المنبرالحر

في مئوية اكتوبر الجذور الفكرية والاجتماعية للشرعية الاشتراكية / د. لطفي حاتم

قبل الخوض في موضوع الشرعية الاشتراكية، لابد لنا من التوقف عند بعض الأفكار الساندة لطبيعة التحليل المستمدة من ملاحظة عامة شاملة تتركز في أن طراز الدولة الاشتراكية هو عبارة عن موديل نظري اشترطته كثرة من الظروف منها:
ـــ تبلور الموديل النظري الماركسي انطلاقاً من البنية الاجتماعية الاقتصادية للمرحلة الأولى من التطور الرأسمالي المتسم بحالة انتقالية ارتكزت على سيادة الروح العسكرية للدولة البرجوازية الموروثة من الدولة الإقطاعية.
ــ أدى تطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي الى بروز الطبقة العاملة وتبلور مطالبها السياسية / الاجتماعية كطبقة أساسية في التشكيلة الاجتماعية للدولة الرأسمالية.
ــ لم يكن الفكر الماركسي بمعزل عن الفكر الاشتراكي السابق، حيث تأثر ماركس بالمفكرين الاشتراكيين الفرنسيين، وبالتحديد منهم سان سيمون ورؤيته السياسية لبناء دولة العدالة الاجتماعية.
ــ أغنت التغيرات الاجتماعية / السياسية العاصفة التي أنتجتها الثورات البرجوازية الأوربية ،1848 وكذلك كومونة باريس عام 1871، تحليل ماركس لاتجاهات ومضامين الصراع الطبقي في عصر رأسمالية المنافسة.
وقد أعاد ماركس بناء منظومته الفكرية / السياسية على أساس موضوعة الصراع الطبقي ملخصا إياها بالأفكار التالية: ـ
1. لا يقترن وجود الطبقات الاجتماعية إلا بمراحل تاريخية محددة من تطور الإنتاج.
2. يفضي النضال الطبقي في المجتمع الرأسمالي إلى ديكتاتورية البروليتاريا.
3. إن هذه الديكتاتورية ليست غير الانتقال من المجتمع الطبقي إلى مرحلة القضاء على كل الطبقات والى المجتمع اللاطبقي.
نستنتج من ذلك النص النظري أن النضال الطبقي يقود الى هيمنة الطبقة العاملة متمثلة بسيطرتها على سلطة الدولة السياسية التي تتسم بسمات انتقالية ينتقل المجتمع بعدها الى القضاء على الدولة. أن هذا التعميم النظري استمد مبرراته التاريخية من الوقائع الاجتماعية السياسية التالية: ـ
• انقسام التشكيلة الرأسمالية الى طبقتين أساسيتين تتمثل أحداهما بطبقة المنتجين والتي بدونها لا يمكن للإنتاج الرأسمالي أن يتطور.
• إيلاء أهمية قصوى للعمل السياسي المرتكز على بناء الحزب الثوري وجعله (هيئة أركان) بهدف قيادة الثورات الاجتماعية باعتبارها (قاطرات التاريخ).
• تجسد التعويل على العامل السياسي في حصر الكفاح الثوري بمهمة استلام سلطة الدولة، واستخدامها كرافعة أساسية لإحداث تغيرات اجتماعية تاريخية نحو بناء المجتمع الجديد الخالي من الاستغلال الطبقي والتناحرات الاجتماعية.
إن تفكيك الموضوعات الفكرية / السياسية في المنظومة الماركسية تقودنا الى بعض الاستنتاجات الضرورية لإسناد الروح النقدية للبحث: ــ
1. نهاية التاريخ يمكن تحقيقها عبر تحول المجتمع الطبقي المستند الى التناحرات الاجتماعية الى المجتمع الخالي من الطبقات.
2. خلو المجتمع من الطبقات يفضي الى اضمحلال الدولة بوصفها أداة طبقية بيد الطبقة المهيمنة سياسياً / اقتصاديا في المجتمعات الطبقية.
3. انطلقت المنظومة الفكرية / السياسية من وقائع الهيمنة الرأسمالية المتبلورة في إطار الدولة القومية حيث أصبحت الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية / اجتماعية قوة زاخرة بطاقاتها الإبداعية، وكانت القاطرة الحقيقية للتطور الاجتماعي.
ثورة أكتوبر والمسار المتجدد
إن انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وما نتج عنها من بناء طراز الدولة السوفيتية يطرح علينا كثرة من التساؤلات منها ـ علام تستند الشرعية الاشتراكية؟ وما علاقة تلك الشرعية بمنظمات المجتمع المدني؟ وما علاقة الشرعية الاشتراكية بالديمقراطية السياسية؟
قبل الخوض في مضامين الأسئلة المثارة دعونا نتوقف عند مضامين الدولة الاشتراكية استناداً الى معايير محددة أهمها: ـ
1. انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية وبناء طراز الدولة السوفيتية اشترطته وقائع تاريخية محددة تمثلت في : ـ
- تعايش عدة أنماط إنتاجية في التشكيلة الروسية رغم ولوج الإمبراطورية الروسية مرحلة التطور الرأسمالي بعد إلغائها مرحلة القنانة عام 1861، وما نتج عن ذلك من تغيرات في الاقتصاد الروسي، إلا أن الإمبراطورية الروسية أبقت على خصائصها الأساسية كدولة إقطاعية / بوليسية.
- أن غياب الطبقة البرجوازية القادرة على إحداث التراكم الرأسمالي جعل الدولة في المنظور اللينيني القوة الوحيدة المولدة لذلك التراكم.
- سيادة النزعة الأيديولوجية لدى حزب البلاشفة عند تصديه لبناء الدولة السوفيتية الناتجة عن الجهد النظري الذي قام به لينين عند توصيفه المرحلة الثانية من التوسع الرأسمالي وتدقيقه في البنية الجديدة للرأسمالية في طورها الاحتكاري.
- شروع لينين بدراسة مضامين الدولة الرأسمالية الاحتكارية، وسماتها الاقتصادية المتمثلة بالاندماجات الكبرى بين الشركات في المحيط الوطني وتشكل المؤسسات الاحتكارية وتكوين الطغم المالية، ونزعتها العسكرية الأمر الذي أوصله الى استنتاج سياسي يتمثل بان الإمبريالية هي عشية الثورة الاشتراكية.
2. بهذا التحديد، وبعد انتصار الثورة السوفيتية، واجهت الدولة الجديدة مهمة تطوير التراكم الرأسمالي المرتكز على ملكية الدولة العامة لوسائل الإنتاج، رغم تعدد أنماط تلك الملكية واتخاذها أشكالا تعاونية في الريف. وبهذا المعنى فان مهمة رفع الدولة السوفيتية الى مستوى الدولة الاحتكارية الرأسمالية أصبح من المهام الأساسية التي يجب على الدولة القيام بها.
3. استمد الجهاز البيروقراطي لبناء الدولة السوفيتية تزكيته من الموديل النظري المرتكز على الممارسة السياسية لطبقة المنتجين وشرعيتهم الثورية وفق آلية جديدة تستند الى: ـ
• وحدة السلطات التشريعية / التنفيذية / القضائية المنبثقة من وحدة الطبقة العاملة الفكرية والسياسية.
• احتكار الدولة وسلطتها السياسية من خلال وحدانية القيادة البلشفية.
• اعتماد المبادئ الحزبية في بناء أجهزة الدولة الإدارية / العسكرية على أساس مبدأ المركزية الديمقراطية.
• هيمنة الحزب البلشفي على منظمات المجتمع المدني وتداخل أنشطتها السياسية الاجتماعية مع السياسة الرسمية للدولة.
• بناء شكل الدولة الفدرالي للدولة السوفيتية على أساس الشرعية الأممية المنبثقة من وحدة مصالح الطبقة العاملة العالمية المتضمنة قيادة وسيادة الحزب على الجمهوريات الاتحادية وتماثل بنائها الاقتصادي وقاعدته الأساسية ملكية الدولة لوسائل الإنتاج.
على أساس المضامين السياسية/الاقتصادية للشرعية الاشتراكية نتساءل عن طبيعة النموذج الديمقراطي السائد لطراز الدولة الاشتراكية. التقرب من إشكالية النموذج الديمقراطي السائد في الدولة السوفيتية يشترط ملاحقة الفكر الناظم لذلك النموذج المنبثق من الفكر السياسي والنظري، فضلا عن الإجراءات الاقتصادية المرافقة لتلك المخططات النظرية والتي نحاول حصرها بالموضوعات التالية:ـ
- انطلق الفكر الثوري لحزب البلاشفة من المنجزات السياسية الاجتماعية التي أنتجتها كومونة باريس، حيث ركزت الثورة البلشفية على تلك المنتجات ،وربطتها بخيار استلام السلطة والاحتفاظ بها بمضامين طبقية.
- بهدف ترسيخ الحقوق الطبقية للمنتجين، أصدرت ثورة أكتوبر مرسومي الأرض والسلام اللذين شكلا أساسا قانونيا لمرسوم حقوق الشعب العامل.
- حمل مرسوم حقوق الشعب العامل صبغة قانونية طبقية شاملة جرى اعتمادها في دستور جمهوريات الاتحاد السوفيتي .
ومن المواد الأساسية لمرسوم حقوق الشعب العامل نذكر: ـ
1. إعلان روسيا جمهورية لنواب العمال والجنود والفلاحين.
2. قيام جمهورية روسيا على أساس طوعي للأمم الحرة بوصفه اتحاداً فدرالياً.
3. إنشاء الجيش الأحمر السوفيتي.
4. إلغاء المعاهدات السرية.
5. إجراءات اجتماعية / اقتصادية كإلغاء الملكية الخاصة للأرض وتأميم المصارف وإلغاء القروض الأجنبية.
بعد انتصار الثورة وإجراءاتها الاقتصادية/السياسية وبناء دولتها السوفيتية انقسم العالم الى خيارين للتطور الاجتماعي: رأسمالي واشتراكي . وقاد هذا الانقسام الى توازن دولي اقترن بظهور الأمم المتحدة التي أصبحت ميداناً للصراع الإيديولوجي / السياسي. كما أدى الصراع الدولي ذو السمة الأيديولوجية الى أن تصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان عام 1948، حيث تمت المزاوجة بين الحقوق السياسية / الاجتماعية للإنسان من خلال مقدمة الإعلان المتمثلة بضرورة خلق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة، ويتحرر فيه من الفزع والفاقة.

المنبر الحر