/
/

تتناول هذه المداخلة  تحليل اخطر ما ورد في هذا القانون من نصوص تقود في المحصلة النهائية الى تفكيك العراق والقضاء على الشركة ذاتها وتقديم الحسابات الاقتصادية الخاصة بذلك.

يجب الغاء هذا القانون فورا.

في مداخلة  سابقة قدمت "تقييما اوليا" لهذا القانون وقد استخلصت بانه "يعاني من فجوات خطيرة وعدم التناسق بين مهام الشركة وتشكيل مجلس أدارتها وخطورة تشكيل كيانين متنافسين لادارة القطاع الاستخراجي البترولي وتعارضه السافر مع دستور وتحويله العوائد السيادية الى عوائد شركة عامة مما يفقدها الحماية السيادية تحت القانون الدولي ويحمل الشركة مهام لاتتعلق مطلقا بطبيعتها كشركة نفطية."

انني احذر بقوة وحزم من الخطر الحتمي المدمر القادم واكرر دعوتي الى " السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) بالتحرك الفوري لايقاف اجراءات ادخال القانون حيز التنفيذ والطلب من مجلس شورى الدولة لتدقيق مشروعية القانون والطعن في دستورية القانون امام المحكمة الدستورية العليا."

وقبل البدء بتحليل تلك النصوص الملغومة (عن قصد اوقصر نظر) لابد من التاكيد بان نفس العقلية التي "حشرت الصناديق الاربعة" في هذا القانون هي نفسها التي "حشرت سلة الأربعة" في مسودة قانون النفط والغاز قبل احد عشر عاماً؛ والتي ساهمت في جعل ذلك القانون غير قابل للتطبيق مطلقا رغم المسودات العديدة التي قدمت منذ شباط 2007 حتى ألأن.

والسؤال المحير هو: ألم تتعض تلك العقلية من تجربة اخطاء احد عشر عام، ام انها تحاول دائما تحقيق نفس الهدف؟ لا استطيع الأجابة!!

ان اخطر ماورد في قانون شركة النفط الوطنية من "تهديدات وجودية" هي المادة 12 وخاصة الفقرات (ثانيا: ب؛ج).

تنص الفقرة ب "نسبة من الأرباح لـ (صندوق المواطن) حيث توزع على أسهم متساوية القيمة لجميع المواطنين المقيمين في العراق، وحسب الاولوية لشرائح المجتمع، ولا يجوز بيع وشراء او توريث الأسهم وتسقط عند الوفاة."

وتنص الفقرة ج "اسهم العراقيين المقيميين في الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم التي تمتنع عن تسليم عائدات النفط والغاز المنتج الى الشركة تحرم من الأرباح ويضاف استحقاقها الى باقي المساهمين."

ولتاكيد التصور اعلاه نورد فيما يلي نص التفسير الذي صرح به  النائب الدكتور ابراهيم بحر العلوم عضو لجنة النفط والطاقة النيابية والذي يبدو بانه لعب دورا رئيسيا في اعداد وتمرير هذا القانون حيث قال في مقابلة مع تقريرنفط العراق بتاريخ 7 اذار 2018 مايلي:

"إذا قررت البصرة أن تكون مستقلة غدا وأن تبيع نفطها وغازها بدون شركة النفط الوطنية العراقية،وهي نافذة للتنقيب والإنتاج ، حسناً؟ إذا قرروا ذلك جيد ، فهذا قراركم ، لكنك لن تحصل على حصتك في هذا الصندوق. لن يتلقى سكان البصرة ذلك ، لأنك لا تقدم النفط والغاز إلى شركة النفط الوطنية العراقية."

 لماذا تشكل هذه النصوص في هذا القانون و تفسير من عمل على تشريعه خطرا وجوديا على العراق وعلى شركة النفط ذاتها؟

اولا: ان تعبير "المقيمين" تمييز واضح بين العراقيين حيث تم استثناء غير المقيمين من شمولهم بصندوق "المواطن" وهذا يعني ان هذا القانون من الناحية الفعلية والعملية والقانونية "يجرد غير المقيم من صفة المواطنة او عراقيته".

ان هذا  التعبير ومدلولاته وما يترتب عليه يتعارض كليا وبشكل صارخ مع الدستور في اكثر من موقع: فالمادة 18-ثانيا  من الدستور تنص " العراقي هو كل من ولد لأبٍ عراقي أو لاُمٍ عراقية" ولم تحدد "ألاقامة" كشرط لان يكون المواطن عراقيا. اما المادة 14 فتنص "العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ " ثم تضمن المادة 16 " تكافؤ الفرص حقٌ مكفولٌ لجميع العراقيين" وتنص المادة 44: اولا " للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه" .

ثانيا: ان نص " تمتنع عن تسليم عائدات النفط والغاز المنتج" يعني ان هذا القانون يسمح لسلطات " الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم" ببيع وتصدير النفط والغاز المنتج فيها. ان هذا القانون يشرعن تصرفا خطيرا يتعارض بشكل واضح مع المادة 111  من الدستور والتي تؤكد ان "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات." ويبدو ان الذين عملوا على تشريع هذا القانون قد اغفلوا او لم يفهموا اهمية ومدلول ومركزية تكرار كلمة "كل" في المادة اعلاه. ان كلمة "كل" تعني الملكية التشاركية الجماعية لكل الشعب العراقي لكل الثروات النفطية والغازية في كل المحافظات العراقية سواء كانت منتظمة او غير منتظمة باقليم.

ثالثا: ان الامتناع عن تسليم العوائد المذكورة في النص اعلاه يشكل مخالفة من قبل سلطات "الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم" لهذا القانون. ولكن هذا القانون لم يذكر أي اجراءات قانونية تتخذ ضد تلك السلطات مما يعني ان بامكان تلك السلطات الاحتفاظ واستخدام جميع العوائد دون ان تكون ملزمة بدفع دولار واحد لشركة النفط الوطنية العراقية. وهنا يتجاهل هذا القانون مدلولات الضوابط التي يتم اعتمادها سنويا في قوانين الموازنة العامة وخاصة مايتعلق بعدم تسليم اقليم كردستان العوائد النفطية المحددة في تلك القوانين.

وفي حالة الامتناع عن تسليم العوائد والاحتفاظ بها او استخدامها يتم "معاقبة" العراقيين المقيمين في تلك الاقاليم والمحافظات وذلك بحرمانهم من حصصهم في صندوق المواطن!!

رابعا: ويترتب على هذا السماح "القانوني" اولا انتهاء دور شركة تسويق النفط ( سومو) باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة لتصدير النفط والغاز استنادا للقانون رقم 101 لسنة 1976 والقرار 272 لسنة 1987 وثاتيا القضاء كلياعلى شركة النفط الوطنية العراقية!!!.

خامسا: وفي حالة حصول الاقاليم والمحافظات المنتجة على "الاستقلال النفطي" المشرعن بموجب القانون اعلاه وتفسير من عمل على تشريعه ستنعدم عوائد النفط والغاز المتاحة لشركة النفط الوطنية العراقية؛ ويترتب على ذلك انعدام الموارد المالية التي ستخصصها شركة النفط الوطنية العراقية لخزينة الدولة (المادة 12-ثانيا-1 ) وكذلك انعدام الموارد المالية التي ستخصص للصناديق الاربعة (المادة 12-ثانيا-2 )

ستكون المحصلة النهائية تفكيك ونهاية العراق (حسب ماتوقعه بيتر كالبريت- مستشار حكومة الاقليم ابان مناقشات الدستور العراقي بعد احتلال 2003 في كتابه "نهاية العراق"!!!!) ويبدو ان التخطيط لنهاية العراق يتواصل باستمرار وهذه المرة من خلال قانون شركة النفط الوطنية العراقية بعد فشل تمرير قانون النفط والغاز الاتحادي منذ شباط 2007 وبعد فشل مقترحات تعديل بعض فقرات قانون المحافظات غير المنتظمة باقليم رقم 21 لسنة 2008 وتعديلاته التي توفر للمحافظات المنتجة الاستقلالية النفطية!!!

الحسابات ألأقتصادية لجدوى "صندوق المواطن" في قانون شركة النفط الوطنية العراقية

تم اعداد الحسابات ألأقتصادية التالية بهدف تحديد مدى صواب او خطأ وخطورة ماتظمنه قانون شركة النفط الوطنية العراقية وتصريحات النواب الذين عملوا على تمرير القانون وخاصة مايتعلق بالمادة 12 من القانون.

وقد تم لاعداد هذه الحسابات اعتماد المعلومات الاحصائية الرسمية لشهر كانون ثاني 2018 الخاصة بانتاج وتصدير النفط التي اعلنتها وزارة النفط واعتماد الاهمية النسبية لعدد سكان المحافظات حسب اخر الارقام المذكورة في قانون الموازنة والمتعلقة بتخصيصات برنامج تنمية  الاقاليم والمحافظات.

لقد تم التركيز على المحافظات المنتجة: البصرة وميسان و ذي قار وواسط وذلك لتوفر المعلومات الرسمية والمنشورة بشان انتاج النفط وتصديره في هذه المحافظات ولم يتم شمول الغاز او صادرات المنتجات النفطية لعدم توفر المعلومات التفصيلية عنها. كما لم تشمل الحسابات محافظة كركوك لانعدام الصادرات ولم تشمل الاقليم لانعدام قيمة عوائد الصادرات.

الاستنتاجات الرئيسة تتلخص بما يلي:

اولا: ان اقصى مايمكن ان يحصل عليه المواطن وعلى اساس بيانات شهر كانون ثاني 2018 هو 5,76 دولار شهريا وعلى افتراض تخصيص 3 في المائة من عوائد الصادرات النفطية لصندوق المواطن؛ وفي حالة تخفيض هذه النسبة فسينجم عنها تخفيض متناسب في حصة المواطن.

ثانيا: في حالة احتفاظ اية محافظة منتجة بعوائدها النفطية فان ذلك يقود الى تخفيض حصة المواطن في المحافظات الاخرى بما يتناسب واهمية نفط المحافظة الممتنعة عن تسليم العوائد. وتشير الحسابات ان امتناع البصرة مثلا عن تسديد العوائد ، والتي استخدمها بحر العلوم كمثال، فان حصة المواطن في المحافظات المتبقية (ميسان وذي قار وواسط) ستنخفض من 5.76  دولار الى 1.2 دولار (أي انخفاض بنسبة 79.2% والذي يعادل نسبة اهمية مساهمة نفط البصرة في اجمالي انتاج المحافظات المشمولة في التقييم ) .

وهذا يثبت اولا خطأ الاسس التي بني عليها صندوق المواطن وثانيا عدم صواب راي النائب بحر العلوم في تفسيره للقانون الذي عمل جاهدا على تمريره.

ثالثا: ان الحسابات توضح بما لايقبل الشك مطلقا ان احتفاظ المحافظات المنتجة بعوائدها النفطية يؤدي الى تقليل العوائد المالية المتاحة لشركة النفط الوطنية لان قانون الشركة بصيغته التي صوت عليها البرلمان تفتقر لاية اجراءات رادعة وتعويضية؛ بل على العكس حيث ان وجود امكانية حرمان المواطن في المحافظات الممتنعة من الاستفادة من صندوق المواطن سيشكل حافزا "قانونيا" للاستقلال النفطي مضمونا بموجب هذا القانون.

لنعد الى مثال البصرة لتوضيح هذه المسألة. فلو احتفظت البصرة بعوائد "نفطها" ثم قامت بتخصيص 3 في المائة من العوائد التي لم تسلمها للشركة الى "صندوق المواطن البصراوي" فان ذلك يقود الى ان تصبح حصة المواطن في البصرة 50,45 دولار في الشهر مقابل 1,2 دولار في محافظات ميسان و ذي قار وواسط. ومن الطبيعي والمتوقع ان يترتب عن هذا التباين المرعب نتائج كارثية تتمثل اولا بافلاس شركة النفط الوطنية وثانيا افلاس الخزينة العامة للدولة وثالثا تفتيت العراق والقضاء عليه.

ولذا يجب الغاء هذا القانون فورا.

" مقتطفات"

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*خبير نفطي

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل