة بشأن عملية الانشقاق وموقف الحزب وأشارت الوثيقة إلى أزمة الديمقراطية والأزمة الاجتماعية واتساع عدم المساواة، وتزايد اعتماد الحكومة على سياسة الصراع الثقافي اليمنية، واستمرار خفض الموازنة، في حين تقدم المزيد من الأموال للحروب وإعادة التسلح.

وتنتقل الوثيقة لعرض ثوابت الحزب السياسية: وفي المركز منها مسألة الملكية والنضال من أجل العدالة الاجتماعية. ووضع الناس واحتياجاتهم في مركز السياسة الاقتصادية. وتحويل شركات الخدمة العامة إلى ملكية عامة مع رقابة ديمقراطية. ودعم النقابات في نضالها من أجل الحصول على أجور جيدة وعمل جيد. وكذلك القضاء على الفقر. واتخاذ موقف واضح ضد اليمين والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان للجميع وفي كل مكان. والالتزام بنزع السلاح والسلام بدلا من تصدير الأسلحة والمواجهات الجديدة.

وتؤكد الوثيقة على الالتزام بمقررات الحزب الأخير في مدينة ايرفورت، والحاجة إلى نظام اقتصادي واجتماعي مختلف: الاشتراكية المتلازمة مع الديمقراطية: "نريد التغلب على جميع الظروف الاجتماعية التي تجعل الناس مستغلين، محرومين، وعاجزين، ويتم تدمير سبل عيشهم الاجتماعية والطبيعية".

وذكرت الوثيقة بتعرض الحزب إلى هجمات من الخصم السياسي: الحكومة الحالية التي غيرت قانون الانتخابات، لتلحق الضرر بالحزب، وكذلك من اليمين، وهو أمر معروف من تجربة الحزب، ومن التاريخ الطويل للحركة الاشتراكية. ولهذا تدعو الوثيقة إلى التضامن المشترك لمواجهة هذه الهجمات.

وبشأن الإعلان عن الانشقاق قالت الوثيقة: " في هذه الأوضاع ، أعلن عدد من أعضاء كتلة الحزب البرلمانية بزعامة سارة فاغنكنشت اليوم أنهم سيغادرون حزب اليسار، وأعلنوا أنهم سيؤسسون حزبهم الخاص. إن سلوكهم يمثل هجوما على الحزب اليساري الوحيد الممثل في البرلمان. كما أنه يستهدف مجموع اليسار المجتمعي. لا يجوز بناء أي حزب منافس بواسطة المقاعد البرلمانية والموارد المكتسبة على أساس برنامج حزبنا ونتيجة الحملة الانتخابية لأعضائنا".

وأشارت الوثيقة إلى أن إعلان الانشقاق، ينهي عمليا مرحلة من الجمود امتدت لسنوات، حيث ابتعد المنشقون عن ثوابت اليسار عموما وبرنامج مؤتمر الحزب الأخير، ومحاولة فرض مسار جديد من خلال: لتركيز على القيم المحافظة، والتوجه نحو سياسة الاقتصادية وفق مقاسات الليبرالية، والانفتاح على تبرعات الشركات، والدعوة لتأجيل حماية المناخ وإعادة الهيكلة الضرورية الآن إلى مستقبل بعيد، والمطالبة بإلغاء كامل الدعم الاجتماعي لطالبي اللجوء المرفوضين، والمطالبة بالرقابة على الحدود، وفرض العزلة على الوافدين. ويرى الحزب خطورة هذه التوجهات التي تأتي في لحظة التحول المجتمعي نحو اليمين، وبالتالي الانضمام إلى جوقة الذين يعلنون أن اللاجئين والهجرة يمثلون المشكلة، وليس التوزيع غير العادل لثروة المجتمع.

وعبرت الوثيقة عن الأسف لانسحاب البعض، وخصوصا الذين شاركوا في تأسيس الحزب. وأكدت ضرورة مراجعة ومعالجة جذور مشاكل الحزب العميقة، وان الفرصة مواتية الآن، داعية المترددين ومن لم يحسم أمره إلى البقاء، والمساهمة في تطور الحزب بروح تضامنية. وفي الختام اكدت الوثيقة على:

رفض الحزب لتداخل العضوية بين عضوية الحزب، وعضوية جمعية تعمل على تأسيس حزب جديد. وأن إعلان الانشقاق أكد حقيقة مسارين سياسيين منفصلين. وسيتخذ الحزب الخطوات اللازمة لحماية حقوق العاملين في كتلة الحزب النيابية بالتشاور مع قيادة الكتلة.

مطالبة جميع النواب الذين أعلنوا انشقاقهم بالتخلي عن عضويتهم في البرلمان. وان الاحتفاظ بها سيكون بمثابة "سرقة" غير أخلاقية. لأنها جاءت نتيجة لحملة انتخابية شارك فيها الآلاف من أعضاء. ولم يتم انتخابهم شخصيا وبشكل مباشر، إن الحفاظ على وجود الكتلة البرلمانية، يعني أيضا تأمين وظائف العاملين في الكتلة البرلمانية، واعتبر الحزب هذا العرض موقفا أخلاقيا، وانه سيقاضي المستفيدين، بلا شرعية، من موارد الحزب.

إن عودة الحزب اليوم تعني النضال بلا هوادة من أجل تحقيق نتائج إيجابية في انتخابات البرلمان الأوربي المقبلة. وفي انتخابات تسع ولايات فيدرالية مقبلة، ذات أهمية قصوى بالنسبة للحزب على الصعيد الاتحادي، وضرورة دعم القيادي في الحزب، ورئيس حكومة ولاية تورنغن بودو روميلو. إن ذلك يمثل أساسا لنجاح الحزب في الانتخابات البرلمانية العامة في خريف 2025.

وأخيرا أعلنت الوثيقة بدء حملة جديدة لتعزيز عضوية الحزب، ودعت جميع الذين يريدون بديلاً اجتماعيًا، لعملية التحول نحو اليمين والسياسات المدمرة للحكومة الحالية، للانضمام إلى الحزب الآن. وان بواسطة " خطتنا 25،" سيصبح الحزب جذابًا للأعضاء الجدد وناجحًا في النضالات الاجتماعية. وتشير آخر المعطيات إلى تحقيق نجاح في هذا المجال.

أفكار إضافية

أكد بعض المحللين الماركسيين أن قيام الحزب الجديد لا يمكن حصره بتوصيفات التضاد بين اليمين واليسار، واتفق العديد منهم بشأن عدم تبنيه العنصرية تجاه الأجانب. من جانب آخر وصف مشروع الحزب الجديد بكونه "يسار محافظ" مرة، وبعض اليساريين المتشددين نعتوه بالحزب "اليميني الشعبوي". وعده بعض أنصاره بانه يمثل اليسار القومي، وأن اليسار كان دوما أما أمميا او قوميا كما يرون ولكن أرى أنه خلطة شعبوية محافظة تحكمه التكتيكات الانتخابية في إطار الرأسمالية القائمة، لذلك لم يتحدث البيان التأسيسي عن البديل المستقبلي للرأسمالية، او عن فكرة تجاوزها. أو كما لخص الأمر غريغور غيزي الشخصية الأبرز في حزب اليسار: "لا أعتقد أن المشروع الجديد سينجح على المدى الطويل. تريد ساره اتباع سياسة لجوء مشابهة لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، وفي السياسة الاقتصادية تتفق مع سياسات لودفيغ ايرهارت من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وفي السياسة الاجتماعية تقترب من حزب اليسار. إنها تعتقد أنه يمكن تجميع الناخبين. لكن الأمر لا يعمل بهذه الطريقة. ربما بإمكانها تحقيق النجاح في الانتخابات الأوروبية في ولاية أو اثنتين من الولايات الفيدرالية الشرقية في عام 2024. لكنني لا أعتقد أن أنها ستمثل في البرلمان الاتحادي بعد انتخابات 2025 العامة".

ولهذا فان استمرار وحدة أنصار المشروع ليست مضمونة، لأن العديد من الاشتراكيين الذين دعموا المشروع على أمل الرد على اليمين المتطرف سيتقاطعون مستقبلا مع جوهر برنامجه الاقتصادي، واقترابه من اليمين المتطرف بشأن ملف الهجرة واللجوء.

 لقد اعتبر بعض المتابعين الانشقاق مؤسفا لأنه غير ضروري تاريخيا. إن قضايا معقدة على هذه الشاكلة، لا يمكن حلها من حيث المبدأ في إطار الرأسمالية - مثل مسألة الهجرة أو السلام - قد تجير لصالح مواقف متعارضة بشكل حاد ذات طابع هوياتي شخصي. من جانب آخر اعتبرت شخصيات في حزب اليسار أن الانشقاق رغم ضرره، من المفروض ان يشكل بداية جديدة للحزب لمراجعة نقاط ضعفه، والمواقف القابلة للتأويل، كالموقف من الحرب في أوكرانيا.

لم ينتقل إلى معسكر المنشقين أي من ممثلي الحزب في البرلمان الاتحادي وبرلمانات الولايات ومجالس البلديات أو مسؤول حزبي في شرق المانيا.

 مجموعة قيادة الانشقاق تشكلت من الوجوه المتوقعة: أقرب حلفاء فاغنكنيشت داخل الحزب. الاستثناء الوحيد هو رالف سويكات، وهو رجل أعمال مليونير في مجال تكنولوجيا المعلومات حقق ثروة من بيع البرامج لشركات المحاماة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. منذ أن أصبح مليونيرًا، أمضى معظم وقته كمدافع عن نظام الضرائب التصاعدية في ألمانيا. وكان أحد مؤسسي "مبادرة من الأثرياء في البلدان الناطقة بالألمانية تدافع بنشاط عن العدالة الضريبية"، والتي نأت بنفسها عنه بسبب التزامه الحزبي الجديد.

 لقد اختفت المفردات اليسارية، مثل الاشتراكية أو الرأسمالية، التي يمكن أن تردع الناخبين الوسطيين، وحل محلها خطاب محسوب عن الإنصاف والعقل والعدالة.

مشروع الحزب الجديد يهدد على المدى القريب على الأقل التوازنات القائمة.

 الأمر الأكثر غرابة في مشروع فاجنكنشت الجديد هو أنه يمثل، على المدى القصير على الأقل، تهديد لمصداقية المؤسسة السياسية السائدة، أكثر من تهديد حزب اليسار نفسه. وهذا ما دفع بعض المحللين الماركسيين إلى القول، إذا نجح الحزب الجديد فعلا في إيقاف صعود اليمين المتطرف، لاعتماده تكتيكات شعبوية مماثلة ربما يمنع قيام تحالف بين اليمين المحافظ والمتطرف بعد الانتخابات البرلمانية العامة 2025، وهذا يصب في النهاية في مصلحة حزب اليسار، دون ان يسعى الحزب الجديد اليه.

 وهناك من أشار إلى صعوبة نجاح التجربة التنظيمية للحزب الجديد، وكذلك نشاطه الانتخابي المقبل، لأن الأمر يحتاج إلى إمكانيات وماكينة انتخابية وقاعدة واسعة، لتحقيق نجاحات ملموسة، وذكر بعضهم بفشل ساره فاغنكشت في تنظيم مشروع حركة "نهوض" قبل سنوات.

 وأخيرا تشير التجربة السياسية في أكثر بلدان العالم أن محاولة استنساخ او تبني مواقف اليمين المتطرف قادت دوما إلى تعزيز قدراته، هذا ما فعله اليمين المحافظ طيلة العقد الأخير على الأقل، كما أن المنطق يقول، إن الناخبين يميلون لانتخاب الأصل، وليس المستنسخ الذي لم يسبق أن جربوه.

عرض مقالات: